بيروت - لبنان 2020/07/02 م الموافق 1441/11/11 هـ

رشيد كرامي النّسر الذي هوى

حجم الخط

في الاول من حزيران عام 1987، هوى النسر من عليائه، وسقط مذبوحا بسلاح الغدر، مضرّجاً بدمائه التي بذلها من أجل اعلاء كلمة الحق ورفع راية الوفاق ووحدة العيش المشترك بين اللبنانيين.

لقد سقط الرئيس الشهيد رشيد كرامي غيلة بأيدي حفنة من القتلة المارقين دعاة التقسيم المشبعين بالعصبية والحقد، العملاء العاملين على تفتيت الوطن وتفكيك أوصاله.

لقد سقط الرشيد على رقعة الارض ذاتها التي ارادت هذه الطغمة الطاغية ان تجعل منها بلغة الحتم محطة للجواسيس ومنطلقا لشرذمة اللبنانيين، فكان رده الحاسم في كل (الحالات) له وقع الخنجر في صدورهم. (حتما لا) لا لمخططكم الجهنمي في انشاء غيتو للمسيحيين، فالمسيحيون على قدم وساق مع المسلمين يتعلقون بوحدة وطنهم، ويرفضون تحت اي شعار طائفي دعوات التقاسم والتقسيم، لقد كانوا يتمنطقون بالاسلحة الفتاكة وبالراجمات والصواريخ، فيخيفهم الرشيد بهدوء اعصابه، ويرهبهم بفكره وعقله، ويقهرهم بحكمته ويرهقهم بمنطقه الوحدوي.

رشيد كرامي بقامته المربوعة، كان كالجبل الاشمّ، ثابتا في مواقفه لا يتزعزع، يغالب المحن والفتن والعواصف، ايمانه راسخ بشعبه لا تنال منه المغريات ولا تؤثر فيه شدة الخطوب والتداعيات، وكان برؤيته الوطنية الهادفة، يجتاح كل رأي منحرف ويصادر كل فكر مستورد ودخيل على قيم مجتمعنا واخلاقه، كان ملتقى المخلصين وموئل الاخيار، وكان في رخامة صوته وعذوبة نبرته، اقوى من هدير الدبابات وازيز الرصاص، كلمته مسموعة ومهابة، تدخل الى العقول وتخترق العظام، اعداؤه وخصومه يرشقونه من خلف المتاريس والأستار لأنهم يخشون الحوار معه، فحجتهم ضعيفة، ويشعرون وهم في مجلسه بانهم اقزام وصغار.

من يعرف رشيد كرامي يدرك معنى «اللا» ويفهم قيمة «النعم»، فهو عندما يقول لا كمن يعلن الحرب على الباطل والفساد والانحراف، يعلنها ضد المحاباة وضد كل من تسول له نفسه القفز فوق القانون والنظام، انه مدافع عنيد عن مبدأ المساواة في الحقوق والواجبات، وهو اذا قال نعم، فانه يصدق القول ويتبعه بالعمل.

من هنا كان على عداوة شديدة مع التوأمة السياسية والنفاق التي يعتمدها اكثر السياسيين في وعودهم الجوفاء وعهودهم الخداعة. وكأن الممارسة السياسية في الحكم ومع اليأس لكي تنجح، يجب ان تكون مبنية على الاكاذيب والدجل والدهاء.

زعامة رشيد كرامة لونها لا يجرد وطعمها لا يتغير، كانت ثابتة لا تقوى وهو في سدة المسؤولية، ولا تضعف وهو في صفوف الناس، رشيد كرامي هو هو، اذا حكم كان حكيما في حكمه، واذا اعتكف كان قويا في موقفه، واذا اعتزل كانت اراؤه السياسية تغيّر المعادلات ومحط انظار الحاكمين والناس.

من هنا استطاع الرئيس كرامي ان يزرع نبتة الوفاق بين الكمائن والالغام واستمرت رعايته لها حتى الرمق الاخير فسقاها بدمائه لتغالب افات النزاع والشقاق والحريق، تأخذ طريقها الى النمو على ايدي المخلصين ممن ساروا على نهجه، وليبوء بالفشل الذين كفروا بوحدة الوطن، فغاظهم هذا الوفاق، وها هي فلولهم هائمة واصواتهم تخبو حينا وترتفع حينا، ولكن دماء الشهيد رشيد كرامي تطاردهم في كل (الحالات) اينما وجدوا، في السجون او في الاوكار وفي عالم النسيان.

طيّب الله ثرى الرئيس الشهيد رشيد كرامي، فذكراه لا زالت حيّة في النفوس، والوفاء له يلحّ علينا للنهل من نهجه وللتمسك بمبادئه وللاستزادة من حكمته ومواقفه والاستفادة من سداد رأيه ووضوح رؤيته، لقد كان رشيد كرامي قدوة في السياسة وعلما في الاستقامة والنزاهة ونبراسا في الصدق بالقول والاخلاص بالعمل وارثه لا يقدر بثمن.

* رئيس هيئة اوجيرو سابقا.



أخبار ذات صلة

غجر: بعض الناس يحصّنون أنفسهم والبعض منهم يقوم بالاحتكار والتخزين [...]
وزير الطاقة: كان هناك شحّ في مادة الفيول التي كانت [...]
غجر: سنمدّ مؤسسة "كهرباء لبنان" بالفيول وأدعو الى عدم التهافت [...]