بيروت - لبنان 2021/03/09 م الموافق 1442/07/25 هـ

في العلاقة بين المسلمين وغيرهم من المنظور الإسلامي

حجم الخط

بين الحين والآخر تنتشر كتابات وتسجيلات صوتية ومرئية مغرضة تتناول مواضيع تحريضية تستهدف العيش المشترك الإسلامي المسيحي، وهي توهم من يقرأها أو يشاهدها بأنها تعتمد على نصوص دينية موثقة ومجمع عليها. ومهما تكن هشاشة هذه الكتابات والتسجيلات وخلوها من ابسط قواعد البحث العلمي إلا أنها تترك في نفس من يقرأها ويشاهدها انطباعاً بأن المسلمين يتبعون ازدواجية في التفكيروالتعبير تختلف فيما إذا كان الخطاب عابراً للطوائف والأديان ومظهراً الود والمحبة والإنفتاح وخطاباَ داخلياً متشدداً ومحذراً من الإنفتاح والتقارب بين المسلمين وغيرهم. هذه الإزدواجية منافية لتعاليم القرآن والأحاديث النبوية ولكل القيم التي يؤمن بها المسلم. إضافة الى أن هذه الإزدواجية عانى منها المسلمون الأوائل كثيراً وأفردت سورة بأكملها تفضح الذين يتبعون منهجها ويسيرون في ركبها وقد سماهم القرآن بالمنافقون. حتى في أسمى علاقة تربط الإنسان بأغلى من يحب بعد الله وهم الأب والأم، حذر القرآن الكريم من مغبة اتباع هذه الإزدواجية معهم لإرضائهم على حساب معتقده وإيمانه " وإن جاهداك على أن تشرك بي ما ليس لك به علم فلا تطعهما وصاحبهما في الدنيا معروفا".

من الأمثلة التي يحرص على تناقلها ونشرها المحرضون التكفيريون، مسألة اتخاذ غير المسلمين أولياء من دون المسلمين والتي تؤدي من جانب المسلمين إلى ضرورة اتخاذ الحيطة وتجنب مخالطة غير المسلمين. بل أن هذه الحيطة لا تتوقف على مستوى الديانتيْن فقط الإسلام والمسيحية بل تتعداهما إلى الحذر في مخالطة المذاهب التي تنتمي إلى دين واحد، ولا تقف على هذا الحد بل تتعداه أيضاً الى الحيطة في التعامل ما بين إنتمائين مختلفين داخل المذهب الواحد، ولعل داخل الإنتماء الواحد يوجد اتجاهان مختلفان ما يلبثا أن ينقسما على بعضهما البعض ويولدان متناقضين متحاربين جديدين. وإذا عدنا إلى المصدر الديني الأساسي فسنجد قول الله تعالى في القرآن الكريم : " يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا إن أكرمكم عند الله أتقاكم "، فكيف سيفهم المؤمن هذه الآية التي تدعو الى التعرف وإقامة العلاقات مع بني البشر إذا قرأ آية عدم موالاة غير المسلمين، وكيف سيني على هذه الآية الأخيرة أحكامه في معاملة أبناء الدين الآخر.

تقول الآية القرآنية : ﴿ إِنَّمَا يَنْهَاكُمُ اللَّهُ عَنِ الَّذِينَ قَاتَلُوكُمْ فِي الدِّينِ وَأَخْرَجُوكُم مِّن دِيَارِكُمْ وَظَاهَرُوا عَلَى إِخْرَاجِكُمْ أَن تَوَلَّوْهُمْ وَمَن يَتَوَلَّهُمْ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ ﴾ فالمسلم مطلوب منه ألا يتخذ الذين يقاتلون المسلمين في دينهم ويخرجوهم من ديارهم ويتظاهروا على إخراجهم مناصرين لهم وأعوان ، والنهي عن اتخاذهم أولياء ليس بوصفهم شركاء وطن أو جيران سكن أو زملاء عمل أو أصدقاء في الدراسة أو في أي جانب من جوانب الحياة الإجتماعية ، ولكنه نهي عن مناصرتهم بوصفهم جماعة معادية لجماعة المسلمين تحاربها بنفسها أو تمالئ عليها أعداءها المحاربين لها . وبوصفهم جماعة تتخذ من تميزها الديني لواء تستجمع به قوى المناوأة للمسلمين والمحادة لله ورسوله.

