بيروت - لبنان 2020/06/05 م الموافق 1441/10/13 هـ

طبيعة الأزمة الداخلية اللبنانية

حجم الخط

شكّل التفاوت الاجتماعي بين المواطنين اللبنانيين، مؤشّراً سلبياً للسياسة المالية، التي اتبعتها الحكومات المتعاقبة منذ ثلاثة عقود، ما يعني أنّها لم تضطلع بدورها في تأمين العدالة الاجتماعية، وأكثر من ذلك، فإنّ السياسة النقدية والمالية أيضاً، انتجتا واقعاً اقتصادياً واجتماعياً مزرياً، وأنّ إعمار لبنان، كل لبنان، مجرّد كلام وُعِدَ به الشعب وسَمِعَ عنه في الخطابات والمقابلات.. أما الخدمات الحياتية البسيطة، فهي المأمول الدائم لدى شعب يشكّل مورداً بشرياً أقل ما يقال عنه، التميّز، الكفاءة والإرادة! ما هي الأزمة؟، لماذا؟، إلى أين؟ ومَنْ المسؤول؟

هي أزمات سنتناول منها أزمة الكيان اللبناني، الذي شهد عبر تاريخه الحديث عدّة تغيّرات، الأمر الذي أثّر على اجتماعه السياسي، طبيعة الحكم فيه وبديهياً على إمكانية اتخاذ القرار ورسم سياسات اقتصادية منتجة (من ضمنها سياستا المال والنقد). فمن جبل لبنان، إمارة التعايش الماروني - الدرزي، إلى لبنان الكبير، جمهورية التعايش المسيحي - الإسلامي (التاريخ المعاصر)، مرَّ الكيان اللبناني بمخاضٍ عسيرٍ، ولا يزال ولن يشفى إلا حين نضع وزر الاقتصاد على أولئك الذين أفسدوا، والذين غلّبوا مصلحة مذهبيتهم على مصلحة الوطن! فكانت النتيجة طبخات سياسية طبخت مصير لبنان، وإن أي صوت حق أو بصمة مواطنة في هذه الطبخات! تطغى عليها الأنانية وشهوات الفردانية السياسية، فيغدو صمت حق في رقص شهوات!

إلى أين؟ ما أسباب استمرارية المشكلة اللبنانية؟

يشير اسكندر أبي يونس إلى أنّ المشكلة اللبنانية متمثّلة في الديمغرافيا التمايزية، حيث يرى أنّها «تشمل المجتمعات المركّبة/ يتوزّع السكان حسب الطوائف والمذاهب، مع ما يترتّب على ذلك من تمثيل هذه الطوائف والمذاهب في مختلف مؤسّسات الدولة! وهذا مؤشّر على أنّ الديمغرافيا التمايزية تجعل من البلد الخاضع لها في حالة عدم استقرار سياسي واقتصادي، فتتأزم أوضاعه دائما بخاصة إذا لم تكن مكوّناته متفاهمة»، وهذا ما ينعكس على التفاهم بشأن رسم سياسات وطنية واقتصادية من أجل رفع وتنمية الوطن.

فهل الديمغرافيا التمايزية التي يخضع لها المجتمع اللبناني هي السبب في استمرار الأزمات؟ أم إنّ المشكلة تكمن في دستوره؟، أم إنّ الدستور لا يصلح أبداً للفترة الزمنية التي نعيشها، ولا يستجيب مع التطوّرات الاجتماعية؟ أم في طوائفه المتصارعة على السلطة والصلاحيات والوظائف الإدارية؟ أم إنّ المشكلة في تغيّر المفاهيم في العالم، والحكّام اللبنانيين يمارسون الحكم بعقلية بالية؟ أو هل المشكلة في عدم تفاهم اللبنانيين على كيانهم وهويته ومواطنيّته ومدنيّته، الأمر الذي يدفع ببعض الطوائف اعتماد اللعبة الديمغرافية من أجل تحقيق أهدافها؟، أو أنّ السبب إنّ خطوات الحل والبناء مفخّخة بأهواء الفاسدين؟، هل مَنْ مجيب؟!

من هنا، فإنّ مظاهر الأزمة الداخلية اللبنانية المتأرجحة منذ ولادة ما يُسمّى «لبنان الكبير» وحتى الآن، ما زالت تتوقّف عند معادلة الشعب والدولة في الحالة اللبنانية، لا سيما التركيبة الطائفية الدينية، وأنّ تطوّر الأحداث التي عرفها لبنان قبل أنْ تتأسّس دولته، يدفع إلى الحديث عن ذاتية لبنانية، والتي انقسم حولها اللبنانيون بين مؤيّد لولادة الكيان، ومعارض له، في إطار خلفية دينية أو فكرية سياسية مختلفة. وإنّ هذه الأفكار والطروحات التي نادت بخصوصية لبنان، أسّست لإيديولوجية طائفية، شكّلت مادة خلافية بين اللبنانيين، كانت أحد أسباب النزاع والصراع الطائفي في لبنان، الذي أدّى إلى نتائج سياسية واقتصادية واجتماعية كارثية..

حتى الآن لم تُبن الدولة! لماذا؟، وأين يكمن الخلل؟ ما يحمل على التساؤل عن إشكالية بناء الدولة، هل المشكلة في النظام الطائفي؟ أم في التدخّلات الخارجية، أم في ضعف الولاء الوطني، أو في فشل اللبنانيين في بناء أحزاب غير طائفية؟ أو في عدم تربية الشباب اللبناني على مفهوم المواطنية؟ أم في ضعف الثقافة السياسية والدستورية؟.. إلخ  هذه الأسئلة مكرّرة سابقاً.

بيد أنّ بنية النظام اللبناني السياسي قد شهدت سلسلة من التحوّلات كانت لها علاقة بفاعلية القوى الخارجية التي كانت تسيطر عليه، هذه الوضعية أثّرت إلى حدٍّ كبيرٍ في آليات تطوّر الأنظمة الدستورية، التشريعات ورسم سياسات الاستقرار الاقتصادي (من ضمنها سياستي المالية والنقدية) التي جرى ويجري إقرارها. ولهذا فإنّ المتتبع لمسار تطوّر النظام البرلماني اللبناني، يرى أنّ التوازنات الطائفية في إطار الصيغة التوافقية لعبت الدور الأساس في تحديد هذا المسار وطبعته بطابع خاص، فخرج عن المبادىء والقواعد التي تقوم عليها الأنظمة البرلمانية الكلاسيكية!!

ويبقى الرهان الأكبر على الشعب اللبناني في التغيير وعدم الانجرار وراء الزعامات التي تستغلّه باستمرار تحت عباءة الطائفية. بذور وطن تغرس في نفوس الأجيال القادمة معنى المواطنة الصحيحة، التي تستطيع إعادة إنتاج سلطة سياسية مبنية على قاعدة العدالة الاجتماعية بقطع النظر عن أي انتماء طائفي أو سياسي ورسم سياسات استقرار اقتصادي منتجة وفاعلة وقادرة على تجاوز أصعب المشاكل والأزمات الاجتماعية!



د. إقبال شرف الدين



أخبار ذات صلة

متطوعو الدفاع المدني مجدداً في اعتصام نادر أمس أمام وزارة الداخلية (تصوير: جمال الشمعة)
السلطة تحدّد ضوابط تحرك السبت: 5 ممنوعات!
جريدة اللواء 5-6-2020
نظرية الشرعيات الثلاث بمواجهة الراديكالية الشيعية والراديكالية المسيحية!