بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

عن الحمراء الحزينة إذ تقارع «كورونا» بتاريخها الجميل

شوارع الحمراء تفتقد زوارها (تصوير: جمال الشمعة)
حجم الخط

هو ليس التحدي الأول بالنسبة إلى منطقة الحمراء ولن يكون الأخير أو الأصعب على شارعها العريق ومتفرعاته العذبة.

هناك، تتناوب المشاهد المحزنة عبر المراحل المختلفة من تاريخ المنطقة، لكنها لا تمس الجوهر الذي يختزل الكثير من أهلها من قاطنين وسكان غير مقيمين أناروا ذاكرة المكان فكانوا ممّن عشقوا شارعه ومقاهيه ومحلاته، لا بل ثقافته المتنوعة التي لم تتمكن أبشع مراحل ذلك التاريخ من محوها.

تربعت الحمراء قبيل الحرب الأهلية على رأس قائمة المناطق الأكثر حميميّة بالنسبة الى اللبنانيين فجمعتهم أطيافا مختلفة طوائف وأحزاباً وتيارات، وضمّت إليهم محبين غرباء عرباً وأجانب، حافظوا على حنينهم الى هذا الملتقى الرحب خلال مختلف أحداث الاحتراب الأهلي الذي لم يسلب من المنطقة روحها ورحابة صدرها عبر علمانية حداثية اتسعت الى الجميع.

ظلّت الحمراء على دأبها طيلة سنين الإقتتال الطائفي وما قبله في تخطي المحن وتجاوزها قدماً متمردة عليها بعد استتباب السلم الاهلي. حينها، استعاد الشارع بعضا من رونقه برغم افتقاده الكثير من الألق لصالح بيئات جغرافية أخرى كان أهمها وسط بيروت وما حوله كالجميزة ومونو، لكن سرعان ما سقط وهم تلك الخيارات في أن تحل بدائل للحمراء التي بقيت الجامعة للكل والمتسامحة مع الجميع.

ولعل أجمل ما في الحمراء هو شبه الإجماع في الإعجاب اللبناني بها وهو ما راكمه شارعها بإصرار عبر مراحله التاريخية المتعددة. ففيها الطبقات الإجتماعية على تفاوتها، وفيها النخب الثقافية على تنوعها، وفيها السياسة على اختلافاتها، وفيها الجامعات الغربية، وفيها عرفت الصحافة ودور النشر أركانها، وفيها المقاهي العامرة حيث سطع نجم الأدباء عالياً كما المسارح التي أطلقت فن الزمن الجميل. وقد كان تنوعها الطائفي المنبع لكل ذلك والرافد له دوماً، برغم ما طرأ على المنطقة من تغيّرات في الحرب التي صُنفت خلالها الحمراء ضمن أسوار ما سمي في بعض المراحل وما يزال عند بعض الفئات اليمينية بـ«بيروت الغربية».

وإذا كانت الحرب الأهلية قد فعلت في توجيه ضربة عميقة للحمراء وتصنيفها جغرافيا، وعلى الرغم من أفول نسبي خلال سنين ذلك الاحتراب القاتل، فإن المنطقة تلقت دفعاً غير منتظر من استقرار غير منتظر لرؤوس أموال أفادت في ازدهار حركة مالية ومصرفية في منطقة جاذبة لم تكن لتنتقل إليها من وسط البلد التجاري وأماكن أخرى لو لم تكن تلك المناطق مسرحا لعبث الميليشيات الطائفية.

الوباء يُفيض كأس المصائب!

استمرت هذه الميزة حتى يومنا هذا، ولم تقو الأحداث على منطقة حفرت في قلب وذاكرة اللبنانيين، ولعل المشهد المؤسف اليوم في زمن «كورونا» لن يكون الإختبار الأخير لها ولعشقها للحياة. لكن مجايلي فترات الحرب الأهلية يتحدثون بأسف على ما أحلّه الوباء في الحمراء التي أقفرت من الناس حتى خلا شارعها من المارّة إلا في ما ندر في الليل.

