بيروت - لبنان 2021/02/27 م الموافق 1442/07/15 هـ

صرخة من لبناني مقيم في أميركا

حجم الخط

طوت أميركا بتاريخ 20 كانون الثاني 2021، صفحة حزينة في حياة ألأمّة التي صنعت تاريخ العالم الحديث. أقسم جوزيف بايدن جونيور يمين الولاء لبلاده ودستور بلاده، كرئيس جديد للفدراليّة بالرغم عن أنف الرئيس المنتهية ولايته، الذي حمل مشعل الكراهية والعنصريّة وحبّ العظمة والقوّة، وأعاد إحياء ثقافة التفوق العنصري في بلاده لمدّة أربع سنوات.

وقف الرئيس بايدن أمام مبنى الكابيتول الذي كان مسرحا لأسوأ حدث يمكن أن يدفع له رئيس في بلد ديموقراطي مثل أميركا، ليقول لشعبه انتصر الشعب، وأنا رئيس أميركا، كل أميركا، ويدعو إلى الوحدة. لم يتحدَّ الثمانين مليون أميركي الذين صوتوا لخصمه الرئيس المنتهية ولايته، بل ناشدهم العمل معا لمواجهة التحدّيات، فبالديموقراطيّة والوحدة تبقى أميركا عظيمة.

نعم بالديموقراطيّة والوحدة، ليس أميركا وحدها، بل كلّ أمّة وكل شعب مهما كان صغيرا، يبقى عظيما. لا يمكن لأمّة أن تستمر موحّدة وقويّة إذا ظلّ شعبها مشتّتا ومتفرّقا، تحكمه إرادة الإكراه وفرض الرأي بالقوّة. أثبت التاريخ أنّ الدّول الديموقراطيّة لا تبني استمرارها على منطق القوّة والإكراه بل على الحوار الحر والمسامحة بين أبناء الشعب واحترام القانون. أما في الدول التوتاليتارية والأنظّمة الشموليّة، فالقوّة لم تكن سندا لاستمرارها، بل سببا لتدميرها وتفتيتها.

ولبنان الذي دفع ثمن الديموقراطيّة فيه خيانة من محيطه المحكوم بالشوفينيّة والتوتاليتاريّة ومفاهيم القوّة الهتلريّة، لن نعود في ربوعه إلى صفائنا، ما لم نتمكّن من تحقيق وحدتنا الوطنيّة، والعودة إلى الديموقراطيّة. ليس المطلوب أن نكون موحّدين في الدين والفكر والرّؤية، بل بالإيمان بلبنان وطنا نهائيا لنا ولأولادنا وأحفادنا، وبالدستور نظاما يحكم العلاقات بيننا.

متى يقف رئيس جمهوريّة في لبنان، تفرضه الإرادة الشعبيّة الحرّة، ليقسم يمين الولاء لوطنه، وللدستور، بدلا عن هؤلاء الرؤساء الذين جاءت بهم إرادة القوى الخارجيّة والشموليّة المدعومة بالبطش والإكراه؟

بايدن لم يتصالح مع شعبه فحسب، بل مع العالم أيضا. فقد وجّه كلمة إلى كل العالم تحدث فيها عن عودة أميركا للإنخراط مجدّدا معه ليس لمواجهة تحديّات الأمس، بل لمواجهة تحديّات اليوم والغد. أميركا القويّة لن تقود العالم بقوّة السلاح الذي تملكه، بل بقوّة النّموذج الذي تمتلكه. ستعود إلى حلفائها وستكون شريكا موثوقا في صناعة السلام والتقدّم والأمن. 