والمثال الذي تتضح به صورة هذا النهي في هذه الآية القرآنية هو العلاقة التي يجب أن تكون بين مسلم اليوم – سواء كان موطنه في دولة عربية أو إسلامية أو غربية أو حتى في فلسطين المحتلة – وبين الصهاينة من اليهود الذين يحتلون أرضنا في فلسطين ويقتلون أهلنا ويشردونهم بإخراجهم من ديارهم بغير حق ، وحتى بإقفال ما تبقى لهم من متنفس نحو الخارج . فهؤلاء تجب معاداتهم والوقوف موقف الإنكار والشجب لكل ما يفعلون. وهذا يمتد أيضاً على حركة المسيحيين المتصهينين الذين يعادون الإسلام ويستهزؤون بمبادئه ويزورون تعاليمه ويساعدون الصهاينة الإسرائيليين في شتى المجالات سواء في تقوية وشرعنة الإحتلال أو في تزويدهم بالمال والعدة أو في مؤازرتهم على أعلى مستوى على صعيد الإعلام الدولي المتحيز لإسرائيل. وأما اليهود العرب وغيرهم الذين يعيشون في بلادنا أو في البلاد الأجنبية وهم مواطنون في هذه الدول فنحن لا نعاديهم ولا نحاربهم ولا نصد الآخرين عن التعامل معهم بل على العكس تماماً نتقاسم معهم خيرات هذا البلد ونتقاسم أفراحهم وأطراحهم.

فتكون موالاة غير المسلمين الذي نهى القرآن عنه في مواضع متعددة قد جاء مرتبطاً بحوادث تاريخية مثل المحادة لله والرسول أو مرتبطاً بإخراج الرسول والذين آمنوا به من مكة . أو في حالة الحرب والعدوان من جانب غير المسلمين فيكون النهي مقترناً في هذه الحالة بكون هذه الموالاة من جانب بعض المسلمين الذين يتولون غير المسلمين من دون موالاتهم للجانب الآخر من المسلمين. والموالاة المنهي عنها أيضاً هي للذين يتخذون دين الإسلام مادة للعبث والإستهزاء وحتى أن القرآن ينهي المسلمين عن مجرد مجالسة الذين يخوضون بغير علم في القرآن الكريم استهزاءً به ولو كانوا من المسلمين المتظاهرين بإيمانهم بهذا الدين، فمن باب اولى أن يكون هذا النهي مع الذين يخالفونهم دينهم إذا جرى الإستهزاء والفتنة على السنتهم.

وهذه الأمور التي ذكرها القرآن الكريم في مجال النهي عن موالاة غير المسلمين ليس له علاقة بالصلة اليومية المعتادة بين شركاء الوطن سواء من أهل الإسلام أو من الأديان الأخرى. فإن الراشدين العاقلين لايعادون من يتقاسم معهم أوطانهم في سبيل مؤازرة قوة أجنبية معادية أو يسلكون مسلك الجاهلين السفهاء الذين يهزؤون بديانة شركاءهم في الوطن ويلعبون برموزه وشعائره. ومن يتصف بهكذا مواصفات فإن المسلم الذي يتخذه ولياً من دون المؤمنين سواء بمعنى النصرة أو بمعنى الصداقة يكون آثماً باختياره جانب عدوه أو جانب المستهزئ بدينه على حساب عقيدته. وهذا مبدأ لا يعارضه أي إنسان سليم سواء كان مسلما أو غير مسلم . حتى أن الإسلام يمنع أتباعه من سب آلهة المشركين كي لا يسب المشركون دين المسلمين :﴿ وَلاَ تَسُبُّواْ الَّذِينَ يَدْعُونَ مِن دُونِ اللّهِ فَيَسُبُّواْ اللّهَ عَدْوًا بِغَيْرِ عِلْمٍ كَذَلِكَ زَيَّنَّا لِكُلِّ أُمَّةٍ عَمَلَهُمْ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِم مَّرْجِعُهُمْ فَيُنَبِّئُهُم بِمَا كَانُواْ يَعْمَلُونَ﴾ إذا كان هذا سلوك المسلم مع دين المشركين فكيف إذا كان الأمر مع أديان أهل الكتاب الذين يؤمن بهم المسلم ويبجل أنبياءهم ويذكرهم في صلاته ويتسمى بأسماءهم ويقتضي بأقوالهم وافعالهم.

