بيروت - لبنان 2020/01/20 م الموافق 1441/05/24 هـ

كلام سلامة لم يطمئن الخائفين وسلوك السلطة يزيد أزمة غياب الثقة

عن سياسات التعتيم والإذلال أمام المصارف ومحطات الوقود

حاكم مصرف لبنان رياض سلامة
حجم الخط

يمكن القول بكثير من الموضوعية والإنصاف، إن ممارسات وأساليب وفنون إشغال الناس بتحصيل لقمة عيشهم أو القلق على مدخراتهم، وإغراق الفضاء العام بالشائعات والأقاويل والمخاوف هي سياسات مقصودة تهدف لصرف الانتباه عن فساد أهل السلطة وتجاوزاتهم من جهة، ولقطع الطريق على المطالبة بالتغيير والمحاسبة، والسعي لإعادة تركيب سلطة تتمتع بالشرعية الشعبية والدستورية من جديد، من جهة ثانية. 

أزمة انقطاع الكهرباء عن معظم المناطق اللبنانية، بما فيها العاصمة بيروت، وأزمة فقدان مادة المازوت في ذروة العاصفة، تنضاف إلى الأزمة الأكبر والأخطر المتمثلة بإذلال المواطنين أمام أبواب المصارف لتحصيل أجزاء صغيرة من ودائعهم المحتجزة بشكل غير قانوني.. في كل ذلك يحضر تقصير السلطة وقمعها ولا مبالاتها وانفصالها وفسادها، ثم مسؤولية الجهات المعنية وخصوصاً مصرف لبنان والقطاع المصرفي عموماً.

من يعيد الثقة المفقودة

الواقع أن كلام حاكم مصرف لبنان رياض سلامة مساء الخميس لم يشف غليل الخائفين على ودائعهم وجنى أعمارهم. هو طمأن بأن ملاءة البنوك جيدة وأن لا إفلاس ولا انهيار في القطاع المصرفي، لكن كل ذلك لا يكفي، ذلك أن ما يتجرعه المواطن يومياً في سبيل الاستحصال على نزر يسير من أمواله، وما تواجهه الشركات والمؤسسات والتجار وغيرهم، كفيل بأن يقضي على الثقة التي هي أساس التعاملات المالية، ويفتح باب الاحتمالات على كل مجهول وسلبي.

في تقدير مصادر مصرفية متابعة أن كلام سلامة مطمئن، خصوصاً لناحية تأكيده عدم تعثر البنوك وسلامة الودائع، لكنها تعترف أن المشكلة في غياب الثقة وعدم تصديق المودعين لأي كلام يصدر في هذا الإطار. 

وتلفت المصادر إلى أن «جوهر المشكلة يكمن في أن مصرف لبنان واصل تحمّل مسؤولياته في تمويل الدولة، وعدم السماح بانهيارها، لكن يداً واحدة لا تصفق، فالطرف الآخر في المعادلة (السلطة السياسية والحكومات المتعاقبة) لم تتحمل مسؤولياتها لناحية المضي بالإصلاحات وعدم الغوص في الفساد، فاستخدمت القطاع العام مصدراً لتمويل الزبائنية السياسية والمحاصصة والتوظيفات العشوائية، وكل ذلك ساهم بتراكم العجز وأوصلنا إلى ما وصلنا إليه»، مشددة على أن «المطلوب إجراءات تعيد الثقة المفقودة، بين القطاع الخاص والحكومي بداية، ولاحقاً بين المواطن والقطاع المصرفي، وبين هذا القطاع والدولة». وفي تقدير هذه المصادر أن الانتفاضة الشعبية شكلت خطراً على السلطة والأحزاب فلجأت إلى تخويف الناس بالشائعات وافتعال أزمات تتصل بقضايا حياتية كالمحروقات والخبز ولاحقاً الودائع المصرفية ومصداقية الحاكم سلامة لحرف أنظار المنتفضين عن مطالبهم السياسية، وكل ذلك خلق حالة الهلع المشكو منها».

