بيروت - لبنان 2020/10/27 م الموافق 1442/03/10 هـ

لماذا قوانين أحوال شخصية ومحاكم متعددة وليس قانون واحد ومحكمة واحدة؟

حجم الخط

لماذا قوانين أحوال شخصية ومحاكم متعددة وليس قانون واحد ومحكمة واحدة؟ هل تكفي الأسباب المذهبية ؟


قد يكون الموقع الجغرافي الذي نجتمع فيه هنا في جبيل مقدمة للحديث عن موضوع المداخلة. على بعد عدة أمتار من هنا تقع الأسواق القديمة لمدينة جبيل التي تحاكي الأسواق القديمة المنتشرة في العواصم والمدن المشرقية.

في عالم افتراضي أنقلكم إلى إحدى هذه الأسواق التراثية، ندخل الى دهاليز هذه الأسواق لنجد أنها مقسمة وفق النشاطات التجارية والحرفية، فهنا سوق العطورات والتوابل وهناك سوق النحاسيات وسوق الذهب إلى جانب سوق الملابس. هذه الأسواق يستهويها كثير من الناس وينفر منها البعض الآخر. الذين ينفرون منها يريدون في المدى البعيد هدم كل هذه الأسواق التراثية والإستعاضة عنها بمجمعات تجارية حديثة على طراز المجمعات التجارية في الغرب. منهجيتهم في المطالبة بهدمها انتقائية، إذ يطالبون بهدم رواق خاص بداخلها، والإستعاضة عنه برواق زجاجي عصري. نظرة نقدية أولية الى هذه الفرضية أنه غاب عن ذهن هؤلاء العصريون بأن بناء هذه الأسواق التراثية بهذا الشكل الهندسي هو من أجل تماسك وتلاصق الأبنية بحيث تبدو الأروقة كياناً هندسياً موحداً مما يصعب تهدمها في حال تعرضت لهزات أرضية، وأي تغيير وتعديل في رواق واحد

سوف يرتد على تماسك كافة الأروقة، إضافة الى عدم تجانس البناء الزجاجي لهذا الرواق مع الأبنية التراثية الملاصقة.

قبل أن أترك العالم الإفتراضي أفسر لكم مفرداته، إذ أنني عنيت بالأسواق التراثية هو نظامنا السياسي التعددي الطائفي بقوانينه ومبادئه، وسعي البعض لاستبدال رواق عصري في داخله قصدت به مشروع استئصال الأحوال الشخصية للطوائف وعزلها عن باقي الأبنية الطائفية الأخرى التي تذخر بها قوانينا اللبنانية.

أدخل إلى موضوعنا عن الأحوال الشخصية لأقول مرّ قرن واحد تقريباً والداعمون لفكرة علمنة الدولة يصرون على الدخول اليها عن طريق بوابة الزواج المدني. ولكن ما سيواجههم هو تشويه في تكوين النظام السياسي للدولة، وعدم انسجام الأفكار المطروحة مع مكوناته الأساسية والتي تجعله في خانة الأنظمة التعددية الطائفية multiconfessionnalisme. فلبنان دولة طائفية بامتياز ونظامه السياسي من أصغر مكوناته إلى قمة هرمه قائم على التعددية الطائفية الدينية، فهل نقتلع منه عشوائياً نظام أحواله الشخصية ونستبدله بنظام مدني ؟ سوف أعكس الصورة لأتصور في عالم افتراضي آخر مقابل لمشروع استبدال جزء من الأسواق التراثية المشرقية برواق آخر حديث. مجمّع كمجمع غاليري لا فاييت الباريسي Galérie Lafayette نضع في داخله رواقاً من أروقة الأسواق التراثية المشرقية، وفجأة تتعالى أصوات الباعة وطرقات الحفر على الأدوات النحاسية وتختلط روائح العطورات والتوابل مع رواق الماركات العالمية للعطور، وتختلط الملابس

