بيروت - لبنان 2020/02/17 م الموافق 1441/06/22 هـ

فيروس كورونا وتأثيره على طرق الحرير

حجم الخط

طرق الحرير قديماً:

لطالما اعتاد البشر على الترحال،لإقامة علاقات تجارية مع من جاورهم من الأقوام لتبادل السلع والمهارات والأفكار، فشُقّت في المنطقة الأوروبية الآسيوية على مر التاريخ طرق للمواصلات ودروب عرفت بتسمية «طرق الحرير»؛ وهي عبارة عن طرق برية وبحرية تبادل عبرها الناس الحرير وغيره من السلع،كما تُعتبر الطرق البحرية جزءاً من هذه الشبكة واستُخدمت على الأخص لتجارة التوابل بحيث بات اسمها الشائع «طرق التوابل».

أتاحت طرق الحرير تناقل المعارف والأفكار والثقافات، ولم تكن التجارة وحدها هي التي جذبت المسافرين المرتحلين على طول طرق الحرير وإنّما التلاقي الفكري والثقافي الذي كان أيضاً سائداً في المدن المحاذية لهذه الطرق حتى أنّ العديد من هذه المدن تحوّل إلى مراكز للثقافة والتعلم.

ويُعتبر مصطلح «طريق الحرير» في الواقع مصطلحاً حديث العهد نسبياً إذ لم تحمل هذه الطرقُ القديمة طوال معظم تاريخها العريق اسماً بعينه. وفي أواسط القرن التاسع عشر، أطلق العالم الجيولوجي الألماني، البارون فرديناند فون ريشتهوفن، اسم «دي سيدينستراس» (أي طريق الحرير بالألمانية) على شبكة التجارة والمواصلات هذه.

وكان الإلمام بطريقة إنتاج الحرير أمراً بالغ الأهمية وعلى الرغم من سعي الإمبراطور الصيني إلى الاحتفاظ جيداً بهذا السر تجاوزت صناعة الحرير في النهاية حدود الصين لتنتقل إلى الهند واليابان أولاً ثم الإمبراطورية الفارسية وأخيراً الغرب في القرن السادس ميلادي. 

مع أن تجارة الحرير مثلت أحد الدوافع الأولى لإقامة الطرق التجارية عبر آسيا الوسطى، لم يشكل الحرير سوى واحد من المنتوجات العديدة التي كانت تُنقل بين الشرق والغرب ومنها الأنسجة والتوابل والبذور والخضار والفواكه وجلود الحيوانات والأدوات والمشغولات الخشبية والمعدنية والقطع الدينية والفنية والأحجار الكريمة وغيرها الكثير. وازداد الإقبال على طرق الحرير وتوافد المسافرين عليها طوال القرون الوسطى، وقد بقيت تُستخدم حتى القرن التاسع عشر، ولم تقتصر هذه الدروب التجارية على خط واحد.

شكّلت التجارة البحرية فرعاً آخراً اكتسى أهمية بالغة في هذه الشبكة التجارية العالمية. وبما أن الطرق البحرية اشتهرت خاصة بنقل التوابل، عُرفت أيضاً باسم طرق التوابل، فقد زَوّدت أسواق العالم أجمع بالقرفة والبهار والزنجبيل والقرنفل وجوز الطيب.

ارتبطت شبه الجزيرة العربية والصين بعلاقات تجارية بحرية منذ القرن الثامن ميلادي، ونمت مدن ساحلية حول الموانئ المحاذية لهذه الطرق التي كانت تستقطب أعداداً غفيرة من الزوار على غرار زنزبار والإسكندرية ومسقط وغوا، وأضحت هذه المدن مراكز غنية لتبادل السلع والأفكار واللغات والمعتقدات مع الأسواق الكبرى وجموع التجار والبحارة الذين كانوا يتبدلون باستمرار.

وفي أواخر القرن الخامس عشر، أبحر المستكشف البرتغالي، فاسكو دا جاما، ملتفاً حول رأس الرجاء الصالح فكان أول من وصل البحارة الأوروبيين بالطرق البحرية المارة من جنوب شرق آسيا فاسحاً المجال لدخول الأوروبيين مباشرة في هذه التجارة. وبحلول القرنين السادس عشر والسابع عشر باتت هذه الطرق والتجارة المربحة التي تمر بها موضع تنافس شرس بين البرتغاليين والهولنديين والبريطانيين. فكان الاستيلاء على موانئ الطرق البحرية يوفّر الغنى والأمان على حد سواء لأن هذه الموانئ كانت في الواقع تهيمن على ممرات التجارة البحرية وتتيح أيضاً للسلطات التي تبسط نفوذها عليها إعلان احتكارها لهذه السلعة الغريبة التي يكثر الطلب عليها وجباية الضرائب المرتفعة المفروضة على المراكب التجارية.

شهدت هذه الطرق تبادلاً للمعارف العلمية والفنية والأدبية فضلاً عن الحرف اليدوية والأدوات التقنية، ومن أبرز الإنجازات التقنية التي خرجت من طرق الحرير إلى العالم تقنية صناعة الورق وتطوّر تقنية الصحافة المطبوعة. كما تتصّف أنظمة الري المنتشرة في آسيا الوسطى بخصائص عُممت بفضل المسافرين الذين لم يحملوا معارفهم الثقافية فحسب وإنما تشرّبوا معارف المجتمعات التي نزلوا فيها أيضاً.

وتذكر المصادر التاريخية أن «شيان» التي تعد بداية طريق الحرير، كانت أول مدينة يدخلها الإسلام على يد التجار العرب.

