بيروت - لبنان 2019/08/20 م الموافق 1440/12/18 هـ

رسالة إلى جونسون.. عندما حكم الإسلام كانت أوروبا تغرق في جهل مدقع

وزير الخارجية البريطاني السابق، بوريس جونسون
حجم الخط

منذ فتوى الامام الخميني في 14 شباط 1989 التي أراقت دم سلمان رشدي مؤلف كتاب الآيات الشيطانية وما رافقها من سرعة ترجمته إلى مختلف لغات العالم بل وما تزامن معها من حملة إعلامية ضخمة تدعو الى توسيع نشره ومنح كاتبه أعلى الأوسمة والنياشين وعبارات التقدير والتفخيم، حتى أصبحت لدى الراغبين في الشهرة السريعة منحى جديد يتمثل في معاداة الإسلام والتهجم على القرآن وعلى سيرة نبيه. الأمثلة كثيرة جداً في أن هذا المنحى هو مضمون النتائج ويفتح أمام كل متعطش للشهرة كافة الأبواب التي كانت مغلقة أمامه سواء في الأوساط الغربية أو المحافل الدولية.

في ظل اشتداد الأزمة السياسية في بريطانيا طلّ علينا مؤخراً وزير الخارجية السابق للملكة المتحدة بوريس جونسون والذي يعود بأصوله الإسلامية عن طريق والد جده علي كمال بك الى تركيا العثمانية، ليجدد خطابه المعادي للإسلام ويقول بأن الإسلام قد عاد بالعالم الإسلامي قروناً من الزمن الى الوراء. وكان قد سبق تصريحه ما كتبه في السنوات الماضية بأن الإسلام يعوق عمليات التنمية ونتيجة لذلك فقد كان التظلم الإسلامي عاملاً في تأجيج الصراعات. إضافة الى وصفه النساء المسلمات اللواتي يرتدين الحجاب بصناديق البريد ولصوص المصارف. مما دفع بسيدة حسين وارسي الرئيسة السابقة لحزب المحافظين إلى القول بأن جونسون يأمل من وراء هذه التصريحات في استقطاب دعم المحافظين اليمينينن للحصول على زعامة الحزب وأضافت بأنه يجب الا تصبح المسلمات محل معركة سياسية مفيدة للسياسيين البريطانيين. وأضاف في مجال آخر " لا ريب أنّ ثمّة شيئاً في الإسلام، يمكن أن يفسّر عدم ظهور البرجوازية ولا الرأسمالية الليبرالية، وهو الأمر الذي حال دون انتشار الديمقراطية في العالم الإسلامي".

ومضى جونسون إلى القول: "من الغريب أن مدينة القسطنطينية بقيت منارة للعلم طوال ألف عام من عهد الأمبراطورية الرومانية البيزنطية، بينما المدينة في ظل الحكم العثماني، لم تشهد ظهوراً للمطبعة حتى حلول منتصف القرن التاسع عشر".

وأرجع الزعيم المحافظ غالبية المشكلات التي تحصل في العالم "من البوسنة، إلى فلسطين، إلى العراق، إلى كشمير (في الهند) ينطوي على شعور المسلمين بـ"التظلم الإسلامي".

هذه الآراء الساذجة تنم على عدم الإحاطة بالأسباب التي أدت الى ازدهار العالم الإسلامي وبالأسباب التي أدت الى انهياره. إن تاريخنا أعطى للحضارة الإنسانية دروساً وتقدما ورقيـّاً في كافة العلوم والإختصاصات بنى عليها الغرب حضارته التنويرية والعلمية بلا أدنى شك ولا ريب. وكان تقليد الغرب للعرب والمسلمين في حينها في طريقة عيشهم وعاداتهم وتقاليدهم ولبسهم واستخدام تعابيرهم وألفاظهم والتعلم في جامعاتهم عناوين لمرادفات كثيرة تدل على اتصاف المقلد الغربي بالرقي العلمي والثقافي ومؤشراً إلى حسن خلقه ونظافته وأناقته.

لقد قارب الحقيقة من قال بأن كل الأديان كانت تحبو حبواً نحو التطور والتأقلم بخطى بطيئة جداً لتواكب التقدم الحضاري والثقافي للمجتمعات التي كانت تعيش بها، إلا الإسلام فقد فاق عصره منذ ولادته ودفع بمجتمعاته إلى ذروة الحضارة والتقدم ثم هُويَ به في النهاية ليصل حالياً إلى حضيض الجهل والتزمت والتقوقع. فكل الحضارات ولدت وتطورت وارتقت وتأقلمت مع احتياجات عصرها من التقدم العلمي والحضاري إلا المسلمين فقد ولد إسلامهم عظيماً فأردوه في النهاية - بسبب بعدهم عنه وبسبب المؤامرات الخارجية التي لم تفتر إلى الآن - سجيناً في غياهب الجهل وأقبية التزمت والتخلف والإجرام.

