بيروت - لبنان

اخر الأخبار

1 حزيران 2020 12:02ص ماذا تعلمت «الطبقة الآثمة» من أحداث ت1 وشباط؟

دوران متكاملان بين Covid-19 وترامب

حجم الخط
فايروس لا تُرى بالعين المجردة، تحوّلت إلى جائحة، تعبث بمصير سكان الكوكب بملياراته التي اقتربت من الثمانية، بين موت وتشريد، وحجز في المنازل، وانقطاع عن دور العبادة، وفقدان ملايين الوظائف، وتعطيل حركة الطيران، وشل الجيوش، من الأطلنطي إلى الهادئ، وصولاً الى خليج العرب، والبحور البيضاء والحمراء والسوداء، بما في ذلك بحر الشمال، الذي يشطر أوروبا بين جنوب وشمال.

على مدى الأشهر الستة الماضية، تحوّلت الفايروس التي أطلق عليها Covid-19 إلى نجمة الأخبار، والتحليلات، والتعليقات، والدراسات والمختبرات، ورفع الطب يده، استسلاماً، وبدا أن إنجازات العلم الطبي، والسريري، وبكل الاختصاصات والتشعبات، من البكتريولوجيا، إلى الفيزيولوجيا، والنيترولوجيا، وغيرها من اختصاصات دقيقة، وصولاً إلى الطب الطبي، والمعالجات المتممة، والطب الوقائي، توقفت عند ألغاز الفيروس، التي وضعت خطاً فاصلاً بين مرحلة ما قبل 21 ك1 2019 وما بعده، وكأن لا قيمة لشيء على الأرض.

بمواجهة هذه الفايروس - الحشرة، كان على الشاشة الموازية الرئيس دونالد ترامب، رئيس الولايات المتحدة، الذي اتخذ من الفايروس Covid-19، فرصة، لإعلان الحروب بكل اتجاه: حرب مع الصين الشعبية، الناهضة، من خلال اتهامها بصنع Covid-19، ونشره في الكرة الأرضية من المحيط المتجمد الشمالي إلى القطب الجنوبي، في الهواء، والماء، والصحراء، وحتى التراب.. وحرب على منظمة الصحة العالمية، الذي اتهم إدارتها بالتواطؤ مع الصين في إخفاء الفايروس، ومخاطره، أو خوض حرب استباقية ضده، وهدَّدها بوقف المساعدات المالية عنها، أو قطعها، ثم عاد عن قراره، ثم عاد الى قرار القطع..

في اطلالته الصحفية، عبر المؤتمر اليومي في البيت الأبيض، كان ترامب، بضخامة جثته، ووجه الطفولي، يتوعد الحشرة التافهة، بكلام مدعاة الى التندر، والسخرية، طوال الليل والنهار، عبر وسائط التواصل الاجتماعي، وفي الإعلام التلفزيوني، الأميركي، الذي عاد الى وهجه، بعدما اقترب الإعلام الجديد، من فقدان مصداقيته، ونغّص على البشر طهارة المعرفة، ودقة المعلومات وجدارة الأخذ بها..

من طرائف الرجل الأميركي الأول، أنه قرَّر مصارعة هذه الوسائل، عبر فتح معركة مع «تويتر» الذي استخدمه كمطية، للتبشير بتصريحاته، وانتقاداته، وحملاته، على خصومه الديمقراطيين، من هيلاري كلينتون، الى باراك أوباما، مروراً بـ«جو بايدن»، منافسه في الانتخابات الرئاسية الأميركية المقبلة في تشرين.

بدا على المسرح الدولي، نجمان، من طينتين مختلفتين: الفايروس، الذي يستهدف رخاء البشر، واستقرارهم، والرجل الأبيض، الذي تحوَّل الى «رمز عنصري»، يستهدف استقرار الكوكب، وحضارته، واتصاله بعضه ببعض، مستعيداً، صورة عتاة الديكتاتوريين، والأباطرة، او رجال السيطرة، من المافيا الى الكاوبوي، الى رجال الغابات، المسلحين بالرماح، او بالحجارة المسننة، لقتل الطرائد، وسائر الشركاء، من حيوانات «ناعمة»، او مفترسة، في الغابة الأولى، حيث خرج الإنسان، من بيئته الحيوانية الى بيئة الإنسانية.

بقي الرجل، يعبث بكل شيء.. فحتى إذا اكتشفت بلاده علاجاً، أو دواء للفايروس الكوفيدي، فإنه لن يسمح بإعطائه لسائر بني البشر..

لم ينس ترامب قوانين العقوبات، التي تشنها بلاده، ضد دول العالم، من الصين الصفراء، الى روسيا «الشقراء»، وبلاد الشرق الاوسط، التي تختلط فيها الأجناس والألوان، من الجنس الآري، الى السامي، فالحامي، ما عدا اليهودي، الذي يعزف على «معاداة السامية»، حتى في «الزمن الكوروني»، بصرف النظر عن تهدجات، ايتام «التوراة» بأسفارها الخمسة من «شديدي التدين» إلى الأحبار والحاخامات، الذين يعتقدون، أن الفايروس، والرئيس المحروس، هما من نبؤات، الزمن التوراتي، وأسفار التكوين منذ خروج موسى من صحراء مصر الى أرض كنعان..