الشرقية المزركشة مع صيحات دور الأزياء الفرنسية... ماذا سيكون وقع هذا المزيج على الحس الفرنسي. قصدت من هذا المثل المقتبس من العالم الإفتراضي لتتخيلوا معي فيما لو طرح في مجلس النواب الفرنسي مشروع قانون باستبدال الزواج المدني بالزواج الديني. النظام الفرنسي نظام علماني بحت والعلمانية منصوص عنها في مقدمة الدستور ولذلك تعتبر مبدأً فوق دستورياً لا تتغير بتعديل قانون وإنما بآلية دستورية معقدة أو بثورة. الأحوال الشخصية بخلاف الأنظمة القانونية الأخرى مرتبطة ومتماسكة مع هذا النظام السياسي للدولة، فالدولة المدنية تتآلف مع نظام أحوال شخصية مدني، والنظام التعددي الطائفي يتناسب مع وجود أحوال شخصية طائفية ومذهبية. لذلك فالسؤال الذي يطرح يتعلق بكيفية التأقلم القانوني بوجود نظام زواج مدني داخل دولة ذات نظام متعدد الطوائف أو بالعكس ؟ هذا السؤال سبق لي أن وجهته الى رئيس قسم القانون الدستوري المعمق في جامعة باريس 2. إجابته كانت لانستطيع ملائمة النظام السياسي الذي يقوم على أساس وجود طوائف معترف بها وتتمتع باستقلالية تشريعية في قوانين أحوالها الشخصية مع أي نظام مدني في الأحوال الشخصية، كما هو الحال في إسرائيل وفي لبنان. فلا عجب إذن أن يكون هذا الطرح مرفوضا في دولة إسرائيل التي تدعي بأنها الدولة الديمقراطية الوحيدة في المنطقة.

فما هو الحل إذن ؟

1. أن ينادي مروجو فكرة علمنة الدولة بتغيير واستبدال نظامهم التعددي الطائفي بنظام علماني، عندئذ يكون منطقيا أن تعتمد الدولة الزواج المدني.

2. أو أن ينادي اللادينيون بانشاء الطائفة التاسعة عشر وتشرع لهم قوانينهم الخاصة في الأحوال الشخصية،

3. أو أن ننادي بعملية إصلاحية شاملة في قضاء الأحوال الشخصية المتبع حالياً في لبنان، كما سأبين لاحقاً.

ولكن قبل أن أتكلم عن الورشة الإصلاحية، أريد أن نتصارح : هل نظام الأحوال الشخصية المدني المقترح أو المطبق في أورويا سيعطي مفاعيل أفضل من نظام أحوالنا الشخصي التعددي ؟ يقولون بأن النظام المدني يضمن مساواة جميع المواطنين أمام القانون. وهل نحن في بلادنا متساوون جميعاً أمام القوانين المرعية الإجراء ابتداء من قوانين الإنتخاب والتعيين في الوظائف العامة حتى لا نرى أمامنا إلا محاكمنا الشرعية والروحية لنهاجمها ونطالب بإلغائها ؟ هل علمتم بأن العنف الأسري بازياد مضطرد ومخيف في أوروبا بنسب تتعدى ااحصائيات العنف الأسري في بلادنا، وأن امرأة تقتل كل يومين من قبل زوجها في فرنسا عام 2018، وان طفلاً يقتل كل ثلاثة أيام من قبل أحد أبويه ؟ هل علمتم بأن نسبة المصاحبة على أحد الزوجين وصلت الى أرقام مخيفة بحيث أصبحت الأسرة مفككة تماماً ومتعددة الصاحبات والأصحاب وأصبح للأولاد الذين يولدون نتاج هذه العلاقات نفس حقوق الأبناء الشرعيين ؟

التميّع وعدم الاستقرار في قوانين الأسرة سيوصلنا الى نفس النتيجة الحتمية التي وصلت اليها قوانين الزواج المدني في أورويا. نحن بحاجة الى

المحافظة على مفهومنا الشرقي للاسرة حتى لا تخترق أواخر المعاقل التي بقيت لنا في بلادنا.