على كلّ سياسي وباحث ومفكّر ورجل دولة أن يقرأ هذه العبارات القليلة بدقّة. هي تعني أن لا عودة إلى نموذج الفكر الأنكلوسكسوني وأساليب الحرب الباردة التي أعادها ترامب إلى قاموس السياسة الأميركيّة بعد سقوط الاتحاد السوفياتي. عبارات قد تكون مفرحة للبعض ومقلقة للآخرين. لكن من يملك قوّة الحقّ في مواقفه الوطنيّة لا يخاف شيئا. فكيف بنا ونحن نملك قوّة الحقّ التي لا تصنعها الإيديولوجيّات والشعارات، بل التي تفرضها مبادئ العدالة. علينا أن لا نخشى شيئا إذا استندنا إلى قوّة الحق القائمة على مبدأ العدالة. الحق لا تصنعه الإيديولوجيات ولا الشعارات، بل الممارسات التي تحترم الموجبات إزاء الآخرين.  لبنان لم ينتهك موجباته منذ اتفاق الهدنة عام 1949. لبنان بلد خضع ويخضع غصبا عنه، لاحتلال خارجيّ مباشر ومقنّع بغطاء من سياسيّين باعوا أنفسهم له على حساب وطنهم وشعبهم. 

لعلّنا الآن أمام فرصة حقيقيّة لا تقوم على خدمة حقّنا الوطني من خلال الكراهية التي يحملها الأميركيّ ضدّ من يغتصب حريتنا، بل من خلال الواجب الطبيعي لمن يريد أن يكون فعلا شريكا في صناعة السلام والتقدّم والأمن. نحن نريد وطنا حرّا سيّدا مستقلّا محايدا عن صراعات الآخرين. وسنحقق ذلك.

وإلى أهالي ضحايا التفجير الإجرامي لمرفأ بيروت أقول مجددا: ما حكّ جلدكم مثل أظافركم. ليكن هذا التحوّل الديموقراطي في الولايات المتّحدة حافزا لكم لتقفزوا فوق الإستبداد المحيط بقضيّتكم.

ماذا تنتظرون من أجل التحرّك لخدمة حقوقكم والحصول على العدالة؟ هل تتوقّعون فعلا من القضاء اللّبناني أن يمنحكم العدالة؟ القضاء اللّبناني لا يمكن أن يكون حرّا ومستّقلّا في ظلّ حكم إستبداديّ. مطلبنا الأوّل كقوى تغيير على مساحة لبنان، هو إقامة القضاء المستقلّ، الذي لن يتحقق من دون تحقيق الحريّة والسيادة والإستقلال للبنان. 

اقول لكم اتّحدوا فبالاتحاد قوّة. لا تسمحوا لرجال السياسة باختراق صفوفكم. وحدة موقفكم طلبا للعدالة، تحقق لكم جميعا العدالة وتحصلون على كل التعويضات التي تستحقونها ويستحقها وطننا. 

هيا اذهبوا إلى المحكمة الجنائيّة الدوليّة.

وأنا لا أتردد بالقول إلى كلّ الذين يتشدّقون بالمشاعر الوطنيّة، من سياسيين، ومحامين، وقانونيّين، دفاعا عن إمساك القضاء اللبناني بهذا الملف: أنتم تخونون الأمانة، وتخونون الوطن، وتخونون القضاء. 

الأمانة التي بين أيديكم تقضي أولا بالمطالبة بالعدالة للضحيّة، وبتغليب حقّه بالعدالة على مشاعركم «الوطنية».

أنتم تخونون الوطن لأنّكم تجعلونه مجدّدا ضحيّة مجّانيّة في لعبة المصالح الداخليّة والخارجيّة. تحوّلون أكبر جريمة أنتجها الصّراع الخارجي على أرضنا بحماية أدواته الداخليّة، إلى جريمة وطنيّة ستلطّخ صورة الإبداع اللّبناني إلى الأبد.

وأنتم تخونون القضاء لأنكم تضعونه أمام هذه التجربة الصعبة، وهو الّذي لا يملك القدرة، ولا الطّاقة على تحقيق العدالة بمفرده، لمثل هذه الجريمة الرهيبة. أنتم تعلمون ذلك، وتطلبون استشارة الخبراء لكن أيّ خبراء؟ خبراء دول وقوى لها مصالحها وأغراضها في لبنان والمنطقة؟ لماذا لا تلجأون إلى القضاء الدولي؟ 

أيها الضحايّا، لا يضيع حق خلفه مطالب.


أخبار ذات صلة

وزير الخارجية العراقي يصل إلى طهران لبحث التطورات الأخيرة مع [...]
مفاجأتي مع العقيد القذافي
ميليشيات عراقية موالية لإيران تتوعد بالانتقام من الولايات المتحدة بعد [...]