بيروت - لبنان 2020/02/17 م الموافق 1441/06/22 هـ

جئني بمثلهم (6): الرئيس اللواء فؤاد شهاب

حجم الخط

كرّس قائد الجيش الأمير اللواء فؤاد شهاب نفسه بين العام 1946 والعام 1958 لبناء مؤسسة الجيش اللبناني على أسس عالية من الانضباط، والتنظيم الفعال، والانتماء الوطني والقِيَم الأخلاقية، وهو القائل «جيشنا هو مدرسة الوحدة الوطنية، يحياها ويحميها».

وهو أرسى قاعدة طبّقها خلال أزمتي 1952 و1958، مفادها انّ الجيش ليس أداة السلطة لقمع الشعب، وأن مهمته حماية الحدود وتأمين الاستقرار الداخلي.

ففي العام 1952، برزت معارضة سياسية طالبت الرئيس بشارة الخوري بالاستقالة. رفض اللواء شهاب أن يتورط الجيش وأن يتدخل لصالح أي من الأطراف المتنازعة. وعندما استقال الخوري عُيّن اللواء شهاب رئيساً لحكومة عسكرية انتقالية. لم يعر آذاناً صاغية للمساعي التي عُرضت عليه لتبوّء سدّة الرئاسة، وعمد فوراً على تنفيذ مهمته الطارئة وهي تنظيم وتأمين انتخاب رئيس جديد. وبعد 12 يوماً، تم انتخاب كميل شمعون خلفاً للخوري.

وفي تشرين الثاني 1956، أوكل الرئيس شمعون للواء شهاب وزارة الدفاع إضافة إلى مسؤولياته كقائد للجيش. الاّ انه استقال من منصبه الوزاري بعد أربعة أشهر، مفضلاً التركيز على واجباته العسكرية، بعيداً عن عالم السياسة.

في نهاية ولاية شمعون، وقع انقسام سياسي حاد بين اللبنانيين، وعُرفت هذه الحقبة بأزمة الـ 58، وبدأت اشتباكات مسلحة في الشوارع. رفض اللواء شهاب ان يتدخل الجيش في الصراع، وقام بحماية المواقع الإستراتيجية كالمطارات (المدنية والعسكرية) والإذاعة والمباني الحكومية. وحافظ على وحدة الجيش وحياده ومصداقيته. 

أشرفت ولاية الرئيس شمعون على الانتهاء وبدا مستقبل لبنان في مهب الرياح، وظهرت الحاجة إلى رئيس وفاقي لإنقاذ البلاد وإعادة السلم الأهلي. حظي اللواء شهاب برضا مختلف الأطراف الداخلية والخارجية على السواء، وبذلت الجهود لإقناعه بقبول المهمة، وانتخب في 31 تمّوز 1958 لولاية رئاسية مدتها ست سنوات. 

جهد الرئيس شهاب لإعادة اللحمة الوطنية والهدوء، فنجح بمهمته وأعاد الثقة والاستقرار. وفي العام 1960، بعد عامين من ولايته، وبعد إجراء الانتخابات النيابية في حزيران من ذلك العام، رأى أن البلاد استقرت وعادت إليها الحياة الديموقراطية الطبيعية، فقدم استقالته. 

فاجاأ قرار الاستقالة الجميع، فتداعى السياسيون وأعضاء المجلس النيابي وأقنعوه بعد جهد بالبقاء في منصبه. عندها، قرّر تكريس ما تبقى من الولاية الرئاسية لتحديث الدولة وإجراء إصلاحات إدارية واجتماعية والشروع بمشاريع إنمائية.

قبيل انتهاء ولايته الرئاسية عام 1964، اعتبر الكثيرون ان بقاء الرئيس شهاب على رأس البلاد أفضل خيار لاستمرار الاستقرار ولإتمام المزيد من الإصلاحات، الاّ أنه رفض رفضاَ قاطعاً تعديل الدستور للسماح له بالترشح لولاية ثانية.

وقد توقّع الكثيرون أن يترشح الرئيس شهاب لانتخابات العام 1970، لكنه، وفي بيان تاريخي، أعلن قراره بعدم الترشح، وشرح أن تجربته في السلطة قد أقنعته أن شعب بلاده ليس جاهزاً ليتخلى عن العقلية الإقطاعية والاقتناع بأهمية بناء الدولة الحديثة. وهو كان دخل في عهده في صراع مع الإقطاعية السياسية التقليدية ومع العصبيات الطائفية، التي شعر أسيادها أن سيطرتهم على السلطة قد تصبح في خطر.

وُصف العهد الشهابي بعهد المشاريع الإصلاحية الشاملة في كافة القطاعات والسعي لتأمين عدالة اجتماعية، وبالقوانين العديدة التي صدرت، وبإنشاء الأجهزة الإدارية الحديثة، وتأمين الخدمات العامة لكافة أرجاء لبنان كالبنى التحتية والطرقات وإيصال الكهرباء والمياه والتعليم والرعاية الصحيّة، خاصة الى المناطق النائية. وعرف عهده حقبة من الازدهار الاقتصادي والبحبوحة والأمن والتنمية الاجتماعية.

كان رأي الرئيس شهاب أن تعزيز الانتماء الوطني، يأتي اولاً بتأمين الدولة لحاجيات المواطنين كاملة وحماية حقوقهم ضمن مؤسسات عامة فعّالة وعادلة، وهو القائل: «لنزودهم أولاً بدولة مؤسسات وخدمات يتساوى فيها الجميع، وسوف يشدّهم ذلك تدريجياً للشعور بالانتماء لهوية وطنية وحيدة». 

كان رجل دولة حقيقي، تمتع بالحكمة والبصيرة وبُعد الرؤية، وكانت فترة حُكمه عملية توازن دقيقة للمحافظة على المساواة بين المواطنين. سلك درب التحاور والاعتدال، مقروناً بعلاقات عربية ودولية متوازنة، وبإنجاز المشاريع الإصلاحية. ولم يسمح لنفسه يوماً، ما لم يسمح به الدستور والقانون، وهو القائل: «إن الاستقلال الحق لا يُؤخذ ولا يُعطى، إنما يُبنى».

عُرف اللواء فؤاد شهاب، الرئيس الذي غيّر وجه لبنان، بصمته ولم يكن يحب الإعلام، وزوجته كذلك، فلم تظهر سوى نادراً خلال عهده. عاش حياة بسيطة خلت من أي ترف، وفرض شخصه احتراماً عميقاً نظراً لشجاعته وصدقه واستقامته وتواضعه وصبره ونظافة كفه. 

بعد فوزه بمنصب الرئاسة عام 1989، طلب الرئيس الياس الهراوي من زوجته السيدة منى القيام بزيارة لتفقد أحوال السيدة روز رينيه بواتيو أرملة الرئيس فؤاد شهاب. وبنتيجة اطلاعه على احوالها، قدّم مساعدة شهرية للأرملة حتى وفاتها عام 1992.

توفي الرئيس فؤاد شهاب في منزله ذي الأثاث البسيط، في جونيه، في 25 نيسان 1973، عن عمر يناهز الواحد والسبعين.

 * كاتب وباحث. 


أخبار ذات صلة

أوهانيان استقبلت منتخب لبنان في المطار: سأكون معكم لنواجه الصعوبات
لافروف: الغرب في مؤتمر ميونخ للأمن كان يوجه أصابع الاتهام [...]
بوتين لم يصدر أمرا بإرسال قوات إلى ليبيا