بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

تأهُّب عوني لصياغة لبنانية جديدة: الحَرَاك حليفنا!

تظاهرة «التيار الوطني الحر» على طريق بعبدا
حجم الخط

لعل التيار الوطني الحر و«العهد» القوي هما الطرفان الأكثر تضررا من زلزال الحراك الشعبي الذي يأكل يوميا من رصيدهما في الشارع كما من هيبتهما.

شكلت المعارضة الكبيرة لما آلت إليه البلاد اليوم مفاجأة صادمة للعونيين الذين اعتبروا أنفسهم يوما رأس حربة الإصلاح مع رسو التسوية السياسية التي أتت العام 2016 برئيس التيار حينذاك العماد ميشال عون رئيسا للجمهورية.

لكن العهد أو التيار، ومن الصعوبة بمكان التفريق بينهما، حاولا استيعاب الصدمة ومن ثم المبادرة في هجومات مضادة، في وجه ما اعتبراه مؤامرة كبرى تستهدفهما وتتخذ معطى خارجيا بالتوازي مع ترصد داخلي شكلت القوات اللبنانية وحزب الكتائب وغيرهما، أطرافه الداخلية.

والواقع أنه بعد أيام من السلبية والترقب، بادر الرئيس ميشال عون أكثر من مرة الى مخاطبة اللبنانيين، في ما يراه التيار كشف حساب بما التزم به في خطاب القسم، وما تحقق وما يزال يعمل على تحقيقه مع التعهد به في النصف الثاني من ولايته.

في جعبة العونيين الكثير من الشكوى والتذمر مما طالهم من اتهامات. لقد وُضعوا في موقع المدان بينما هم لا يعتبرون أنهم الطرف الذي يجب أن يتحمل المسؤولية عما سارت إليه الأمور في البلاد اليوم، ويرون ان المسؤول عنه هم من حكموا منذ اتفاق الطائف الذي يدمدم جمهور التيار برفضه وتبرئة عون من تبعات أزمات سياسية واقتصادية ليس رئيس الجمهورية بقارد على حلها من دون صلاحيات سلبها منه هذا الإتفاق.

هنا تكمن نقطة الانطلاق في هجوم مضاد ترجمه التيار شعبيا عبر حشد كبير زحف نحو بعبدا لكي يقدم دعمه للعهد ولرئيسه. في ذلك المكان، رُفعت شعارات كبرى لا يرفضها أي لبناني تحت عناوين النهوض بالاقتصاد ومحاربة الفساد والمحاسبة، وصولا الى رفع شعار الدولة المدنية حيث تنتفي الطائفية والمحاصصة بالفساد​، ما يعد الباب الأول للإصلاح​. 

والواقع أن  الجميع، بمن فيهم هؤلاء، يعلمون صعوبة الوصول الى شعار الدولة المدنية الذي يتطلب توزيعا غير ظالم للسلطة سبب على الدوام عبر تاريخ لبنان جراحات كبرى شكلت الحرب الأهلية أهم تجلياتها. ويُسر أحد قياديي التيار تعليقا على جدية العهد في رفع هذا الشعار قائلا إن هذا الموضوع سيُرفض من قبل المسلمين أنفسهم قبل المسيحيين، ذلك أن الموضوع غير متعلق بالسياسة بقدر شموله القوانين كافة في البلاد ومنها قانون الاحوال الشخصية، علما أن المسيحيين أنفسهم سيخوضون بدورهم معركة شبه مستحيلة في وجه مرجعيتهم الدينية.

لذا، يبدو أن في شعارات عديدة رفعها المعنيون في بعبدا أمس الأول، الكثير من محاولات استيعاب الشارع أكثر منها تقديم الحلول عبر توفير خارطة طريق فعلية قدمها عون لتدغدغ مشاعر اللبنانيين.

