بيروت - لبنان 2020/07/06 م الموافق 1441/11/15 هـ

رسالة الى الجنرال هنري غورو

حجم الخط

سيدي الجنرال

كمواطن لبناني ، أتوجه منك بهذه الرسالة ، كونك غادرت هذه الدنيا سنة 1946بعد ثلاث سنوات من منح فرنسا الحرة للبنان الكبير الذي رَكّبته سنة 1920 ، بزرع أقضية في جسم متصرفية جبل لبنان ، واعلنت قيامه من على درج قصر الصنوبر في الأول من أيلول ، يحيط بك البطريرك الحويك والمفتي نجا ، تعبيراً من الجمهورية الثالثة الفرنسية أن تركيبها للبنان هو لجميع أبنائه و ليس للمسيحيين منهم فقط ، و تحديداً الموارنة ، معتقدة أنها ستتمكن من جعل الإنتماء الديني ، لشعب الدولة المفبركة ، سيكون في الدرجة الثانية في وجدانه ، ليحل في الدرجة الأولى الشعور بالإنتماء الوطني لدى شعبه . إن الغاية من رسالتي هذه هو إعلامك ما آل اليه لبنان الكبير الذي سيبلغ الماية عام في شهر أيلول المقبل ، هذا اذا بقي على قيد الحياة الى ذلك التاريخ ، منذ منحه الاستقلال سنة 1943 و جتى يومنا هذا .

سيدي الجنرال

يبدو أن زراعة الأعضاء في جسم غريب عنها ، والمقصود في الجسم في كلمتنا الوطن ، أو الدولة إذا شئت ، شأن زراعة الأعضاء للإنسان ، لها مضاعفات قد يتعايش معها الإنسان لعقود ، إذا كان من يرعاه بعد الزراعة يحسن الرعاية ، خلافاً للأوطان والدولة التي قد تصبح أمبراطورية و تحيا لقرون إذا أنعم القدر عليها بالرعاة و القادة الوطنيين و الشرفاء ، الامر الذي لم يحظ به لبنان منذ مغادرتكم له سنة 1943. بل على العكس من ذلك إبتلاه الله بأسوأ الرعاة و أفسدهم ، ما سيؤدي الى زوال لبنان الكبير ببلوغه الماية عام ، و هو سن المراهقة للدول .

لذلك ، جئت أخبرك ما آل اليه وضع هذه الامانة التي سُلمت لمن لايستحقها و بتعبير أدق سلمتها له قبل أن يستحقها . فأقسم رسالتي الى ثلاث فقرات الأولى إدراة الدولة المنتدِبة للدولة المنتدَبة ، الثانية لبنان منذ الإستقلال حتى 1976 ، والثالثة من 1977 حتى يومنا هذا .

أولا: ادارة الإنتداب و خيبة الامل

سنة 1943 ، قبل وفاتك بثلاث سنوات و بعد ممارستكم سلطة الوصاية لمدة ثلاث و عشراين سنة على لبنان المفبرك نال إستقلاله نتيجة ، ما يحلو للبنانيين تسميته معركة الإستقلال ، و هو في الحقيقة عملية تقاسم نفوذ فرنسية بريطانية ناتجة عن تنفيذ إتفاقية سايكس بيكو ، كانت فرنسا الحرة متصورة أنه أصبح ولدها المدلل ويستحيل سلخه عنها ، إن لم يكن جغرافياً ، أقلّه ثقافة وعلماً إذ احضرت الى لبنان البعثات العلمانية الفرنسية و شجعت البعثات المدرسية الكاثوليكية التي إنتشرت في جبل لبنان مستفيداً منها جميع المواطنين على اختلاف إنتمائهم الديني ، ما يعني أنه بعد وضع الحرب العالمية الثانية أوزارها سيكون هذا الوطن ، المفبرك سنة 1920 ، فرنسي الإنتماء بكافة اركانه و المستمدة من روح دستور الجمهورية الثالثة ، أطول الجمهوريات الفرنسية عمراً حتى يومنا هذا ، فيكون لها مستعمرة كبرى في شمال أفريقيا ، هي الجزائر ، و يكون لها على الشاطئ الشرقي للمتوسط ولداً ارضعته من حضارتها ، و تستحق عن جدارة لقب الأم الحنون من أبنائه.