المشهد هذه المرة يختلف عن سنين الحرب حسب محرم، القاطن في المنطقة منذ أكثر من 30 سنة والذي كان يدير مقهى صغيراً بين مستشفى الجامعة الأميركية وشارع «بلس» الشهير:

«في الماضي كان المشهد مؤسفاً بسبب الحرب وما خلّفته من مصاعب، لكنه اليوم بات مؤلماً». ويسأل: متى كان ليل الحمراء ينتهي لتطفئ أنوارها في المساء؟ لم نعهد ذلك حتى في سنين الحرب وما تلاها من أحداث متفرقة؟

هو يعني بذلك ساعات منع التجول التي حوّلت الحمراء الى «مدينة أشباح»، إذ لم يكفها ما حلّ بها جراء الوباء حتى باتت شبه مقفرة في الليل الذي يحل دامساً وقاتماً.

لقد جاءت مصيبة «كورونا» على رأس سلسلة من التطورات الاقتصادية السلبية على الحمراء والبلاد في شكل عام، ليفيض كأس المصائب على أهلها ومريديها خاصة واللبنانيين عامة.

يشير محرم إلى أنه باع متجره الصغير بعد أن لاحظ تأثر جميع الرواد، على اختلافهم طبقياً وإجتماعياً، سلباً من الانكماش الاقتصادي حتى في منطقة جغرافية مليئة بالمؤسسات والمتاجر وتقبع على خط الجامعة الأميركية، ما يفترض ازدهارها، وقد جاء إقفاله المتجر قبل أشهر حتى من اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول العام الماضي حين كانت الأحوال أفضل حتى مما هي الآن، وقد قارب ذلك العام من الزمن.

ومثله، يستفيض بيار (وهو إسم مستعار إختاره الأخير حرصا على مصلحة عمله في مجال الصيرفة) في شرح آثار «كورونا» على عمله كما على إقتصاد المنطقة، وهي الشريان الأهم لبيروت. «نعمل باللحم الحيّ وبرغم كل ما يقال فقد تراجعت أشغالنا بمراحل كثيرة عمّا قبل الوباء».

يسترسل الصيرفي الذي ورث المهنة أبا عن جد، في شرح الآثار المدمرة لـ«كورونا» على الحمراء وأهلها الذين باتوا يتصرفون «بخشية وعصبية». يؤكد أن أية مرحلة مشابهة «لم تمر علينا باستثناء ما يعرف بـ7 أيار الذي اقتصر على أيام معدودة من دون أن يتمدد زمنيا الى مرحلة لا نعرف آفاقها».

يتوقف عند مراحل صعبة عدة كعدوان نيسان العام 1996 وعدوان تموز من العام 2006 وغيرها من المحطات «التي لم تترك الآثار المدمرة التي نعيشها اليوم»، ليخلص الى تشاؤم حيال ما بعد «كورونا» التي ستمتد طويلاً وقد تؤدي الى «مجاعة» للبنانيين.

«الثورة» تُحرك المياه الراكدة!

والحال أن المارّ في شارع الحمراء يتيقن حجم الإحباط من وراء التراجع الاقتصادي الذي حلّ به والذي ينذر بالمزيد. وهو ما يشرحه عماد، صاحب محل الحلاقة الذي كان بالكاد يُحصل قوت يومه قبل «كورونا»، ويبدو حزنه انطلاقا من تشاؤم يشوب كلماته حيال ما ستحمله الأيام المقبلة على المنطقة. هو تراكم للأزمات في السنوات الأخيرة يراه عماد واضحاً وهو الذي عمل في الحمراء منذ عقود.

وفي جولة متأنية على معالم المكان، يبدو الحذر واضحاً على محيا المتجولين، على قلّتهم. يُستشف ذلك في كل يوم يظهر مشابها لسابقه لقلّة النشاط. حركة سير متواضعة لا تكاد تناهز حركة أيام الآحاد العادية، حتى وإن زادت قليلا مؤخرا وهو حال مناطق بيروتية أخرى، فإن ذلك يشكل استثناءات القاعدة قبل ولوج المساء.

أما نظرات المارّين فهي متشابهة بحدّتها واستغرابها لمن يرمقهم من بعيد. هكذا هو شارع الحمراء وصولاً حتى «أبو طالب» وبمتفرعاته صعوداً ونزولاً حتى مستشفى الجامعة الأميركية حيث مظاهر الوباء هناك أكثر سفوراً على أوجه الأطباء والممرضين والعاملين الذين يظهر حذرهم تجاه أي قادم الى المستشفى.

على أن تمرد محبي الحمراء على المخاطر لا يبدو غريباً على أهلها، كان ذلك في سنين الحرب الأهلية، وفي فترات الأزمات حتى خلال ما سمي بالسلم الاهلي. ولن يفعل «كورونا» في إجبار أهل المنطقة على التسليم والاستسلام. التاريخ يبدو حاضراً دوما في ذاكرة سكان الحمراء من أهل وقاطنين وطارئين، لكن الجميع أحب المكان وذاب في نخبه ليرتبط عضوياً بالمنطقة وبمقاهيها وبمطاعمها وبفنادقها.

لكن مسحة الحزن موجودة على محيا الجميع. ها هي المقاهي سبقت الوباء للإقفال، ولم يكن ذلك سوى إرهاصات للحدث الأخير والأهم في إقفال فندق «البريستول». هنا كانت الفاجعة التي تنذر بالمزيد على ما يبدو كما يشرح أحد العاملين في الفندق الذي لم يشأ ذكر إسمه. «لم نصدق بادىء الأمر، فقد سمعنا عن تراجع الأعمال كثيرا في الأشهر الاخيرة ومع بداية الاحتجاجات الشعبية، لكن كورونا شكل ذروة تلك الازمات». ويضيف «نريد تصديق تمنايتنا أن الاقفال سيكون مؤقتاً، لكنها مكابرة. أقله بالنسبة الى علاقتنا نحن العاملين بالفندق».

لا يبدو مشهد شارع «البريستول» غريباً، فهو عرف أخيراً إقفالا مؤقتا لنحو عامين على سبيل التجديد، لكنها مسألة معنوية تتعلق بالمستقبل الذي يبدو قاتماً. ولن يكون «كورونا» وحيدا في جلب المآسي الى المنطقة، فالأوضاع الاقتصادية الى أسوأ، والانتفاضات الشعبية تنذر بالمزيد، وفساد السياسيين لا حدود له ما يشير إلى سوداوية التوصل الى أي حل جذري في البلاد قاطبة..

لكن المنطقة المتمردة على الأزمات تبدو واثقة ومصممة، هي ثارت على المصاعب والميليشيات، والأهم الطائفية والمذهبية، وإذا وضعنا اللاإستقرار الذي تحياه يوميا منذ اندلاع انتفاضة 17 تشرين الأول، فإن في الانتفاضة تلك ما عزّز علمانية لم تفتقدها المنطقة يوما لعلها تختصر بشعارات «الثورة» التي تطل بجنونها على الجدران صارخة في وجه الطبقة السياسية والمصرفية والإقتصادية ورموزها. «ثورة» لم تنتظر أفول «كورونا» للعودة مُحركة المياه الراكدة للمكان ومعيدة بعض الرونق إليه!

لكن أهل الحمراء سيتخذون من تاريخ المنطقة سلاحاً يقارعون به عدواً من نوع آخر هذه المرة، لكن الإنتصار على الوباء سيتحقق في النهاية كما كان دأب هؤلاء على الحروب.. وأهلها.



أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى