بيروت - لبنان 2019/11/16 م الموافق 1441/03/18 هـ

صَوناً لأحلام صبايا وشباب لبنان

حجم الخط

ملاحظات كثيرة يمكن تسجيلها في سياق الأحداث التي شهدها لبنان منذ فجر الخميس 17 تشرين أول 2019 لغاية اليوم، مِنَ المفيد جدا الوقوف على تلك الملاحظات لاستخلاص العِبَر وتحديد الهفوات أملا بتفادي تكرارها، علّ التغيير السياسي في لبنان ينجح دون خلل أمني وأكلاف باهظة.

الهفوات

حصلت هفوات عديدة في بدايات الثورة، حيث ان المشاعر السلبية المُعَبّر عنها بالسُباب والشتائم، وكذلك بالقطع الغليظ لبعض الطرقات، إضافة إلى حرق الإطارات في الشوارع، كان بالإمكان تفادي كل تلك الهفوات واعتماد أساليب أكثر فاعلية.. أوليست أخلاق الثوار ودرجة وعيهم على المِحَكّ؟! تكمن قوة الثورات وفُرَصِ نجاحها في فتح أبواب تأييدها عقب انطلاقها، سيما لجهة استقطاب وإقناع الجمهورَين المُتردّد والمُعاكِس، فكيف ننتظر مِن أب أن يؤيّد الثورة وهو يحاول عبثا إغلاق نوافذ بيته لئلا يتنشق طفله الهواء القاتل والمسرطن الناتج عن حرق الإطارات؟! وكيف نستسهل إطلاق الألسن بالسباب والشتائم تجاه أحد مكونات السلطة، في حين ان هدفنا هو التخلص من نظام سياسي غير قابل للحياة، يموت ويقتلنا معه؟! أليست مشكلتنا مع المنظومة السياسية التي جاءت بهذا المسؤول المشتوم كما جاءت بأقرانه ونظرائه جميعا؟! هل نجهل ان وصول هكذا شخصيات سيئة إلى موقع المسؤولية لم يكن مصادفة بل هو نتاج حتمي لمنظومة سياسية طائفية مستدِرّة بطبيعتها لنظام المحاصصة والزبائنية السياسية وكل ألوان الفساد؟! لذلك، من المفيد في المرحلة القادمة الابتعاد عن المشاعر السلبية والدعوة بمحبة وإصرار لقيام نظام سياسي عصري، يحقق رفاه المواطن.

وضوح الرؤية

بالنسبة للرؤية السياسية التي ينبغي أن تكون واضحة ومقبولة من جميع الثوار- إن أمكن- فهي من ضرورات الحفاظ على إنجازات الثورة من مكتسبات مرحلية، تمهّد لمكتسبات إضافية وصولا إلى غايتنا الأسمى وهي إعادة تكوين السلطة على أسس سليمة وعصرية.

لنا في المهاتما غاندي بالهند ومارتن لوثر بأميركا دروس ثورية ثمينة، هي مصداق ما جاءت به الأديان بمبادئها العامة مثال «أنتم ملح الأرض»، «أحبوا بعضكم بعضا»، «لو كنت فظا غليظ القلب لانفضوا من حولك»، «إلا من أتى الله بقلب سليم». فبالمشاعر الإيجابية، وبالحب لا بالكراهية ينجح التغيير وتكمن منافع البشرية.

ومن المفاهيم السياسية التي تعتريها ضبابية في عقول ونفوس كثيرين مِن نشطاء التغيير، كيفية التعاطي مع آفة الطائفية السياسية، فالكل يرفضها باللسان لكن كثيرين يحملون شيئا منها، تماما مثل فيل السيرك الصغير الذي كَبُرَ وكُرَةُ الحديد متصلة بقدمه عبر جنزير، صار حجمه ضخما ووزن كرة الحديد بات لا يذكر، لكنه نفسيا يمتنع عن حرية الحركة لأن كرة الحديد سيطرت على عقله الباطني ونهشت منه النفس والوجدان. هكذا بدا كثير من الثوار حيال قانون الانتخاب، سيما لجهة إلغاء القيد الطائفي وطريقة تكوين مجلس الشيوخ الذي لا حاجة فعلية له.

كما قدم نشطاء اقتراحا عقب تدارس طرح رئيس الجمهورية حين أعلن استعداده لاستضافة وفد يمثلهم، فكان طرح هؤلاء ان يتم تسليم البطرك رسالة كي ينقلها إلى الرئيس!! كان ذلك مشهدا واضحا يؤكد على شدة الانصياع للنمط المعمول به منذ قيام لبنان. ولما انتقدنا ذلك قيل: «هيدا لبنان»! فكان ردنا: «هيدا لبنان اللي ما بدنا اياه»!