بالرجوع الى إدارة سلطة الإنتداب للبنان الكبير نجد أنّ فرنسا الإنتداب تستأهل لقب الأم الحنون بجدارة ، لأنها خلال ثلاث وعشرين سنة من الإنتداب أوجدت أُسُساً علمية وحضارية وثقافية وعلمانية لبناء جمهورية دستورية ، على نمطها . فهي قد وضعت للبلاد سنة 1926 دستوراً مقتبساً من دستورها ووضعت القوانين الحديثة المقتبسة بدورها من القوانين الفرنسية ، فوُضع القانون المدني ، والقانون التجاري ، وقانون العقوبات ، والقوانين العقارية بمختلف فروعها ، وباشرت أعمال المساحة في لبنان و أوجدت السجل العقاري ، غير الموجود في فرنسا ، حتى انها وضعت التنظيم للزواج المدني ، المرفوض اليوم من رجال الدين و بعض السياسيين المتعصبين و الذين يخشون خسارة اصوات بعض الناخبين ، حتى انها اعترفت في تنظيمها لقيود الاحوال الشخصية بالملحدين ، ونظمت القضاء وسائر سلطات الدولة ، إضافة إلى المؤسسات الرسمية المختصة بإدارة شؤون المواطن ، مياه ، كهرباء ، نقل ، حتى انها مُدُنياً حاولت تصميم بيروت كباريس صغيرة فكانت ساحة النجمة حيث مجلس النواب شبيهة لساحة النجمة الباريسية ، و شارع المعرض شبيهاً بشارع الريفولي الشهير في باريس ، وأوجدوا التياترو الكبير كأكادمية للثقافة شأن الاوبرا في باريس ايضاً ، والأهم أنها تخطت التوزيع الطائفي في السلطات ، رغم أنّ إعلان لبنان الكبير جاء بناءً لرغبة كاثوليكية سائدة وحاكمة في فرنسا أكثر من الفاتيكان نفسه ، فشغل في فترة الإنتداب موقع رئاسة الجمهورية الرئيس البروتستنتي و الأرثوذكسي والماروني و السني ، وشغل رئاسة مجلس النواب السني والشيعي والأرثوذوكسي ، والحكومة ترأسها السني و الارثوذوكسي .

كان الخطأ الأكبر لسلطة الإنتداب أنها تصورت رعايتها للشعب اللبناني جعلت ولاءه للوطن وليس للدين ، شأنه شأن الفرنسي الذي يدخل إلى معبده بوطنيته فيصبح بداخله كاثوليكياً أو بروتستنتياً أو أورثوذكسياً أو مسلماً أو يهودياً ، أو مهما كان دينه أو مذهبه ، ويخرج منه فيعود فرنسياً .

هذا ما إعتقدته فرنسا عندما رضخت للضغط البريطاني وأعلنت إنتهاء الإنتداب وإستقلال لبنان .

ولا اعتقد أنّ الفرنسيين إعتقدوا في لحظة أنّ النظام الذي سيقوم بعد الإستقلال هو عكس ما علّمته للشعب خلال ثلاث و عشرين سنة إنتداب .

ثانياً : الفترة منذ الأستقلال حتى سنة 1976

عرفت هذه المرحلة خمسة عهود لخمسة رؤساء جمهورية ، و سأورد لك بشكل موجز ادارة البلاد في كلٍ عهدٍ منها لأثبت لك ان فرنسا ، الجمهورية الثالثة ، أخطأت عندما قدرت أن الشعوب التي زرعتها في لبنان الكبير قد تلاحمت و بلغت سن الرشد الوطني وأنها ستكون كما أنشأتها و ربتها من الشعوب التي تؤمن بالإنتساب للوطن و ليس للزعيم أو للطائفة.

1ـ العهد الاول

فور إعلان الإستقلال ، و عودة الرئيسين بشارة الخوري و رياض الصلح الى الحكم بدأ صراع الطوائف على تقاسم حكم الوطن خيراته ، و أوجدوا ماسمي بالميثاق الوطني ، الذي كان الخطوة الأولى باتجاه فشل عملية الزرع . و عاش اللبنانيون لبضع سنوات بحلم الدولة ، و لكن الذي جرى أنه فور إعلان الإستقلال أصيب الوطن المفبرك بمرضي الطائفية و الفساد .

