بيروت - لبنان 2020/10/27 م الموافق 1442/03/10 هـ

دعوة إسلامية مسيحية إلى أنسنة الإقتصاد

حجم الخط

في سنوات سابقة من عشرينية هذا القرن اجتمعنا مسلمين ومسيحيين حول فكرة المسؤولية الاجتماعية للمؤسسات، وأسسنا - بدعوة من الأخ العزيز ريمون صفير رحمه الله - جمعية أطلقنا عليها اسم الملتقى الإسلامي المسيحي لرجال الأعمال (م.أ.م). وهي تضم نخبة من رجال الأعمال من مسلمين ومسيحيين. في سنة 2013 نظمنا في بيروت مؤتمراً عالمياً حضره أكثر من اربعمائة من كبار الشخصيات الاقتصادية في العالم، بينهم رؤساء وزراء أجانب سابقون ومبعوث خاص من الفاتيكان. حمل هذا اللقاء العالمي عنوان " اقتصاد في خدمة الإنسان". كنا نطمح في أن يكون مؤتمرنا في بيروت كل سنتين ليضاهي المؤتمرات العالمية في دعم فكرة أنسنة الاقتصاد لولا الظروف السياسية المضطربة في لبنان.

ما أود أن أقوله بأن مشاكل العالم تتلخص في سيطرة الجشع المالي على الاقتصاد العالمي، ولا أستثني منه مطلقاً تطوير فيروسات مخبرية جرثومية فتاكة في المختبرات كنوع من الحروب الحديثة فائقة التكنولوجيا للسيطرة على العالم. في الحروب القادمة سنشهد مزيداً من هذه الصراعات بين الدول الكبرى للسيطرة على العالم... المال وليس الإنسان هو المحرك الأساسي لهذه الحروب.

في كلمة ألقيتها في حلقة من المؤتمرات الجانبية التي سبقت مؤتمرنا الدولي، أشرت فيها الى إن القيم الإسلامية المسيحية المشتركة في مجال أنسنة الإقتصاد والدفع به الى التفكير والعمل من أجل أن يكون الإنسان هو الهدف وليس فقط الى تحقيق الربح، هي كثيرة جداً. عندما ابتدأنا بالإلتقاء حول هذه الأفكار منذ عدة سنوات كانت تستحضر المسلم قيم العمل والمساواة واتقان الإنتاج والابعاد الإنسانية للإقتصاد والمسؤولية الإجتماعية التي يدعو اليها الإسلام في كل مرة كان يتحدث عنها المسيحي، في حين إنه بنفس الوقت الذي يتكلم فيه المسلم عن هذه القيم كان المسيحي يبحث عن مرادفاتها في نصوصه المقدسة وفي تعليم الكنيسة الإجتماعي. ألم يقل الله تعالى في القرآن الكريم : "وفي ذلك فليتنافس المتنافسون" وقال أيضاً " ولكلٍّ وجهةٌ هو موليها فاستبقوا الخيرات"، ألم يقل النجاشي عظيم الحبشة لقساوسته وللوفد الذي أرسله النبي محمد صلى الله عليه وسلم إليه : إن ماجاء به القرآن وما جاء به الإنجيل ليخرج من مشكاة واحدة.

إذا كان أرسطو كما يقال قد أنزل الفلسفة من السماء الى الأرض، فإن الرسالات السماوية والأنبياء الذين أرسلهم الله قد أنزلوا الدين من السماء الى الأرض ليسخروه للعمل على إصلاح الفرد والمجتمع، لإصلاح الرئيس والمرؤوس، ولإصلاح رب العمل والعامل.

من ضمن الأسئلة التي تواجهنا سؤال يتعلق بمدى افادة هذه القيم للإقتصاد ومدى إلزاميتها له. إن بعض المفاهيم المتشعبة للمسؤولية الإجتماعية وخاصة الأنجلوسكسونية ترى فيها أولاً وقبل كل شيء احتراماً لما ينص عليه القانون في هذه المجالات، مع ما يستلحقه من واجبات أدبية، وبعضها وخاصة الأوروبي يرى فيها أنها تصّرف اكثر من قانوني بفضل وعي أخلاقي متجدد، والسؤال الذي يطرح هل ستتحول هذه القيم وهذه المسؤولية الإجتماعية الى قوانين ملزمة. في كتاب كنت أعاود قراءته بعنوان اين الخطأ للعلامة الكبير الشيخ عبد الله العلايلي رحمه الله وجدت فيه بعض إشراقات هذه القيم ومدى إلزاميتها للتطبيق : فهو يخالف نظرة الفقهاء مثلاً في مفهوم استحباب القرض الحسن للعامل، للمناداة بإلزاميته على رب العمل ، وكذلك بإلزامية إعطاءه فرصة مسامحة لوفاء دينه. وهو يدعو ايضاً الى منع عزل الأموال عن محيط العمل، والى إلزامية الحركة في تداول الاموال. فهذه القيم الدينية لا تتطلع الى مجتمع ثري متخم يشيع فيه الترف وكثرة الفائض بل الى مجتمع غني مكتفٍ يشيع فيه الرضا والطمأنينة والأمان.

إن عالمنا اليوم هو بأشد حاجة الى هذا التعاون المشترك بين أكبر ديانتين في العالم، فالجشع الذي أصاب كثير من الأغنياء ممن يسعون الى الربح السهل، والأنانية المقيتة التي أبعدت افراد المجتمع الواحد عن بعضهم البعض، والفردية الأنانية التي شجعها التقدم الحضاري المادي على حساب الإنفتاح وتقوية الروابط الإنسانية، والعشوائية التي تستأثر بالموارد الطبيعية دون الإهتمام بالبيئة والنظر إلى الأضرار الناجمة عنها، كل ذلك ينذر بعواقب سيئة جداً يعود ضررها على كافة الناس وفي كل المجتمعات التي تعيش على كرتنا الأرضية.

لا بد للشعوب المؤمنة بهاتين الديانتين السماويتين من التعاون معاً من أجل إرساء قواعد مشتركة تجيب عن هذه المخاوف وتحد من هذه الآفات التي تصيب الأفراد و المجتمعات والمؤسسات وتعطي الحلول العملية الإنسانية المستقاة من القيم الدينية والأخلاقية.

نأمل أن يتحقق هذا التعاون وهذا الإلتقاء بفضل أرائكم وابحاثكم وإرشاداتكم ومن خلال النشاطات التي نسعى جميعاً الى ترجمتها عملياً لربط الأفكار والمبادئ العليا السامية بالحياة اليومية التي يعم خيرها على الناس جميعاً. جاء في القرآن الكريم : فأما الزبد فيذهب جفاءً وأما ما ينفع الناس فيمكث في الأرض".

الحوار المثمر والنافع ليس هو الحوار اللاهوتي ولكنه هو حوار الحياة والقيم المشتركة التي تحقق قبول الآخر وتبني معه مجتمعات تشاد على الحب والمشاركة في الحقوق والواجبات، على المشاركة في الأفراح والأطراح، وعلى المشاركة في حال الفقر والغنى. إن هذه القيم المشتركة التي نتكلم عنها اليوم أمانة نسلمها الى الأجيال القادمة ومنهم الى الأجيال التي تليهم حتى تستمر الحياة ويسود العدل والتعاون والتضامن والرحمة بين شعوب العالم.



أخبار ذات صلة

الشرطة الفرنسية تغلق المنافذ المؤدية إلى قوس النصر بعد إنذار [...]
ابراهيم استقبل رئيس وزراء البانيا ووزير الداخلية
أذربيجان تتهم أرمينا بشن هجمات عشوائية طالت مدنيين