خلاصة القول في هذه النقطة، أنه ينبغي تطهير النفوس والعقول مِن كل ما يمت إلى آفة الطائفية بِصِلة، وإذا كانت هناك مخاوف لدى فئة مِن هيمنة فئة أخرى، فإننا نستحضر المناخ السلبي الذي رافق تأسيس لبنان مع تلك الفايروس، وإن شئت سمِّها الخلية السرطانية. كأننا مع هذه الثورة على وشك ختم جرح مريض في غرفة عمليات، واجبنا التطهير التام لما يمكن أن ينمو ويفرّخ مِن جديد، ويهدّد سائر الجسد.. بكلمتين عامّيّتين: إذا بقي شيء من الطائفية رح يرجع يفرّخ.

حجم الدائرة الانتخابية

ان لحظة الانتصار المرتقب للثورة، هي لحظة ذهبية لفرض كل تعديل مستحق في كل المجالات. فرغم ان اعتماد الدائرة الكبرى هو أهم شروط قطف ثمار نظام الانتخاب النسبي، ورغم أن اعتمادها يشكل أهم شروط مكافحة ظاهرة شراء أصوات الناخبين، ورغم أن اعتمادها يعزز المشاعر الوطنية على حساب المشاعر المناطقية والتقوقع، إلا أننا نجد نشطاء يطالبون باعتماد الدائرة الفردية، وذلك شطط فكري كبير يدفعنا الى التأكيد على ان علم السياسة هو طب المجتمع، وإلى رفع الصوت بضرورة الاصغاء للـ Politologue واحترام ثقافته في مجال السياسة وعلم الاجتماع السياسي، تماما كما يحترم صاحب الحق رأي المحامي الذي يوكله، وكما يحترم المريض رأي الطبيب الذي يعالجه، وكما يحترم صاحب المشروع المهندس الذي يضع التصاميم لمنشأته.

قانون مُفَخّخ لاسترداد الأموال المنهوبة

إن مساعي السلطة في تمييع مطالب الشعب متواصلة، وبشأن قانون استرداد الأموال المنهوبة هناك محاولة سافرة وواضحة تهدف السلطة مِن ورائها إلى الإفلات من العقاب والهروب من المحاسبة، وقد تنجح في ذلك ما لم يتم نشر الوعي والحقائق بهذا الصدد. بعد عامين مِن إطلاق مشروع قانون استرداد الأموال المنهوبة مِن قبل الحراك، حزب سبعة تحديدا- تحوّل قانون استرداد الأموال المنهوبة إلى قضية رأي عام تتناقلها الألسن، وموضع تفاؤل مِن قبل الشعب الذي يتمنى معالجة قضاياه الحياتية والمعيشية الضاغطة. إزاء الوعي العام الذي تحقق شعبيا في مسألة الأموال المنهوبة، بادرت السلطة إلى تجاهل مشروع القانون الذي تم الإعلان عنه في فندق مونرو بعين المريسة قبل سنتين، وبخطوة هي أشبه بغبي يتذاكى، أطلقت السلطة- جبران باسيل تحديدا- مشروع قانون مفخّخ عنوانه استرداد الأموال المنهوبة، إنما مضمونه فارغ تماما من الجدية بل يشكل خشبة الخلاس لكل اللصوص النافذين في لبنان. لذلك، ينبغي أن يتوفر إجماع شعبي حول أي نسخة مِن قانون استرداد الأموال المنهوبة، هل هي نسخة الحراك المكتوبة بألم وعمق ونوايا وطنية خيّرة؟ أم نسخة السلطة التي تحاول الإفلات من العقاب؟

أمن لبنان على المحك

في خطاب متلفز، حذّر السيد حسن نصر الله من اختلال الأمن في لبنان خلال هذه الفترة، لكنه في ذات الوقت فتح بابا واسعا لإمكانية نشر الفوضى نتيجة التشكيك بالأهداف البعيدة التي تتستر وراءها المطالب المحقة بحسب رأيه.

لا شك بأن السيد نصر الله يتمنى دوام استتباب الأمن في لبنان، وهذا ما يتمناه الثوار أيضا. لذلك يجب توضيح حقيقة الغايات، فالثورة أشبه بقطار أوجدته حركة التاريخ، ووقوده يتمثّل بهمة الصبايا والشباب الحالمين والمتفائلين، وهو قطار لا سائق له بل لا مقود له، ينطلق بقوة فائقة على سكة حديد، ومن يعيق سير القطار كأنما يلقي بنفسه تحت عجلاته، معرّضا نفسه والقطار بما حوى إلى مخاطر جسيمة. إلى كل الأفراد والجماعات التي لم تنخرط بعد في مساعي التغيير السياسي في لبنان، ندعوكم لملاقاة الثوار ودعمهم، كما نتمنى على أركان السلطة «العتيقة» أن تصغي لصوت الشارع، إن لم تكن شيخوختها قد أصمّت آذانها بعد.

وليد المحب

رئيس جمعية صون حق التعبير


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 16-11-2019
16-11-2019
أطباء وممرضات يرفعون الأعلام البيضاء: لا أدوية! (تصوير: جمال الشمعة)
«مأزق ثقة» يُدخِل لبنان في المجهول.. وتخفيض جديد للتصنيف