قد تكون فكرة الزواج المدني للوهلة الأولى جذابة ومواكبة للتقدم ولمتطلبات العصر، ولكن خطرها في ارتداداتها المستقبلية على صعيد التماسك الأسري والإجتماعي كبيرة جداً. لن تقف هذه التغييرات على عتبة الزواج المدني بل ستتعداه لاحقاً وحتماً على صعيد التكوين الأسري والمفهوم الشرقي للعائلة بمكونه المسيحي الإسلامي. منذ أشهر قليلة كانت المسألة المطروحة بقوة في البرلمانات الاوروبية هو حذف لكلمة الأب والأم في القوانين والأنظمة بحيث تحل محلهما كلمة الأهل (1) و (الأهل2)، وذلك كنتيجة حتمية لإقرار زواج المثليين، القائم على فكرة الحرية الشخصية. الآن وقد أقرها المشرع الفرنسي فلم يعد لديهم غريباً أن يكون للطفل عدة آباء يتواكبون على تربيته عند كل تغيير لمزاج والده الطبيعي في اختيار الشريك الذكوري في حياته بعيداً عن الحاجة الفطرية للطفل في الإحساس بدفء وحنان الأمومة، وكذلك الأمر بالنسبة لوجود إمرأتان متزوجتان من بعضهما البعض وترغبان في إنجاب طفل أو أكثر فتحبل إحداهما من متبرع مجهول فتلد طفلاً يتعهدانه في نفس الوقت بعيداً عن الحاجة الفطرية للإحساس بالرعاية الأبوية. لقد بات رائجاً في مثل هذه المجتمعات مفاهيم متنامية ومتطورة عن الحرية الشخصية (وهو ما يُنادى به من أجل تبرير الزواج المدني) بعيدة كل البعد عن مفهوم الحياة الأسرية المشرقية. إن الوضع المأساوي والمخيف للتفكك الأسري في العالم الغربي يستدعي منا أن نفكر ملياً في مشروع نبنيه على أساس احترام الحرية الشخصية. إن هذه الحرية هي بمثابة كرة ثلج إذا لم توضع لها الأطر الصحيحة والداعمة فإنها

ستتدحرج وتطيح بكل المقومات والمفاهيم المتوارثة عن العائلة والترابط الأسري والمجتمعي.

لذلك قد نكون أقرب إلى الواقع أن نتحدث عن منظومة الزواج الديني ومنظومة الزواج المدني إذ أن المعني في هذا المجال ليس الزواج بحد ذاته فقط وإنما النظرة الشمولية للأسرة في كلا المنهجين. فمن الجانب الإسلامي لا نستطيع القول بأن الزواج هو عقد مدني بين طرفين عاقلين بالغين فقط ، بل هو في الأساس عقد رضائي يهدف الى الإستمرارية لما بعد العقد من ناحية أنه يرتب آثاراً وحقوقاً وواجبات كالنفقة والطاعة، والعشرة بالمعروف، وحقوق الزوجة والزوج، ومحاولات الصلح بين الزوجين تفاديا للوصول إلى الطلاق، ومسؤولية الأولاد، والعدة، والإرث، ... فالزواج ليس سراً من الإسرار يقتضي إجراؤه في المسجد بحضور رجل دين مسلم يختتم بالقول : " أعلنكما زوجاً وزوجة" بل هو ينعقد حصرياً بالإيجاب والقبول من قبل الطرفين فليس لوجود رجل الدين أي أثر على الزواج إلا من ناحية توثيقه كأي موظف معتمد في دوائر التوثيق في الدولة.

لذلك لا يوجد تعارض كبير من الناحية الفقهية في جوهر العقد المدني والعقد الشرعي الإسلامي للزواج فليسا في جوهرهما من العقود الدينية بل هما من العقود الرضائية التي تعقد بالإيجاب والقبول ووجود الشهود. غير أن الإسلام أضاف زيادة على الزواج المدني إمكانية وضع شروط وبنود في صلب عقد الزواج أو في أي وقت بعده إمكانية وضع شروط وبنود لا تخالف النظام العام لمفهوم الزواج ويتم التوافق عليها مسبقاً لحماية المرأة بشكل

مخصوص، أو لمحاولة استباق الحلول في حال وقوع مشاكل زوجية، أو بكل بساطة لحسن إدارة حياتهما الزوجية. من الشروط التي يمكن إضافتها لعقد الزواج : التزام الزوج بعدم الزواج من امرأة ثانية، تطليق المرأة نفسها بنفسها دون الرجوع الى إرادة زوجها، عدم متابعة الزوجة لزوجها في حال أراد الاستقرار في دولة أجنبية للعمل، تحديد نفقات إضافية لها، مواصفات بيت الزوجية وموقعه، حقها في تأمين خادمة منزلية، تحديد سن الحضانة والمشاهدة في حال الإنفصال والطلاق، الى ما هنالك من شروط كثيرة يمكن إضافتها في عقد زواجهما. هذه الشروط المعتبرة والتي هي من أجل إيجاد حلول استباقية تضفي على منظومة الزواج في الإسلام طابعاً راقياً جداً يقوم على احترام إرادة الزوجين معاً، قل نظيره في الأنظمة الحديثة. ناهيك عن تعددية الآراء الفقهية التي تستوعب كافة الحلول القضائية الممكنة والمطروحة على صعيد الخلافات الزوجية أو لتأمين حسن إدارة الحياة المشتركة بين الزوجين ويتوافق مع متطلبات كل عصر من العصور. تعددية هذه الآراء الفقهية في شتى مسائل الأحوال الشخصية تفوق بكثير التشريعات المدنية للزواج. على سبيل المثال ما ذهب اليه القاضي ابن عرضون المغربي في القرن السادس عشر من أحقية المرأة العاملة في اقتسام أملاك زوجها مناصفة في حال وفاته أو في حال طلاقها منه. يضاف إلى أن هذه المنظومة القائمة في المحاكم الشرعية تحكمها أصول محاكمات شرعية وفي حال السكوت تطبق أصول المحاكمات المدنية. نزيد عليها سهولة إجراءات التقاضي في المحاكم الشرعية وخضوعها للرسوم التي تفرضها الدولة كمثيلاتها في الدعاوى المدنية تماماً. ناهيك بأن الواردات في صناديق المحاكم الشرعية تصب مباشرة في خزينة الدولة.

