بيروت - لبنان 2018/10/16 م الموافق 1440/02/06 هـ

حكايا التزوير والإنتخابات.. من لبنان الصغير إلى 2018 (5/6)

قانون 1960 أراده شهاب إنتقالياً.. فتكرّست الطائفية

حجم الخط

                      
كتب أحمد زين الدين:

انتهت أحداث 1958، بانتخاب قائد الجيش اللواء فؤاد شهاب رئيساً للجمهورية في شهر آب، ويلاحظ هنا: أن النواب الذين جاء بهم كميل شمعون ومولوا حملتهم الانتخابية من قبل السفارة والمخابرات الأميركيتين.. قد انتخبوا الرئيس شهاب الخصم اللدود لشمعون، والذي كان في الأساس من خيار القائد الراحل جمال عبد الناصر، ووافقت عليه الإدارة الأميركية.
كان أولى الأعمال التي قام بها الرئيس شهاب بواسطة مرسوم اشتراعي هي: وضع قانون جديد للانتخاب، أجريت على أساس انتخابات عام 1960؛ فجاء هذا القانون ليكرس النظام الطائفي والمحتوى الطائفي للميثاق الوطني، فقد تخلى هذا القانون عن الدائرة الفردية التي اعتمدها العهد الشمعوني، وأدى إلى إثارة النعرات الطائفية.. لكنه لم يرجع إلى الدائرة الكبرى «المحافظة» نظراً لمعارضة الأحزاب والأقطاب السياسيين لها، بل اختار الدائرة الوسطى على أساس القضاء، فلم يؤثر القانون الجديد على التقليدية إلا قليلاً.. لكنه حافظ على مبدأ تعددية الطوائف في انتخابات النائب، كما روعي في هذا القانون الشعور الطائفي الذي ولدته أحداث عام 1958.
بشكل عام لم يجرؤ عهد فؤاد شهاب على وضع قانون انتخاب من شأنه وضع أسس جديدة للوحدة الوطنية، فقد أراد شهاب هذا القانون كمرحلة انتقالية، تؤدي إلى قانون أكثر تطوراً وأكثر وطنية، ولكن استمر هذا القانون على أربع دورات انتخابية، وأدى غايته.. لأنه حافظ على الانقسامات الطائفية عن طريق تجميدها، وحافظ على الزعامات الطائفية والإقطاعية والإقليمية وهو كان يسعى إلى تجاوزها.
وإذا لم يسجل عمليات تزوير فاقعة كالتي حدثت في انتخابات 1947 و1958 إلا أنه يسجل ضغوطات كبرى كانت تمارسها الشعبة الثانية، لاستبدال مرشح بآخر، أو لفرض مرشح ما في لائحة معينة، كما شهد اللبنانيون صعود نوع من السياسيين كفاءتهم انهم من الأثرياء «والمليونيرية»، الذين كان يستعين بهم الأقطاب وصناع اللوائح ليكونوا مرشحين من أجل الاستفادة المالية؛ حيث كان هؤلاء الأقطاب يتقاضون مبالغ مالية كبرى، إضافة إلى تمويل المعركة الانتخابية، وهكذا أخذ يتكرّس نوع من الفساد والإفساد السياسي، سببه طبقة رأسمالية طفيلية تحالفت مع إقطاع سياسي، أخذ ينمو بشكل مخيف، وتحول إلى مجهض لمجمل الحركة الإصلاحية الشهابية، تجلى في أبشع صورة في عهد الرئيس سليمان فرنجية، بإجهاض المحاولات الإصلاحية  التي قام بها وزير المال انئذ.
كما أجهضت خطة الإصلاح الاستشفائي والدوائي التي طرحها الوزير المميز الدكتور: اميل بيطار؛ حيث تبين أن شركات ومستوردي الدواء أقوى من أي مشروع إصلاحي، ناهيك عن إجهاض مجمل الخطة الإصلاحية التي وضعها وزير التصميم الدكتور حسن مشرفية.
وإذا كان قد سجل في عهد الرئيس فرنجية تمكن بعض الشباب الوطني والقومي من خرق لوائح الإقطاع السياسي، فإنه يسجل أيضاً قلب النتائج وتزويرها في بعض الدوائر، كحال إسقاط المرشح حبيب صادق في دائرة «مرجعيون - حاصبيا»، الذي كان مرشحاً في وجه الرئيس كامل الأسعد ولائحته.
ومن مظاهر تغيير النتائج المقنعة يذكر: أنه في العام 1960 كان أحد المرشحين المدعومين في دائرة «بعلبك - الهرمل» يتجه نحو الخسارة بنحو 400 صوت، لكن قلم إحدى القرى النائية ولا يتجاوز عدد ناخبيها 150 صوتاً قلب النتائج لمصلحته.