في زحمة الكوارث، الناجمة عن «الفايروس القاتل» بدت الحضارة الغربية، على كف عفريت من التصدع والإنهيار، وبانت الرأسمالية، سواء في مرحلة الإمبريالية، او النيوليبرالية، أو ما بعد الحداثة، أو إلغاء دولة الرعاية، والذهاب بالمنحى التاتشري (نسبة الى مارغريت تاتشر رئيسة وزراء بريطانيا في حقبة التسعينات).

وبدت قبلة البشر على الأرض، لجهة الحياة الآمنة، والقائمة على الحق، والتماس السعادة، التي قال عنها في يوم من الأيام هيغل «أرض المستقبل»، في اشارة الى الولايات المتحدة الأميركية، تقبع في قعر الأزمة، في أيام ترامب، الذي تنكر لتاريخ الآباء المؤسسين للولايات المتحدة الأميركية، ولمبادئ جيفرسون، الذي كان يعتقد في لحظة اليأس من بقاء الاتحاد الأميركي، أن الأميركيين يملكون المزاج لوأد خلافاتهم دائماً دون اللجوء إلى حرب أهلية.

على فراش الموت، في وقت متأخر من سنة 1826, كتب واضع «إعلان الإستقلال الأميركي» على فراش الموت، في خطاب الوداع، أن «ملكين» هما زوجته وبنته ماريا تنتظرانه. وأوصى بأن ينقش على قبره: «هنا دفن توماس جيفرسون»، واضع إعلان الاستقلال الأميركي، وقانون فيرجينيا للحرية الدينية، وأبو جامعة فيرجينيا.

والسؤال، ماذا سيعرض ترامب بعد ما يقرب من مائتي عام من وصية جيفرسون، والتظاهرات تحاصر البيت الأبيض، رفضاً للعنصرية، والعودة الى التمييز بين الأميركيين على أساس اللون، وحتى العرق بين أوروبي وإفريقي، وصيني، (والكل يذكر كيف تصرف ترامب مع المراسلة الأميركية من أصول آسيوية او صينية، في معرض الهجوم على الصين على خلفية الكورونا).

في المشهد الكئيب، على مستوى العالم، وزعامته، للبنان، البلد الصغير، صاحب الأرزات القليلة العاجقة الكون (رحم الله وديع الصافي) ثمة حصة، من الغضب الأميركي، قبل ترامب وفي أيامه وربما بعده.. فبعد وضع «أصابع الديناميت» الأولى في هدم النظام المصرفي اللبناني، من خلال العقوبات المزعومة على «حزب الله»، تتمادى آلة الشرّ الأميركية، في الترويج، لسلة جديدة من العقوبات، تارة من خلال «قانون قيصر» السوري، الذي يدخل العمل به بدءاً من اليوم، وتارة من خلال تهديدات، على لسان ديفيد شنكر بفرض عقوبات على شخصيات تدور في فلك حزب الله، فضلاً عن العراقيل، المفتعلة بوجه المفاوضات الدائرة مع صندوق النقد الدولي، لتقديم قروض للبنان، بمبالغ لا تقل عن 5 مليارات او 10 مليارات دولار، في غضون السنوات المقبلة، لإنتشال البلد من أزمته الاقتصادية والمالية الخانقة.

على ان الأنكى، في حمأة التأزم المالي، النقدي، وعلى الرغم من أن الأسبوع الطالع، يحمل مؤشرات لجهة الجدية في الحدّ من ارتفاع سعر الدولار، او تهدئة الهيجان في الأسعار، هو «مسخرة التشريع» اللبناني، من الزمن «الكورينالي» حيث لم تستفق طغمة «الطبقة السياسية» القابضة على مقدرات البلاد والعباد، من الآثار المؤلمة، التي سببتها سياساتها، القائمة على الاستئثار، والقفز فوق «القوانين»، والعبث بالمصالح العليا للدولة، وتدمير مقومات الحياة للبنانيين، سواء في ما يتعلق بحقوقهم التي ضمنها الدستور، او حرياتهم، التي تستباح، تحت هذا المبرر او ذاك.

والسؤال الخطير: ماذا تعلمت «طبقة السلطة» في لبنان، سواء من ثورة 17 (ت1) 2019، أو من جائحة كورونا، بعد 21 شباط 2020؟ وبعد ان دفع الإنهيار الإقتصادي بقرابة نصف سكان لبنان الى تحت خط الفقر.

من السلوك، في التشريع، سواء المتعلق برفع السرية المصرفية، وإبعاد القضاء عن القرار، او الكابيتال كونترول، الذي يسقط، ثم ينتعش، أو مسألة العملاء الفارين إلى إسرائيل، وما عرف بــ«اقتراح قانون العفو» إلى السلوك في التعيينات، وضرب عرض الحائط بالآلية المقررة، ومحاولة استباقها «لفرض الأزلام» في الإدارة، قبل فوات الأوان، لم تتعلم «طبقة السلطة»، الآثمة شيئاً.. سواء من التظاهرات في شوارع بيروت، الى التظاهرات أمام البيت الأبيض. وحدها كورونا نجت من التظاهرات والتشريعات؟!