بيد أن هناك مشروع ثالث لا يعبر بطبيعة الحال الا عن رأيي الشخصي وليس عن رأي المؤسسة القضائية التي انتمي اليها. هذا الطرح ينطلق من فكرة دمج المحاكم الشرعية والروحية في لبنان ضمن مسمى واحد هو "محكمة الأحوال الشخصية" حيث تكون الدولة هي الراعية والمرجع الأعلى لكل اللبنانيين. دون اللجوء إلى الفكرة العقيمة في إلغاء المحاكم الروحية والشرعية فيُقترح توحيد تسمية هذه المحاكم لتصبح محكمة الأحوال الشخصية التي تتوزع على الأراضي اللبنانية وتضم فيها قضاة روحيين وشرعيين وقضاة مدنيين منتدبين من قبل الدولة لإجراء عقود الزواج للبنانيين الذين لا يرغبون في إجراء عقود زواجهم لدى المراجع القضائية الدينية. يكون من حق المنتمين إلى الطوائف المسيحية الإلتجاء عن طريق الإتفاقية الرضائية إلى اختيار جزئية قانونية مطبقة في إحدى المحاكم الروحية المسيحية ولو كانت من غير مذهبهم دون أن يؤدي ذلك إلى تغيير انتمائهم إلى طائفتهم الدينية، وكذلك الأمر يكون من حق المنتمين إلى الطوائف الإسلامية الإلتجاء الى جزئية قانونية مطبقة في إحدى المحاكم الشرعية دون أن يؤدي ذلك إلى اضطرارهم لتبديل طائفتهم. بهذا الإجراء يتمكن المسيحي الكاثوليكي من حل الرابطة الزوجية باختياره ضمن اتفاقية رضائية بتطبيق قانون الطائفة المسيحية الأكثر سهولة في تسهيل عملية حل وإبطال زواجه، دون اضطراره الى اعتناق الدين الإسلامي أو تغيير مذهبه الى طائفة مسيحية أخرى. كذلك الأمر بالنسبة للمسلمين السنة مثلا الذين يرغبون بتوريث بناتهم على المذهب الجعفري حيث يتمكنوا من تقسيم التركة وفق المذهب الجعفري دون اضطرارهم الى تغيير طائفتهم. وكذلك بالنسبة

للشيعة الذين يرغبون في تحديد سن حضانة أولادهم وفقاً للمذهب السني. ولحل معضلة تنازع القوانين بين الزوجين في حالة رغبة أحدهما في الذهاب الى محكمة والآخر الى محكمة أخرى، يتعين عليهما عند إجراء مراسم زواجهما تحديد الجزئية القانونية التي يختارانها لحل مشاكلهم الزوجية أو الإرثية ضمن التشريعات المتبعة في محاكم الديانتين، أو إجراء التعديل عليها بالتوافق خلال في أي لحظة حياتهما الزوجية.

إن المشكلة التي يعاني منها أبناء الطوائف الإسلامية والمسيحية على حد سواء هي في انتقال إبنائهم الى المذاهب الأخرى ليس لعدم ايمانهم بالمبادىء الدينية لطوائفهم وإنما لاصطدامهم بالقوانين والأنظمة الخاصة بطوائفهم والمتعلقة بتنظيم حياتهم الزوجية وما ينتج عنها من خلافات ونزاعات. وكذلك الأمر بالنسبة لبعض اللبنانيين الذين لا يرغبون بعقد زواجهم لدى المرجعيات القضائية الدينية فيكون ذلك منفساً لهم في إجراء عقد زواجهم لدى القضاة المدنيين المنتدبين من قبل الدولة الى محاكم الأحوال الشخصية دون الإلتجاء الى دول تعتمد الزواج المدني. كل ذلك دون الإفتتات من حق المرجعيات الدينية القضائية من ضبط كافة معاملات الأحوال الشخصية من أجل ضمان وتعزيز قيم العائلة المشرقية بشقيها المسيحية والإسلامية وعدم الإنجرار وراء الأهواء والغرائز التي أدت في الدول الغربية الى تفكك الأسرة والمجتمع.