يذكر أن قانون 1960، جعل للكتائب نواباً.. بعد أن عجزوا في كل الانتخابات السابقة عن إيصال أي نائب، وذلك حينما طلب الرئيس شهاب من الأرمن وتحديداً «الطاشناق» انتخاب بيار الجميل وجوزف شادر في بيروت الأولى، وموريس الجميل في المتن الشمالي، كما قدم المكتب الثاني دعماً لعبدو صعب في بعبدا.
وبشكل عام.. يلاحظ في هذا القانون: فقدانه للعدالة من حيث توزيع الدوائر والأصوات الانتخابية، ففي حين كنا نرى أن أربعة آلاف صوت مثلاً.. توصل مرشحاً إلى المجلس النيابي، في دائرة بشري أو الكورة أو بنت جبيل المؤلفة كل منها من نائبين، كان أكثر من عشرين ألف صوت توصل مرشحاً، إلى المجلس النيابي، في دائرة طرابلس أو في دائرة عاليه أو بعبدا... الخ..
ظل قانون الانتخابات الذي وضع في عهد الرئيس فؤاد شهاب معتمداً طوال عهدي الرئيسين شارل حلو وسليمان فرنجية، اللذين اعتمدا هذا القانون والتنظيم الانتخابي في انتخابات عام 1964 في عهد الرئيس فؤاد شهاب نفسه، وفي عام 1968 في عهد الرئيس شارل حلو، وفي عام 1972 في عهد الرئيس سليمان فرنجية.
ولما اقترب موعد الانتخابات النيابية في 3 أيار 1976 كانت الحرب الأهلية قد اندلعت في لبنان في 13 نيسان 1975، فمدد مجلس النواب لنفسه في شهر آذار 1976 حتى تاريخ 3/6/1978 اعتباراً من تاريخ انتهاء ولايته.
وتتالت قوانين التمديد للمجلس النيابي بعد التمديد الأول؛ نظراً لاستمرار الأسباب التي أدت إلى عدم إجراء الانتخابات، فوصل عددها في السابع من كانون الأول سنة 1989 إلى ثمانية.
طوال الحرب الأهلية التي عصفت منذ 13 نيسان 1975، طرحت العديد من البرامج الإصلاحية من قبل مختلف الفئات والقوى السياسية والاجتماعية في لبنان، وكان من ضمنها بالطبع إصلاح النظام البرلماني، والتي نذكر منها على سبيل المثال والحصر: البرنامج المرحلي للحركة الوطنية، والوثيقة الدستورية التي تم الاتفاق عليها في مطلع الحرب بين الرئيسين اللبناني سليمان فرنجية والسوري حافظ الأسد، النقاط الـ14، الثوابت الإسلامية، وثيقة مجلس النواب، الاتفاق الثلاثي... الخ..
كل هذه المشاريع وغيرها.. استأثرت في أوقاتها بقسط وافر من النقاش ومن القبول والرفض؛ على أن القاسم المشترك بينها كلها أن واحداً منها لم ير النور.
وهكذا.. ما أن بدأ مؤتمر الطائف الذي جمع النواب اللبنانيين المنتخبين منذ العام 1972، والذين حضر منهم 62 نائباً، وتغيب 11 نائباً - 8 تغيبوا لأسباب غير سياسية، و3 اعتبروا مقاطعين رافضين وهم: ريمون اده، ألبير مخيبر واميل روحانا صقر - حتى استأثر قانون الانتخابات بنقاش اتسم في كثير من تفاصيله بسخونة بالغة كادت في بعض مراحلها أن تهدد مصير المؤتمر.
وإثر الإطاحة بحكومة الرئيس عمر كرامي بعد تظاهرات 6 أيار 1992، شكل الرئيس رشيد الصلح حكومة جديدة، تبين أن من مهامها إجراء انتخابات نيابية جديدة، وتقرر إجراء الانتخابات في خريف ذاك العام، فوضعت حكومة الرئيس رشيد الصلح قانون انتخاب جديد، رفع بموجبه عدد النواب إلى 128 نائباً بدلاً من 108 نواب.. كما نص عليه اتفاق الطائف، كما طبقت معايير مختلفة بالنسبة لتوزيع الدوائر الانتخابية؛ ففي الجنوب جرى دمج دائرتي النبطية والجنوب في دائرة واحدة، واعتمدت بيروت ومحافظة لبنان الشمالي دائرتين انتخابيتين، فيما جعلت الانتخابات في محافظتي جبل لبنان والبقاع على أساس القضاء، كما كان معمولاً به في السابق.
الحلقة المقبلة
ما بين انتخابات 25 أيّار 1947
و6 أيار 2018.. قواسم مشتركة


أخبار ذات صلة

تحرك الرئيس الفرنسي من العوامل المؤثرة لحث اللبنانيين على التفاهم [...]
زوار «بيت الوسط»: الحريري مرتاح وثابت على مواقفه رغم الضغوط
كل التضامن مع المملكة العربية السعودية