إعتبر الماروني لبنان الكبير تكوّن أساساً له ، وهو المتصرفية ، وما ضُم إليه هو من الملحقات التي تكونت لخدمته ، كما كرّس هذا النظام الطائفية وبات اللبناني يدخل المسجـد أو الكنيسة متعصباً فيخرج منهما أكثـر تعصّباً ، وليس وطنياً ، و هو الداء الذي حوّل المؤسسات إلى كاريكاتور ، وطنيته لم ترتبط بلبنان بل كانت دائماً ، وحتى اليوم ، مرتبطة بزعامة مرجعيتها ، تارة خارجية وتارة مذهبية ، إضافة إلى الفساد الذي أصبح ثقافة المواطن ، وشيد المسؤولون القصور وأحاط بهم الأزلام و الاقارب والسماسرة ، و قد زوروا لتجديد ولاية الرئيس سنة 1947، و بنجاح مشروعهم تفاقمت الغضبة الشعبية . وقد تمكنت مجموعة من القيادات الشابة من تشكيل جبهة أطلقت عليها إسم " الجبهة الوطنية "في سنة 1952 من اسقاط حكم الرئيس بشارة الخوري تحت شعار " اتى بهم الأجنبي فليخرجهم الشعب" رفعه زعيم شاب ، من مؤسسي الجبهة ، هو كمال جنبلاط رئيس الحزب التقدمي الإشتراكي المؤسس قبل سنتين .

2ـ العهد الثاني

قام العهد الثاني بإنتخاب احدا عضاء الجبهة الوطنية ، الرئيس كميل شمعون ، رئيساً للجمهورية ، الذي شكل أول حكومة بمعزل عن رفاقه في الجبهة و باشر التفرد بالحكم خلافاً لتعهداته لهؤلاء ، ما أدى الى قيام معارضة وطنية في وجه العهد من أعضاء الجبهة و الزعامات الوطنية المستبعدة. خاصة وأنه في ذلك الحين و بعد إسقاط الحكم الملكي في مصر وقيام الجمهورية برئاسة الزعيم جمال عبد الناصر و إحيائه لفكرة القومية العربية ، التي إجتاحت العالم العربي ، و القسم الكبير من الشعب اللبناني ، والتي لم يحتويها الحكم بل ذهب خلاف ذلك الى السير ضدها محاولاً الإنضمام الى ماعرف بحلف بغداد الذي انشأه الغرب بوجه التيار القومي العربي وزعيمه ، و مشروع الرئيس الامريكي ايزنهاور ، السياسي المستور بوجه إقتصادي . كما عُقدت قمة عربية في بيروت سنة 1956 ، على أثر حرب شنتها فرنسا و بريطانيا و إسرائيل على مصر بحجة تأميم عبد الناصر لقناة السويس و الخطر المحدق على الملاحة فيها و رفض الرئيس شمعون موافقة الدول العربية المجتمعة على قطع العاقات الدبلوماسية مع الدول المعتدية ، و أكثر من ذلك بدأت تظهر معالم رغبة الرئيس بتجديد ولايته ، لمتابعة سياسة العداء للعروبة و عبد الناصر و الإرتباط بالمشاريع الإستعمارية الرائجة في ذلك الحين ، عن طريق فبركة قوانين انتخابات تؤمن له الأكثرية النيابية اللازمة لتعديل الدستور و مؤدية الى اسقاط القيادات المعارضة ، فكان أن انطلقت في شهر أيار 1958 إنتفاضة مسلحة في البلاد اطلق عليها اسم ثورة 1958 . و قد نجحت هذه الثورة بمنع تعديل الدستور و إسقاط العهد الغربي الولاء المعادي للتيار العروبي . فكانت هذه الإنتكاسة الثانية الناتجة عن عملية الزرع .