عندما حكم الإسلام كانت أوروبا تغرق في جهل مدقع تشهد عليه كتابات التاريخ عن هذه الفترة. كتب ألفاروا مطران قرطبة في عام ثمانمائة وأربع وخمسين للميلاد إلى أحد أصدقائه رسالة يقول فيها: "إن إخواني في الدين يجدون لذة كبرى في قراءة شعر العرب وحكاياتهم، ويقبلون على دراسة مذاهب أهل الدين والفلسفة المسلمين، لا ليردوا عليها وينقضوها، وإنما لكي يكتسبوا من ذلك أسلوبا عربيا جميلاً صحيحا. وأين تجد الآن واحداً من غير رجال الدين يقرأ الشروح اللاتينية التي كتبت على الأناجيل المقدسة؟ ومن سوى رجال الدين يعكف على دراسة كتابات التلاميذ، وآثار الأنبياء والرسل؟ يا للحسرة !! إن الموهوبين من شبان المسيحيين لا يعرفون اليوم إلا لغة العرب وآدابها، ويؤمنون بها ويقبلون عليها في نهم، وهم ينفقون أموالاً طائلة في جمع كتبها، ويفخرون في كل مكان بأن هذه الآداب حقيقية جديرة بالإعجاب. فإذا حدثتهم عن الكتب المسيحية أجابوك في ازدراء بأنها غير جديرة بأن يصرفوا إليها انتباههم. يا للألم !! لقد نسي المسيحيون حتى لغتهم فلا تكاد تجد في الألف منهم واحداً يستطيع أن يكتب إلى صاحبه كتاباً سليماً من الخطأ. فأما عن الكتابة في لغة العرب، فإنك لتجد منهم عددا عظيما يجيدونها في أسلوب منمق، بل هم ينظمون من الشعر العربي ما يفوق شعر العرب أنفسهم فناً وجمالا"

صحيح أن الفكر الإسلامي يعاني حالياً من أزمة حقيقية، بين تيار منفتح ومجدد وتيار منغلق ومتشدد، ولكن السؤال الذي يطرح نفسه في هذا المجال فيما إذا كانت أوروبا وعلى رأسها بريطانيا قد فضلت التعامل مع التيار المنغلق والمتشدد لخرق جدار الوحدة السياسية التي أوجدتها الدولة العثمانية خلال القرن التاسع وأوائل القرن العشرين، والذي نتج عنه فيما بعد بسط سيطرتها على مقدرات الدول العربية. الجواب معروف لدى الجميع ولا داعي لتفصيله فيما بات يعرف حالياً بالمصالح الجيوستراتيجية للغرب في الوطن العربي والأطماع الاقتصادية، إلى زرع كيان غريب في منطقة الشرق الأوسط واشعال الفتن الداخلية تارة بين المسلمين أنفسهم وتارة أخرى بين المسلمين والمسيحيين، تماماً كما كان يحصل في زمن الإستعمار البريطاني للهند، وليس آخراً في حرب أفغانستان والعراق وسوريا، وتأسيس ودعم الجماعات التكفيرية والمتطرفة مثل داعش.

وأما استشهاد جونسون بموضوع تأخر إدخال الطباعة في الدولة العثمانية فلم يذكر إنجازات المسلمين في كافة العلوم والتي يعود لها الفضل الأكبر في نهضة أوروبا.

فيما لم يعد يدعو للشك مطلقاً ما وصلت اليه الشريعة الإسلامية من مكانة والتي أشار اليها مؤتمر أسبوع الفقه الاسلامي الذي عقد بجماعة باريس سنة 1951 والذي انتهى الى النتائج التالية :

ـ1 ان مبادىء الفقه الاسلامي لها قيمة حقوقية لا يمارى فيها.

ـ2 ان اختلاف المذاهب الفقهية في هذه المجموعات الحقوقية العظمى ينطوي على ثورة من المفاهيم والمسلمات،من الأصول الحقوقية،هي مناط الاعجاب وبها يستطيع الفقه الاسلامي أن يستجيب لجميع مطالب الحياة والتوفيق بين حاجياتها.

دون أن ننسى تأثر الفقه الأجنبي بالفقه الإسلامي حيث ابتدأت حركته العلمية في القرن السادس عشر وذلك عن طريق فيتوريا وسوتو وسواريز ، واهم ما كتب في هذا الموضوع ما كتبه العالم الهولندي غروتيوس في كتابه قانون الحرب والسلم. دون أن ننسى تأثر الفقه المدني الفرنسي بالفقه المالكي عن طريق ترجمة جلّ الكتب الفقهية لهذا المذهب ونسخها كما هي في ثنايا الفقه المدني.

إن المشكلة الأساسية في الوطن العربي ليست بسبب الإسلام وإنما بسبب وضع اليد على مقدراته. لا شك بأننا نحتاج الى إعادة النظر في كثير من الأمور التي زرعتها الحركات والمذاهب المشبوهة والضالة بتشجيع من الدول الغربية وفي طليعتها بريطانيا، وحتى يتحقق ذلك يتعين علينا أن نوفر الأمن والإستقرار وبسط سلطة القانون ونبذ إرادة الدخول الى ضمائر الناس لتكفيرهم، وأن نعيد لسلطة العقل مكانته فيما لو تعارض مع النص الديني، فنغلب العقل ونأوّل النص تحقيقاً للمصلحة العامة... وأيضاً وأيضاَ أن ينظر الغرب الينا كطرف مقابل مكتمل الصفات الموصلة الى الرقي والإزدهار وليس كوضعية جيوستراتيجية واستغلالية اقتصادية ونفطية تحقق مصالحه. إرفعوا أيديكم عن الوطن العربي وسترون ما يدهش العالم.



أخبار ذات صلة

الحريري يفتتح مرحلة التوسعة الجديدة للمطار اليوم
توقعات الأبراج ليوم الثلاثاء 20/08/2019
مسؤول بالخارجية الأميركية: أي جهود لمساعدة الناقلة الإيرانية قد يُنظر [...]