ولعب العرب دوراً محورياً في تجارة طريق الحرير بالنظر إلى موقعهم الجغرافي الرابط بين آسيا وأوروبا.

تطوّر السفر عبر طرق الحرير بتطور الطرق نفسها، وكانت القوافل التي تجرها الأحصنة أو الجمال في القرون الوسطى هي الوسيلة المعتادة لنقل السلع عن طريق البرّ،ومع مرور الوقت، تطورت الطرق التجارية وتنامت أرباحها لتزداد بذلك الحاجة إلى خانات القوافل، تسارعت عملية تشييدها في شتى مناطق آسيا الوسطى بدءاً من القرن العاشر حتى مرحلة متأخرة من القرن التاسع عشر. وأدى ذلك إلى ظهور شبكة من خانات القوافل امتدت من الصين إلى شبه القارة الهندية وإيران والقوقاز وتركيا وحتى إلى شمال أفريقيا وروسيا وأوروبا الشرقية.

وكان التجار البحارة يواجهون تحديات متعددة أثناء رحلاتهم الطويلة. وعزّز تطور تقنية الملاحة ولا سيما المعارف المتعلقة ببناء البواخر من سلامة الرحلات البحرية خلال القرون الوسطى. وأنشئت الموانئ على السواحل التي تقطعها هذه المسالك التجارية البحرية، ما وفّر فرصاً حيوية للتجار لبيع حمولاتهم وتفريغها وللتزوّد بالمياه العذبة علما بأن أحد المخاطر الكبرى التي واجهها البحارة في القرون الوسطى هو النقص في مياه الشرب. وكانت جميع البواخر التجارية التي تعبر طرق الحرير البحرية معرضة لخطر آخر هو هجوم القراصنة لأن حمولاتها الباهظة الثمن جعلتها أهدافا مرغوبة.

وفي القرن التاسع عشر، برز نوع جديد من المسافرين على طرق الحرير هم: علماء الآثار والجغرافيا، والمستكشفون،وتوافد هؤلاء من فرنسا وإنكلترا وألمانيا وروسيا واليابان وأخذوا يجتازون صحراء تكلماكان في غرب الصين، قاصدين استكشاف المواقع الأثرية القديمة المنتشرة على طول طرق الحرير.

طرق الحرير حديثاً:

في مطلع التسعينيات من القرن العشرين، بدأت محاولات لإنشاء طريق الحرير الجديد من بينها ما عرف بالجسر البري الأوروبي الآسيوي، الذي يصل بين الصين وكازاخستان ومنغوليا وروسيا ويصل إلى ألمانيا بسكك حديدية.

كما أطلقت الصين عام 2013 مبادرة تعرف باسم «إستراتيجية الحزام والطريق» لاقت، تجاوباً ومشاركة نشطة من نحو سبعين دولة مطلة على هذا الخط، وفي مقدمتها دول الشرق الأوسط، وتتضمن المبادرة نحو ألف مشروع، منها ربط الدول الأوروآسيوية التي يمر بها الطريق بشبكة من الطرق البرية والحديدية وخطوط الطيران، فضلا عن الأنابيب وشبكات الإنترنت، وقد صل إلى لندن أول قطار بضائع يربط مباشرة الصين بالمملكة المتحدة بداية 2017، بعد رحلة استمرت 18 يوما بلغ طولها 12 ألف كلم.

وطرق الحرير بحرية أيضاً. فالشركات الصينية بنت، أو اشترت، كلياً أو جزئياً، المرافئ من جزر المالديف وسريلانكا وجيبوتي إلى إسبانيا وفرنسا وبلجيكا،وخلال 15 عاماً أيضاً، قدمت الصين قروضاً ومساعدات إلى بلدان الكاريبي وأميركا اللاتينية تزيد على 220 مليار دولار.

في مطلع العام 2020، شهدت الصين إنتشار فيروس كورونا، الذي أودى بحياة أكثر من 400 شخص، وسرعان ما بدأ إنتشار الفيروس يؤثر على مكانة الصين التجارية كثاني إقتصاد في العالم، فقد أغلقت بورصة شنغهاي على انخفاض نسبته 7.72 بالمئة، بينما تراجعت بورصة شينزن 8.41 بالمئة، وسجلتا بذلك أكبر انخفاض منذ الانهيار المالي صيف 2015.

ونتيجة الخوف من إنتشار الفيروس عالميا»،عمدت معظم شركات الطيران على تعليق رحلاتها الى الصين، كما قامت روسيا بتعليق إنتقال قطاراتها الى الصين، كما قامت كل الدول بإجلاء رعاياها من مدن الصين المنكوبة.

وهكذا، فإن فيروس كورونا ساهم في تكبيد الإقتصاد الصيني خسائر فادحة، وألزم البنك المركزي الصيني على ضخ ما يقارب 172 مليار دولار في محاولة لدعم الإقتصاد الصيني.

فهل إنتشار فيروس كورونا، قد يعيق جهود الصين في إعادة طرق الحرير؟

أم هو مرحلة من مراحل الصراع الدولي حول التجارة العالمية؟



(ماجستير في التاريخ)



أخبار ذات صلة

لافروف: الغرب في مؤتمر ميونخ للأمن كان يوجه أصابع الاتهام [...]
بوتين لم يصدر أمرا بإرسال قوات إلى ليبيا
تفاصيل تكشف للمرة الأولى عن احباط تفجير السفارة الاميركية في [...]