إن هكذا مشروع سيحد بطبيعة الحال من التغيير والانتقال من دين الى دين ومن طائفة الى أخرى عن طريق الغش والمخادعة، وكذلك الأمر

بالنسبة للذين يصرون على إجراء عقود زواجهم في الدول التي تعتمد الزواج المدني من السفر الى الخارج.

إن هذا المنحى الذي أشرت إليه يحتاج الى كثير من التفكير والتعمق والدراسة. وقد اردته نافذة تطل على مفاهيم التطور والعصرنة - دون التخلي عن القيم والمبادئ الدينية التي نؤمن بها إيمانا راسخا - هي من أجل السعي في إيجاد الحلول لمشاكل اللبنانيين المتعلقة بمسائل أحوالهم الشخصية وعدم الإكتفاء برفض أو فرض وجهة نظر آحادية. إن هذه الحلول يجب أن تكون ضمن إطار العائلات الروحية التي يتشكل منها لبنان مع الأخذ بعين الإعتبار ضرورة الحد من التحايل على قوانين الطوائف من خلال معاملات تبديل الدين، وأيضاً دون الإخلال بأن تكون هذه الحلول التي تعتمدها الطوائف متوافقة مع بناء الدولة العصرية التي تنشد وحدة أبناء هذا البلد وعيشهم الواحد المشترك الذي لا يرضون بغير هذا العيش وبغير هذا الوطن بديلاً·

الكلمة الختامية وهي بمثابة جواب على السؤال الوارد في عنوان مداخلتي لماذا قوانين أحوال شخصية ومحاكم متعددة وليس قانون واحد ومحكمة واحدة. أميل الى القول بأني كما سبق وذكرت بأن تكون في لبنان محكمة أحوال شخصية واحدة تعتبر جزءاً لا يتجزأ من تنظيمات الدولة القضائية، كما الحال في مصر، تضم المحاكم الشرعية والروحية معاً، وأن تكون هناك قوانين متعددة داخلها يختارها أصحاب الشأن وفق انتماءاتهم الدينية أو يتوافق المقدمان على الزواج التوقيع على اتفاقية رضائية مسبقة تحكم علاقتهما الزوجية في حال الإتحاد وفي حال الإنفصال. مبرري في ذلك بأن

هذه الفئة من القوانين تسمى : أحوال شخصية وهي تتعلق بحياة زوج وزوجة يرغبان في تأسيس أسرة وفي إدارة حياتهما الزوجية فلنترك لهما اختيار ما يرغبان به من خيارات، ولا نتدخل إلا في حال النزاع بينهما.

إدارة شؤون الإسرة الروتينية و إدارة الخلافات الزوجية في حال حصولها حق للزوج والزوجة في اختيار أي نظام رضائي يتبعانه مسبقاً بشرط أن يكون متوافقاً مع النظام العام لمؤسسة الزواج في شطريه الإسلامي والمسيحي، وفي حال سكوتهما تطبق عليهما قوانين مذهبهما الذي يتبعانه. إحترام مبدأ الإرادة والإتفاقية الرضائية هما في صميم تشريعاتنا الفقهية الإسلامية وبهما نسطر حيثياتنا في الأحكام القضائية : وبما أن الطرفان تصادقا على ذلك ويعود للمحكمة التصديق على ما تصادقا عليه إن لم يكن مخالفاً للشرع والقانون، وأن الفقرة الحكمية تعتبر هذا الحكم الصادر بالإتفاق غير قابل للإستئناف فلا يسع أي قانون التدخل فيما رضيا به مسبقاً كحل لخلافاتهما الزوجية، كل ذلك دون المساس بالمبادىء العليا التي تقوم عليها أركان الأسرة المشرقية بتشريعاتها الإسلامية والمسيحية.


أخبار ذات صلة

LBCI عن لقاء عون - الحريري: حتى الساعة ما من [...]
LBCI عن لقاء عون - الحريري: حتى الآن لم يُعلم [...]
بالفيديو: ثور "شارد" على أوتوستراد خلدة!