3ـ العهد الثالث

في شهر أيلول 1958 انتهت ولاية الرئيس شمعون ، في تاريخ الإستحقاق ، بعد نجاح الثورة بمنعه من تعديل الدستور ن وبرعاية أميركية للبنانيين المؤيدين لسياسة الغرب ، و أخرى مصرية للبنانيين المؤيدين للتيار القومي العربي والثوار ، إنتخب قائد الجيش في حينه ، اللواء فؤاد شهاب رئيسأ للعهد الثالث . والحقيقة أن هذا العهد يستحيل تفصيله في رسالة لأنه بحاجة الى موسوعات ، إنما يمكن وصفه بشكل عام بأسطر بأنه " الرئيس صاحب محاولة بناء دولة كما تصورتها فرنسا عند منحها البلاد إستقلالها فبنى مؤسسات الدولة الحديثة و ساوى بين المتصرفية و الأعضاء المزروعة بالتنمية ، و جمع في الحكم بين الوجهتين السياسيتن المتقاتلين متبعاً منهجاً وسطياً يجمع بين العروبة و الغرب فعاش الشعب اللبناني في ذلك العهد أجمل أيامه " . ولا بد من الإشارة الى أنه عند إقتراب نهاية الولاية ، أكثرية المجلس النيابي والشعب بشبه إجماع ، طالبا بتعديل الدستور الذي يمنع تجديد الرئيس لولايته لتجديد إنتخابه ، فكان موقف الرئيس رفض التجديد وأصر على تطبيق الدستور ألذي كان يسميه الكتاب و يقال أنه ما عقد إجتماعاً الاّ وكان طلبه التقيد بأحكام الكتاب . و انتهى الأمر بالإتفاق بين الجميع على رئيس جديد للجمهورية يتابع السير على طريقة و منهحية سلفه

4ـ العهد الرابع

انتخب المفكر شارل حلو رئيساً للجمهورية ، و تابع سياسة الرئيس شهاب الحكيمة ، و رغم أن الأحزاب والزعامات التي ايدت الرئيس شمعون بالإنحياز الى المحور الغربي المعادي للتيار القومي العربي بقيادة عبد الناصر ، عادت لتحاول الضغط عليه للعودة الى سياسة العداء التي أتبعها الرئيس شمعون ، وكان دائماً يواجه هذه الضغوط قارئاً المعادلات الناصرية الغربية و قوة الأولى على الساحة اللبنانية. الى ان كانت سنة 1967 و أصيب العرب ، و خاصة الناصرية ، بهزيمة عسكرية بوجه إسرائيل أدت الى ضعف التأثير الإقليمي للتيار الناصري ، كما بدأت المقاومة الفلسطينية التي وجدت سنة 1965 تقوم بنشاطها من داخل الاراضي اللبنانية ، ما جعل الاحزاب اليمينية ، المسيحية ، تقرر العودة بلبنان الى سياسة المحاور و الإصرار على لبنان المفبرك لها بمفهومها المناقض لمفهوم شريكها في الوطن ، و هو نقيض الفكر الذي تعامل معه الرئيس شهاب بحكمة أدت الى قيام لبنان الدولة . بعد الهزيمة الناصرية بدأت الأحزاب اليمينية بالتسلح و بخلق أجنحة عسكرية لها بانتظار الظرف للعودة بلبنان الى سياسة المحاور ، وقد تمكنت من إستمالت الرئيس حلو، ما أدى الى أزمة حكم والى إنتفاضات شعبية قبل سنة من انتهاء ولايته لم يتمكن من حلها الا بتشكيل حكومة على النمط الشهابي ضمت حكماء الزعامات اللبنانية .