والواقع أن العونيين يرفضون توصيف مسيرتهم الى بعبدا بكونها هجوما مضادا يقومون به في وجها أخصامهم من القوى المسيحية وخاصة القوات اللبنانية، ناهيك عن الحراك. وفي خطابهم اليوم الكثير من محاولة امتصاص الأزمة، وعدم استفزاز الأخصام كونهم يريدون تنفيس الاحتقان ويعلمون ان استمرار التأزم يؤذي العهد كما التيار.

من هنا، يقدم هؤلاء تقييما إيجابيا عاما للحراك الشعبي الذي يعتبرونه امتدادا لمطالبهم بالإصلاح وليس خصما لهم. هم يقيّمون مسيرة بعبدا كونها متكاملة مع تحرك وسط بيروت مهما فسرت غير ذلك، ويذهبون الى اعتبار الحراك حليفا وليس خصما! 

لكن مهما كان الأمر، يبدو أن مشهد بعبدا أراد توجيه رسالة استعراضية الى الجميع مؤداها ان التيار لا يزال قويا بعد كل ما تلقاه، وإعادة شد عصب الجمهور مع الانتقال الى مرحلة سياسية جديدة ذات أدوات مغايرة للمواجهة، كما يشير قيادي في التيار.

هي مواجهة عبر أسلوب غير استفزازي، لكنه قوي في المضمون، وقد عززتها إطلالة عون ومخاطبته الحية للجماهير. وفي موازاة ذلك، يعتبر العونيون ان إطلالة رئيس التيار الوزير جبران باسيل ترمز، إضافة الى ما سبق، شد أواصر التيار لناحية «تطهيره» الذاتي وتوجيه رسالة شديدة اللهجة بأن التيار لن يبقى متفرجا أمام محاولات ضربه من الداخل.

خرق قريب؟

في الوقت الذي يقارب فيه التيار الأمور بغير تشنج، أقله ظاهريا، يرى ان باسيل توجه الى المخلصين في الحراك الشعبي بإيجابية، لتصويب بوصلة تحركهم ومنع استغلاله من قبل البعض، وهو بذلك يغمز من قناة القوات وغيرها.

وهي رسالة مؤداها بأن التيار ينطلق مما حدث كونه يشكل فرصة لتنفيذ سياسة العهد عبر إصلاح لا يصطدم بالطائفية، لا بل ان كثيرين من أصحاب وجهة النظر هذه يشيرون الى ان الحراك بشعاراته الوطنية السامية فوق الطائفية والمذهبية يعد داعما رئيسيا للعهد، خاصة وان حركة العهد المواجهة للفساد قد اصطدمت بعقبات هائلة، علما بأن التيار كان السباق في طرح المشاريع الإصلاحية والقوانين والاقتراحات البناءة ومنها رفع السرية المصرفية عن حسابات قيادييه، حسب هؤلاء. 

من هنا، بالنسبة الى التيار، فإن مقولة ما بعد 17 تشرين الأول لن يكون كما قبله، تتعلق به أكثر مما تتعلق بالحراك الشعبي. على أن هؤلاء يقرون بعمق الأزمة التي تبدو بعيدة عن الحل. لكن حكومة التكنوقراط الكاملة لا تزال غير مؤاتية لرؤية التيار، وأقصى ما يستطيع التيار الحر تقديمه يتمثل في حكومة تكنوسياسية تكون ترجمة لنتائج الانتخابات النيابية. وهو الرأي الأعم لدى حلفاء التيار وعلى رأسهم حزب الله، لكن لدى التيار بعض التفاؤل في أن تحدث انفراجات في تشكيل الحكومة في الأيام المقبلة أو على أقل تقدير تحقيق خرق ما في الجمود الحاصل. 

على أنه برغم كل محاولة للتقليل من واقع ما يحدث في البلاد، فإن لدى التيار الكثير من القلق على نفسه كما على العهد، ويختصر القيادي في التيار مآل الأمور مستقبلا بالقول: نحن في صدد صياغة المصير النهائي للبنان!


أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى