بيروت - لبنان 2019/09/15 م الموافق 1441/01/15 هـ

فرصة التغيير في شهر رمضان

حجم الخط

شهر رمضان هو موسم الروح وموسم الفرح الروحي الذي نلتقي فيه على صفاءات الروح التي تفتح القلب على مواسم الخير، ونجتمع فيه على ما يُعزِّز فينا إرادة التّواصل والتلاقي والحوار، فمعنى أن يكون الله حاضراً في علاقاتنا ولقاءاتنا، يعني أن تفيض قلوبنا بالمحبّة، وأن تكتسي مشاعرنا بلبوس الرّحمة، وأن تتفجّر بين أيدينا ينابيع البذل والعطاء... 

فمع الله، ليس هناك إلا المحبّة، ولا مكان للحقد أو الأنانية أو البغضاء أو الشّحناء، وبهذا عرَّفنا اللهُ نفسَه: الرّحمن الرّحيم، يكرّرها المؤمنون في صلواتهم وأدعيتهم، وبهذا بَعث الأنبياءَ وأَنزل الرّسالاتِ، وبهذا أرسل خاتمَ الأنبياء ومتمِّم الرّسالات محمّداً (ص).

فدعوة محمّد ما كانت إلا دعوةً للتّآلف والتّحابّ والتوادّ والتّراحم ومدّ جسور التواصل بين أفراد المجتمع الواحد وبين الشّعوب.. والآية النّهج والخطّ: {وجعلناكم شعوبًا وقبائل لتعارفوا إنّ أكرمَكم عندَ الله أتقاكم}.

ما كانت دعوة محمّد(ص) ترتكز في طيّاتها على القسوة أو الفظاظة أو العنف والغلظة، بل على العكس، فإنّ الرّفق هو القاعدة، والعنف هو استثناء، وسياستها واضحة وجليّة: «لا إكراه في الدين»، ومبدؤها «العدالة والإحسان» {إِنَّ اللهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ}. لا أحد فوق القانون، ولو كانت فاطمة بنت محمّد. الخلق كلّهم عيال الله، وأحبّهم إليه أنفعهم لعياله.

لذلك، من غير المقبول أو الدقيق، أن يصوِّر البعضُ الدّينَ – بكلّ ما يمثّله من قيم ومبادئ أخلاقيّة وإنسانيّة - سبباً لتوتّرات الحياة، أو مشكلة للتّعايش الإنساني، أو منبعاً للإرهاب والقتل الذي شهدناه ونشهده، ولا يزال يعبث في الكثير من بلداننا. نعم، لطالما استُخدم الدّين كمطيّة لتعقيدات البعض ومشاكلهم وأطماعهم، ودائماً تثبت الوقائع أنّه عندما يَخمد النّزاع السياسيّ، يخمد معه النزاع المذهبي أو الصّراع الديني.

من هذا المنطلق، فإنّ ما عانيناه ولا نزال نُعانيه في لبنان من مشاكل، لا يعود إلى الأديان في تنوّعاتها العقائدية أو الفكرية أو الفقهية، ولكن يعود إلى الطائفية بمعناها العشائريّ، وهذه الطائفيّة، ليست ديناً، بل هي عشائريّة لا تحمل حتّى قيم البداوة، وهي تتلبّس بلبوس الدّين، ولا تحمل قيمه ولا جوهره.

إنّ بلداً كلبنان؛ بلد فسيفساء الأديان والمذاهب، يُفترض أن يكون صورة معبِّرة عن القيم الجامعة بين الأديان، وأن تكون هذه القيم حاضرةً على المستويات كافّة؛ من القاعدة حتى رأس الهرم.

ولكن الطائفيّة تجذَّرت في عقولنا وفي سلوكنا، وهي الّتي  لطالما أمّنت، ولاتزال تؤمِّن، الغطاء للفاسدين والعابثين، وأفرزت كلّ هذا الواقع السيّئ الذي نحن فيه، فأصبح البلد بقرةً حلوباً لتأمين مصالح وأهداف خاصّة، ومدخلاً للوصول، وباباً للتّمييز بين الناس وتكريس سلطة الأقوياء. والأصعب من كلّ هذا، هو أنّ محاسبة الأشخاص سرعان ما يُترجَم على أرض الواقع أنّه مسّ بالطائفة والدّين!

إننا نتطلع ليكون إنسان هذا البلد إنسان القيم، إنساناً يتفوّق بوعيه وحرصه ومسؤوليّته على زعمائه أو سياسيّيه في بعض الأحيان، نريده الإنسان الذي لا يلدغ من جحر مرّتين، وقد لُدغنا بالحروب الأهليّة والفتن، وذقنا مراراتها وآلامها، وعلينا ألا نلدغ مرّة أخرى، ولا ننجرّ إلى الفتن والإثارات. وفي الماضي القريب، خُطِّط لنا أن ننجرّ إلى الفتنة، ولكنّ اللّبنانيّين نجحوا غير مرّة في أن يعطّلوا مثل هذه المخطّطات، وأن يَئدوا الفتنة في مهدها.

لقد قلت ولا أزال عند رأيي بأننا لن نشهد التّغيير في واقعنا، إلا إذا شهدنا تغيّراً في عقلية الحاكم وعقليّة المحكوم على حدّ سواء، الكلّ لا بدّ أن يتغيّر حتى نعالج أزمات البلد السياسيّة، والتي أنتجت الأزمة الاقتصادية التي نعاني منها. إننا نريد المسؤول المسؤول الذي يؤدّي دوره، ويعتبر موقعه أمانة وليس امتيازاً، ونتطلع إلى الإنسان الذي يراقب ويحاسب ويتابع ويمارس دوره، ولا يجامل على حساب وطنه ومواطنيّته.

إنّ المشكلة اليوم ليست في ضعف اقتصاد هذا البلد وموارده الماليّة، فالبلد ليس فقيراً أو معدماً من حيث موارده الطبيعيّة والبشريّة، ولكنّ المشكلة باتت مركَّبة معقَّدة:

- عقليّة المحاصصة التي تشي بأنّ الجماعة والطائفة أهمّ من الوطن.. الوطن هو مشاع ومال سائب ومهدور، فيما الوطن هو السّفينة التي إن غرقت غرق الجميع.

- وجود سياسات خاطئة عملت على بناء اقتصاد هامشيّ، لا تُعنى بالقطاعات الإنتاجيّة التي تحقّق النموّ وتخفّف من البطالة، واعتماد سياسة النموّ بالدَّين.

- عدم فاعليّة الرقابة على المؤسّسات العامّة. والمفارقة: أنّ لدينا مؤسّسات رقابيّة، ولكن يثبت الواقع أنها هي نفسها بحاجة إلى رقابة وإصلاح. وللأسف الشّديد، هذه مهزلة، والطائفية ليست ببعيدة عنها.

كلّ هذا يتمّ في ظلّ سعي حثيث، عن قصد أو غير قصد، لتهميش إنسان هذا البلد وتكبيله، بإرهاقه وجعله يلهث وراء حاجاته ومتطلّباته من جهة، وجعله مرتهناً لمن هم في مواقع المسؤوليّة من جهة أخرى. 

في المشهد المحيط بنا نعيش في هذه المرحلة معاناة على مستوى الأمّة، بفعل الفتن والسياسات الدوليّة التي تخلو من الإنسانيّة، فالإنسانية هي في أفقر ظروفها، مع شهر سلاح الحصار الظّالم في وجه الشّعوب والدّول، وتجويعها وحرمانها من أبسط حقوقها، لتأليبها على حكوماتها، أو لإخضاعها لغطرسة الاستكبار وطمعه بثرواتها، والسعي للحصول إليها كرهاً أو طوعاً.

إننا نعيش اليوم حلقةً من ممارسات لطالما سعت لتصفية قضايانا العادلة، وخصوصاً فلسطين، التي تُحاك حولها المؤامرات تلو المؤامرات، فيما شعبها الذي نتطلّع إليه باعتزاز، يصرّ على رفض كلّ تنازل عن حقوقه، ونتطلّع إلى شعب غزّة الذي يسطّر بدمائه، رغم الحصار الجائر والخانق، مواقف الصّمود والعزّة، دفاعاً عن الأرض والحقوق.. كلّ هذا وسط صمت عالميّ مطبق، وجمود وتبلّد في المشاعر الإنسانيّة.

شهر رمضان هو شهر التغيير الحقيقي.. التغيير على المستوى الفردي الذي يُسهم في إفساح المجال للتغيير العام، وقد قال تعالى: {إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْم حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ} وتحصيلُ التقوى في هذا الشهر هو الأسهل بالنظر إلى الفرصة المتاحة لذلك بالصيام والقيام وتلاوة كتاب الله، وبصوم الجوارح عن الحرام.. ولعل هذا هو ما نحتاجه في لبنان، فنحن بأمس الحاجة للصوم السياسي  الذي تصوم فيه الإدارات والمؤسسات - الرسمية وغيرها - عن الفساد، ويكف فيه هذا المسؤول أو ذاك عن الخطاب الانفعالي، وتبدأ فيه الخطوات الإصلاحية الكبرى على مستوى الدولة كلها.. وبعيداً عن ذلك سنظل نلحس المبرد وننتقل من أزمة إلى أخرى، أو أننا نؤجّل مشاكلنا ونتركها في الاستيداع بانتظار من يأتي من الخارج ليحل لنا هذه المشاكل.. ولكننا ندرك وخصوصاً في هذه المرحلة أن العالم كفّ عن الاهتمام بلبنان بعد أن تساقطت ثمار المنطقة الناضجة وغير الناضجة أمامه، وإذا أبدى بعض الاهتمام فمن جهة ألا تُزعج خاطره حيال ما يجري في المنطقة ولا نكون مجرد عثرة أمام مخططاته المرسومة.. وبالتالي فليس علينا إلا أن نقلّع أشواكنا بأظافرنا، والأخطر أن تنمو الأشواك وتضعف الأيدي وتكف عن فعل التغيير الحقيقي.



أخبار ذات صلة

بعد حادثه الأليم.. رسالة لعاصي الحلاني من هاني شاكر
حنكش يذكّر بوصية بشير الجميل
السفير الصربي ..في صربا الجنوب