5ـ العهد الخامس

في شهر أيلول 1970 إنتهت ولاية الرئيس الرابع شارل حلو ، وكانت الإحزاب اليمينية تحاول الوصول الى سدة الرئاسة بواسطة أحد حلفائها ، لمعرفتها إستحالة نجاح اي من قادتها فاختارت مرشحأ لها حليفاً هو النائب سليمان فرنجية الذي رشحته بوجه المرشح الشهابي حاكم المصرف المركزي إلياس سركيس ، و قد تمكن مرشح الاحزاب اليمينية من نيل تأييد بعض قادة الأحزاب اليسارية طارحاً نفسه حكماً بين الفرقاء قريباً من المفاهيم الديمقراطية ، ما ادى الى نجاحه بفارق صوت واحد . بعد نجاحه و فور مباشرته لمهامه بدأ بنقض ما تعهد به و استبعد جميع التيارات الوطنية اليسارية من حكوماته وانتهج نهج وسياسة الأحزاب اليمينية ، و امام اعمال المقاومة الفلسطينية التي نشطت و بدلاً من معالجة الأمر بعقل الدولة والتنسيق مع الزعامات القريبة منها ، طلب من الأحزاب اليمينية المسيحية التسلح ، الأمر الذي كانت قد باشرته منذ سنة 1967 ، كما أن اتباعه سياسة قبلية في إدارة البلاد و تشكيل حكومات عشوائية و محاولة تشكيل حكومات عسكرية ، أكدت للقيادات اليساربة ان ما يقوم به الرئيس يناقض تماماً العهد الذي قطعه له بتنفيذ مطالبهم ، و أنهم وقعوا ضحية عملية خداع يمينية . في سنة 1973 بدأت أجواء العداء للتيار اليساري تتزايد و تأكد موضوع تسلح الأحزاب اليمينية المتطرفة ما أدى الى مسارعة الأحزاب اليسارية الى التسلح بدورها ، و مع تزايد التدخلات الأقليمية و الدولية، في لعبة سياسية لم يحسن إدارتها الرئيس الخامس ، فرنجية ، و انطلت حتى على القيادات اليسارية إنفجرت الاوضاع في البلاد في 13 نيسان 1975 و تحولت بخلال بضعة أشهر الى حرب أهلية لا تبقي ولا تذر ، أكثر من ماية ألف قتيل وما يقاربهم من المفقودين ، و انتهت كما أعتقدنا ، في حينه سنة 1976 ، بعد إنتخاب حاكم مصرف لبنان الياس سركيس ، المرشح الشهابي بوجه الرئيس فرنجية سنة 1970 ، و نظراً لما أنتجت الحرب الأهلية من تنافر و عداء بين الشعوب المكونة للشعب اللبناني إنعقدت قمة عربية في مدينة الرياض في تشرين الأول سنة 1976 ، سلمت فيه حزب البعث العربي الأشتراكي الحاكم في سوريا الأمن في لبنان .

ثالثاً : الفترة منذ 1976 حتى يومنا هذا

إعتقد اللبنانيون أن الحرب الأهلية قد انتهت ، ولكن أثبتت الأيام أنها مستمرة و لكن بوسائل و مفاهيم مختلفة ، و هي في حقيقتها مستمرة حتى هذه الساعة التي أكتب فيها هذه الكلمات . وأعتبر أن العهود التي توالت على الحكم منذ سنة 1976 حتى اليوم هي فصول منها ، و ليست عهوداً يمكن إدراجها بين العهود التي حكمت لبنان حتى تاريخ إندلاع الحرب . ويمكن تسمية هذه الفترة " حكم مندوبو البعث السوري " . فرئاسة الجمهورية اللبنانية توقفت عند إنتخاب الرئيس الخامس سنة 1970 .

سيدي ، لا بد من الإشارة الى حدثين وطنيين ،و حدثين إقليميين كان لها الأثر المباشر على تاريخ ، و حكم ، لبنان الكبير في الفترة التي تلت وهم إنتهاء حرب 1976، أما الأحداث الاربعة فهي :

1 ـ إغتيـال حزب البعث السوري في 16/3/1977، قائد الحركة الوطنية المفكر والفيلسوف والمناضل كمال جنبلاط و الذي تدخل الحزب فـي الـحرب الأهـلية مسانـداً اليميـن الطائفـي ، لمنـعـه مـن إقامـة دولة ديمقراطية في المنظومة العربية .

2 ـ خطــف و إخفـاء الإمام موسى الصدر ، بتاريخ 31/8/1978 ، رئيس المجلس الإسلامي الشـيعي الأعـلى منـذ العـهد الشهابي ، و مؤسـس حـركة المقاومة اللبنانية ، العضو في الحركة الوطنية اللبنانية ، الذي خطفته الثورة الفارسية لرجــال الدين في ايـران و التـي رفــض الأمام ، الذي آمن بلبنان الدمقراطي العربي التعددي ، مجارتها بمشروع إحياء الامبراطورية الفارسية .

3 ـ زيارة الرئيس الإنهزامي أنور السادات لإسرائيل بتاريخ23/11/1977 و خطابه أمام الكنيسة الذي أعلن فيه أن حرب 1973 كانت آخر الحروب بين مصر و إسرائيل

4 ـ عودة الإمـام الخميـني الى ايـران بتاريخ 29/1/1979 وإعلان الجمــهورية الإسلامية و دخول مشروع امبراطورية فارس قيد التنفيذ .

نتج عن هذه الأحداث ، في فترة حكم البعث السوري ، بين سنتي 1976 و1990 الأحداث الرئيسية التي ساوردها :

ــ بعد زيارة السادات لإسرائيل ، عادت الميلشيات اليمينية المسيحية الى علاقتها بإسرائيل متخلية عن البعث السوري ، الذي إحتل البلاد لنصرتها ، الذي عاد بدوره الى التواصل مع منظمة التحرير و بعض الأحزاب اليسارية ، الذي دخل لمحاربتها ، ما اعاد تقسيم البلاد الى نصفين متناحرين ، وجاهر اليمين المسيحي بعدائه للبـعث السـوري ما أدى الى إندلاع القتال بينهما في أول تموز 1978 واستمر مدة ماية يوم .

ــ استمرت الاجـواء المتوترة في البلاد حتى 6/6/1982 حيث إجتاحت إسرائيل لبنان بقصد القضاء على منظمة التحرير الفلسطينية و احتلت بيروت ، وكانت المليشيات المسيحية مساندة لها من الداخل .

ــ بتاريـتخ 23/8/1982 إنتخـب رئيس الميليشيات المسيحية الموحدة بإسم القوات اللبناـنية والتـي سانــدت إسرائيــل فــي الإجتـياح ، بشـيــر الجميـل ، رئيـــساً للجمهــورية و بتاريـــخ 14/9/1982 تم إغتياله ، و انتخب شقيقه أمين الجميل مكانه قبل نهاية و لاية الرئيس سركيس في 23/9/1982

ــ شباط 1983 انسحبت القوات الإسرائلية من منطقة الجبل مسلمة مواقعها للقوات اللبنــانية ما أدى الى حــرب شرسـة بيــن هذه القوات والجيش الشعبي للحزب الإشتراكي ،

ــ نيسان 1983 فُجــر مبنى السفارة الأميركية ، و أعلن حزب الله مسؤوليته عن العملية ، وانكشف لاحقاً أن حزب الله هو مجموعة من تنظيم حركة امل تمكنت الجمهورية الإسلامية الإيرانية من استمالتهم ليخرجوا عن قيادة الحركة . الى أن اصبحوا اليوم جزأً لا يتجزأ من قوات الحرس الثوري الإيراني .

ــ في 12/3/1984 إنعقد مؤتمر لوزان لمصالحة الفرقاء اللبنانيين ببعضهم البعض مــع الرئيس اللبناني ، و تشكــلت حكومة تضــم كــافة الفرقـاء . رغـم ذلك استمرت المعارك المتفرقة ، وبات رئيس الجمهورية يقف واضعاً إحدى قدميه في البور الإسرائيلي و الأخرى في الفلاحة السورية .

ــ بتاريخ 23/6/1984 عين مجلس الوزراء بضغط من البعث السوري العقيد ميشال عون قائداً للجيش ، متخطياً العمداء و الالوياء ، و رقي الى رتبة عماد . و كان هذا القرار المدمر للبلاد ، لمرتين الأولى حين تمرد على الشرعية ، والثانية عندما إنتخب رئيساً شرعياً .

ــ 22/9/1988 قبل انتهاء ولاية الرئيس أمبن الجميل بساعات ، و بسبب الخلاف الحاد على شخص الرئيس الجديد ، و الذي لعب دوراً فيه قائد الجيش ميشال عون كون البعث السوري الذي زرعه في منصبه للمجيئ به رئيساً ٌ بدل موقفه ، ما جعله المعطل الأول للإستحقاق . و ترأس جكومة عسكرية ، شكلها الرئيس دقائق قبل إنتهاء ولايته ، مهمتها الوحيدة وفقاً لأحكام الدستور إنتخاب رئيساً للجمهورية وقد ولدت عرجاء لرفض الضباط المسلمين المشاركة فيها ، رغم ذلك و بدلاً من القيام بالمهمـة الوحيـدة المـكلف بها دستورياً بإنتخاب رئيساً للجمهورية ، شن الحروب العشوائية و حل مجلس النواب ما أدى الى أضـرار فاقت حرب 75/76 .

ــ ايلول 1990 تم إتفاق دولي إقليمي ، سوري تحديداً ، أدى الى وقف القتال بين اللبنانيين و إنهاء حالة العصيان التي خلقها قائد الجيش المتمرد ، ووضع حزب البعث السوري يده على البلاد ، وفر العماد الى باريس حيث إستقر لمدة خمس عشرة سنـة متابعاً حربـه ضـد حليفـه السابـق ، السوري ، و حزب الله الإيرانـي كـما كان يسمـيه فـي خطاباتـه ، و في التصاريح الدونكيشوتية .

ــ 1990/2005 عرف لبنان فترة انتداب سورية انتهت باغتيال رئيس الحكومة ما أدى الى خروج السوري المادي ، و استمرار وجوده المعنوي الفاعل من خلال من تعاون معهم في فترة إنتدابه ، وخاصة حزب الله الإيراني الولاء والمرجع ، و قد تمكـن هذا الحزب من إخلاء موقع رئاسة الجمهورية للمجيئ بميشال عون رئيساً للجمهورية الذي استجدى معتذراً البعث السوري والمرشد الإيراني .

ــ عانى لبنان أزمات إقتصادية و سياسية ناتجة عن الإنتداب السوري ، و لكن ما أن تبوأ ميـشال عـون سـدة الرئاسة سنة 2016 حتى عادت البلاد لتعيش الأجواء المتشنجة السياسية والطائفية ، وبات يحاول حكم البلاد بذلك العقل العشوائي الذي تمرد به ، مع الفارق أن عداءه اليوم بات للوطنيين و ليس للسوري و الإيراني . ما أوصـل البـلاد الى حالة الإفـلاس المالي و الإنهيار الإقتصادي ، ما أوصل الشعب الى القيام بإنتفاضة لم ينقذ الحكم منها الاّ فيروس يغزو البشرية اليوم .

سيدي الجنرال ، إن رسالتي هي وقائع مختصرة بحاجة الى مؤلفات من اخصائيين ، ولا أزعم إجادة هذه الكتابة ، ولكنها تعطي فكرة عن معاناة الجيل الذي يغادر البلاد ، والحياة ، وهي في الدرك الأسفل يهيمن عليها حزب مسلح بأسلحة و بفكر فارسي يتلطى بالدين بفلسطين و الدين ، ورئيس جمهورية يعجز الأطباء النفسيين تحليل شخصيته ، وقد ولد في أيام سلطة جمهوريتكم الثالثة المسلحة بفكر فولتير و روسو و مونتسكيو .

ان الوطن والشعب يبكيان أيامكم بعد أن حل محلكم الإيراني و السوري ، وهو يحتضر ، والشعب يحترق قلبه على و طن عاشه سويسرا الشرق و يحتضر مدينة ايرانية .

لبنان لم يعش للبنان ، بل عاش للطوائف و قدم نفسه ضحية على مذابح الآخرين .و الشعب ينادي اليوم جميع الزعامات و القيادات قائلاً لهم إجتمعوا فإما أن تنقذوا و طنكم المحتضر أو اسحبوا الأنابيب واعلنوا فشل عملية الزرع ، فإطالة مدة الإحتضار أقسى من الموت. .


سيدي الجنرال ، لقد منحتم الإستقلال لقاصر



أخبار ذات صلة

حكومة «الإجتماعات والخبريات» باقية.. فهل تعيينات الكهرباء غداً ترفع العتمة؟
جريدة اللواء 6-7-2020
فلسطينيات يرتدين الكمامات خلال مراسم تشييع أحد ضحايا كورونا في الضفة (أ.ف.ب)
ليلة «خارج السيطرة» في بريطانيا واشتداد الوباء في المكسيك والهند [...]