إلى جانب آية عدم موالاة غير المسلمين توجد في القرآن الكريم آيات يفهم من ظاهرها العنف والجهاد ضد غير المسلمين ، فمعظم التفاسير التي أعطيت لها كتبت في عصور الظلام وعلى وقع طبول الحروب والتخوين حتى بات البعض يظن هذه التفاسير البشرية هي مسلمات بديهية، والحقيقة هي على العكس تماماً، فالإسلام بعكس ما شاع في الغرب بأنه دين عنف لم يتوسع دينياً بالسيف وإن استخدم بعض السلاطين البطش والسيف أداة للتوسع، إلا أن العدالة كانت تنتصر في النهاية .في رواية أجمع عليها المؤرخون عن الفتح العربي لمدينة سمرقند، أنه بعد فتحها أرسل كبير كهنتها رسالة الى الخليفة عمر بن عبد العزيز يشكو فيها قائد الجيوش قتيبة بن المسلم الباهلي، فأرسل عمر ابن عبد العزيز رسالة الى القاضى للنظر فيها فعقد القاضى جلسة محاكمة لقائد الجيوش أمام كبير الكهنة وأقر قائد الجيوش قتيبة بما فعله متذرعاً بأنها الحرب والخديعة فرد عليه القاضي قائلا يا قتيبة ما نصر الله هذه الأمة إلا بالدين واجتناب الغدر وإقامة العدل ثم قال : قضينا بإخراج جميع المسلمين من أرض سمرقند من حكام وجيوش ورجال وأطفال ونساء وأن تترك الدكاكين والبيوت، وأنْ لا يبقى في سمرقند أحد من المسلمين، وبعد ساعات قليلة من صدور قرار القاضي سمع أهل سمرقند بجلبة تعلو وأصوات تعلن خروج الجيوش فسألوا فقيل لهم إنَّ حكم القاضي قد نُفِذَ وأنَّ الجيش قد انسحب ، ولم يتمالك الكهنة وأهل سمرقند أنفسهم لساعات أكثر، حتى خرجوا أفواجاً وكبير الكهنة أمامهم باتجاه معسكر المسلمين وهم يطلبون عودة الجيوش نظراً لما وجدوه من عدل ورحمة لديهم.

لا بد لنا أن نشير إلى أن اليهودية كما المسيحية كما الإسلام كما باقي الأديان احتوت على نصوص دينية تحدثت عن وقائع معينة فهم من ظاهرها العنف وتأجيج الصراع إلا أن الأمر ليس كذلك لا يجوز إطلاقها واستخلاص النتائج منها وتطبيقها على كافة العصور والأزمنة، بل لا بد من فهمهما بعمقها التشريعي والذي قد يكون تشريعاً آنياً مؤقتاً شرع وفق ظروف معينة. ويجب فهم النصوص الدينية كافة بدون استثناء إلى أنها أوحي بها من رب رحيم مشفق محب عادل يريد بها سعادة الناس جميعاً من خلال دعوتهم كافة الى الإلتقاء والتعارف والتحابب فيما بينهم ونبذ التعصب والتقاتل وأن أي خروج عن هذا المفهوم هو خطأ في ادراك الناس لحقيقته التي لا يتحمل مسؤولية الجهل بها سوى الناس أنفسهم ولا يتحملها مطلقاً رب العالمين ولا الرسل الذين أرسلهم لتبليغ رسالته اليهم، ولا الأديان التي جاء بها لإرشادهم على مر العصور والأزمنة.

إن الأديان السماوية وخاصة المسيحية والإسلام تدعو الى الإستقامة وإشاعة السلام والمحبة بين الناس والعدل بين سائر بني البشر ، والخطأ لا يكمن في الدين وإنما في تصرفات بعض الجهلة والمتعصبين الذين اعتنقوا هذه الأديان وسخروها لمآربهم الشخصية، أو من بعض المؤمنين الصادقين الذين لم يفهموا الدين على شكله الصحيح فافتروا على الدين من حيث لم يعلموا فضلوا وأضلوا.

تكون الأديان خلاصاً للبشرية بالعلم والتوعية ويقظة الضمير والتقوى والخشية من الله تعالى وباشاعة المحبة بين جميع الناس. لا تكون الأديان سبباً للصراعات في حال محاربتها الجهل وغربلتها للنصوص الدينية التي كتبت في عصور الظلام والحقد والفتن، وباجتزاز الخطاب الديني التكفيري من أصوله. روي عن إمام أهل المدينة المنورة الإمام مالك والأئمة الأخرون قولهم : ” إذا صدر قول من قائل يحتمل الكفر من مئة وجه ويحتمل الإيمان من وجه واحد، حُمِلَ على الإيمان ولا يجوز حَمْلُه على الكفر ”

وكذلك تكون الأديان مدعاة للخير عندما تحكم العقل وتؤول النص الديني في حال معارضته للعقل. فقد أعلى أئمة الاجتهاد والتشريع من شأن العقل فى الإسلام، وتركوا لنا قاعدتهم الذهبية التي تقرر أنه : ” إذا تعارض العقل والنقل قُدَّم العقل وأُوِّل النقل ” تغليباً للمصلحة، المعتبرة وإعمالاً لمقاصد الشريعة.

يتبعه في العدد القادم مقال يتناول شبهات من موقف الإسلام في بناء دور عبادة غير المسلمين.


أخبار ذات صلة

5 مشروبات تحسن صحتك وتمنحك مزاجًا أفضل
ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان يستقبل رئيس الوزراء الماليزي محي الدين في الرياض (واس)
حراك إسلامي خليجي عربي في الرياض
«خطة لإنهاء التمييز الممنهج ضد المرأة».. بقلم أنطونيو غوتيريش