الكلام وحده لا يكفي

في المقابل، يدرك الجميع أن البلد يسير بقوة نحو المجهول، والشعب، غالبية الشعب، وجدت نفسها فجأة أسيرة الشائعات وحرق الأعصاب والإذلال، وضحية للحسابات السياسية والاهمال والنهب المقونن وغياب السياسات الرشيدة وخطايا الاقتصاد الريعي الفاجر. لا مناص من تحميل السلطة السياسية والقطاع المصرفي مسؤولية الأزمات المتفاقمة، من نهب المالية العامة وتدهور الحياة الاقتصادية وتضخّم الدين العام بشكل هائل، وغياب الشفافية في تقدير الايرادات والنفقات، والكذب على الشعب في تحديد نسبة العجز ومعدلات النمو، إلى الإرتفاع الهائل في أسعار السلع الغذائية والحياتية والمنزلية لدرجة الفلتان ومن دون حسيب أو رقيب، وصولاً إلى الفوضى التي تضرب القطاع المصرفي في ظل تخلي أركان القطاع عن مسؤولياتهم، وما خلقه هذا الأمر من إشكالات يومية، مبررة ومفهومة، بين موظفي المصارف والمودعين، فيما المسؤولون من أركان هذا القطاع يتفرجون. أما السلطة السياسية فتتسلى وتتصارع على حصة وزارية أو توزيع حصص.

السؤال هنا يبدو أكثر من مهم عن دور حاكمية مصرف لبنان وجمعية المصارف، عن الحكومة والوزارات المعنية وجهات الرقابة ومصالح حماية المستهلك، التي لا يجوز أن تقف متفرجة فيما القيمة الشرائية للرواتب، إذا وجدت أو إذا تبقى منها شيء أمام جنون سعر الدولار في السوق الموازية، لم تعد قادرة على تلبية حاجات الناس مع ما يعنيه ذلك من مخاطر على الأمن الاجتماعي والحياتي.

المطلوب تجديد الثورة

من نافل القول أن الثورة أعادت قضايا الناس، آلامهم وآمالهم، إلى الأفق الوطني، حيث الحقوقُ حقوقاً لا منّةً من سياسي فاسد، وحيث الواجباتُ واجباتٍ لا كيدياتٍ تُفرضُ على أناسٍ ويَدوسُ عليها آخرون.. لكن ثمة خللٌ – أو سمّه عفوية تبلغ حدّ السذاجة، وأحيانا الشخصانية – في مقاربة الملفات والأولويات في ظل الأزمة غير المسبوقة التي تضرب البلاد في الاقتصاد والمال والنقد، لناحية كيفية التعامل معها، أو الضغط لفضح المتورطين فيها (من دون إغفال ضرورة الاهتمام بالمطالب السياسية). 

مع احترام كلام الحاكم سلامة، إن ما يجري داخل المصارف من إذلال وتعسّف ومكابرة يفضح أكبر عملية سطو ونهب وتنكّر للالتزامات، ويكشف خطورة وفظاعة السياسات المالية الخاطئة التي انتهجتها الدولة والمصارف في التعامل مع المال العام والمال الخاص، ويستوجب ملاحقة واعية لفضحه ومعاقبة المسؤولين عنه، واسترجاع المنهوب من مال الدولة وإعادة الحقوق إلى المودعين... ولا يمكن القبول بأقل من ذلك، وهذه الخطوة ينبغي أن تكون ضمن أولويات الانتفاضة بوصفها تحدياً رئيسياً إلى جانب قضايا أخرى.

في البلدان التي تحترم شعوبها، ولو بالحدّ الأدنى، وتواجه أزمات مالية يخرج المسؤولون المعنيون لشرح الأمور وتوضيح خطوات التعامل مع الأزمة، إلا في لبنان. حسناً فعل حاكم المصرف المركزي ولو أنه لم يشف غليل الخائفين، لكن أين الرئاسات والوزراء المعنيون واللجان النيابية، أيضاً وأيضاً، أين جمعية المصارف، أين النقابات وأصحاب المهن وجمعيات التجار.. الكل يسعى لتسجيل انتصارات وهمية، أو تغطية مصالح حزبية وشخصية ضيقة، وقد جعلوا البلد ساحة مستباحة للتدخلات، ومنصّة لتبادل الرسائل الإقليمية، وأرضاً للفقر والجوع وشماتة القريب والبعيد، فيما الشعب عاجزٌ وقلقٌ وحائر.  

بانتظار أن تجدد الثورة ديناميتها، ستبقى الصورة محصورة بين قادة أحزاب لا يعرفون أن البلد مفلس وجائع وخائف، لكنهم يخرجون لتهديد القوى العالمية!! وبين زعماء سياسيين غارقون في إدعاء العفة والسعي لامتلاك حصص بالحكومة التي يبدو أنها لن تولد أبداً.. ولله الأمر من قبل ومن بعد.


أخبار ذات صلة

اجتماع طارئ لمنظمة الصحة العالمية بسبب الفيروس الصيني القاتل
جمعية المصارف تقرر إعادة فتح فروع المصارف في قضاء عكار [...]
نقيب المحامين يتخذ القرار..مقاطعة جلسات القاضي سامي صدقي