بيروت - لبنان 2020/12/05 م الموافق 1442/04/19 هـ

ماذا حصل لسويسرا الشرق؟

حجم الخط

كلنا يعرف مدى أهمية النظام المصرفي اللبناني فهو على مرِّ السنين كان لولب الاقتصاد والركيزة التي اعتمد عليها النظام الاقتصادي الحر في لبنان. النظام المصرفي اللبناني ومنذ صدور قانون سرية المصارف في الخمسينات كان مدعاة فخر في العالم العربي وكان قدوة للبلاد التي تحيط بلبنان. لعبت المصارف اللبنانية دور أساسي ففتحت للتجار أبواب الاعتمادات والوكالات الحصرية كما ساهمت في تمويل المشاريع الصناعية والزراعية, والعقارية والسياحية. ساهمت هذه التمويلات في نهضة اقتصادية في السبعينات والثمانينات واستفاد النظام المصرفي اللبناني آنذاك من الطفرة النفطية والبترو دولار إذ تم تحويل مبالغ مهمة إلى لبنان من الإخوان العرب لمشاريع في لبنان أو للإيداع في النظام المصرفي اللبناني ومن هنا عرف لبنان بمقولة سويسرا الشرق لأن تمكّن لبنان من استقطاب الأموال العربية والخليجية وكان ذلك بمثابة اعتراف من العالم بالنظام المصرفي اللبناني وثقتهم به وبقدرات وكفاءات القائمين عليه.

‏دامت هذه المنظومة حتى أوائل التسعينات ومع مجيء الشهيد الرئيس رفيق الحريري حيث كان عنده مشروع اقتصادي وتنموي مهم لي لبنان وكان بحاجة للتمويل مما اضطره إلى اللجوء إلى أساليب جديدة للتمويل. فبالاضافة للتمويلات التي حصل عليها لبنان من البلدان الصديقة من ديون ميسرة ومساعدات وودائع طويلة الأمد, لجأ لبنان إلى سوق النقد العالمي من خلال إصدار سندات خزينة بالدولارلعدة سنوات اذ كان لبنان عنده سمعة عالمية ممتازة مبنية على ثقة الأسواق بالمصارف اللبنانية والمصرف المركزي اللبناني. استطاع لبنان من تمويل مشاريعه الإنمائية وكانت المعادلة رابحة للكل فلبنان أستدان ومول المشاريع, الموديعين استثمروا في هذه السندات وجنوا الفوائد عند الاستحقاق واستردوا استثماراتهم بعد سنين بدون أي شائبة والبنوك اللبنانية استفادت من موديعيها وزادت أرباحها من العمولات والودائع والتحويلات الكل استفاد والكل كان ممنون.

مع بدأ الألفية الثانية إنحدرت الأوضاع السياسية في المنطقة مما أدّى إلى تراجعات اقتصادية بعدة قطاعات واعدة. فمقتل الرئيس الحريري سرع في انزلاق الأوضاع السياسية والاقتصادية بالبلد. في ذلك الفترة دخل على لبنان كميات هائلة من الاموال من مصادر معروفة وغير معروفة, شفافة وغير شفافة, واستثمرت ببعض المصارف التي تبين لاحقا أنها كانت مشبوهة والقسم الآخر استثمر بالعقارات مما أدّى إلى استفحال أسعار العقار في لبنان. امتلأت المصارف بودائع مشبوهة كان المستحيل لها أن تستثمر أو تودع خارج لبنان. هذا الكم من الأموال دفع بالبنوك اللبنانية إلى الاستثمار بكميات كبيرة بسندات الخزينة اللبنانية وبالهندسات المالية التي استخدمها حاكم المصرف المركزي لتعزيز خزينته وتمويل الدولة اللبنانية بالأموال المطلوبة.

هنا دخلت المصارف باللعبة السياسية مع الطبقة الحاكمة عن علم أو بدون علم وتماشت البنوك بقيادة المصرف المركزي‏ على تلبية طلبات المنظومة السياسية بدون دراية أو أي حسابات وإدارة للمخاطر التي قد تنتج من هكذا استثمارات. الحقيقة كانت أن الكل كان في سباق مع المصيبة والكل كان بحالة إنكار وقد اعمي اللبنانيين نتيجة الطمع وها نحن اليوم نعاني تبعات ما اقترفته أيدينا.

‏ما فاقم الأزمة أيضا هو الأوضاع السياسية في المنطقة وأنخراط حزب الله في الحرب السورية والتداعيات التي نتجت عن هذه الحرب على الساحة اللبنانية من ضغوطات اقتصادية ومالية. أصبح لبنان الرئة التي يتنفس منها النظامين السوري والإيراني, فأصيب لبنان والنظام المصرفي من جراء ذلك كله.

‏المشكلة ابتدأت عندما فرطت المصارف بمسؤولياتها وقائمة أولوياتها وأصبحت المصارف تخدم خزينه الدولة بدل أن تخدم الاقتصاد اللبناني. والأهم أن اغلبية البنوك أضاعوا البوصلة بالمبدأ الأساسي للعمل المصرفي ألا وهو أن المصرف لديه مسؤولية ائتمانية (fiduciary responsibility) تجاه العميل. عندما يقول البنوك الآن أنهم ليسوا مسؤولين عن ما حصل او أنهم كانوا يدينون الدولة اللبنانية من خلال استثمارهم بسندات الخزينة, فهذا عذر اقبح من ذنب لأن من واجبات المصارف أن يحافظوا على أمانات الموديعين, فهذه المسؤولية بالمفهوم المصرفي هي كقسم أبقراط عند الأطباء والحقيقة هي أنهم اخلوا بالقسم.

المصرفيون اللبنانيون اشتهروا بالمناقبية والاحترافية والعالم يشهد على ذلك وهناك الكثيرين من المصرفيين اللبنانيين اللذين لمعوا وتبوؤا أعلى المراكز في البنوك العالمية. المهم أن يرجع النظام المصرفي اللبناني إلى رشده واستقلاليته وتعاونه الكامل مع النظام المصرفي العالمي من خلال المصرف المركزي وأن يلتزم بقائمة أولويات تمكن البنوك اللبنانية على استعادة المبادرة وأن يسترجعوا الثقة مع الموديعين اللذين هم المكون الأول والأساسي بمعادلة المصارف, فليس هناك مصارف من دون موديعين.

1- استعادة ثقة الناس من خلال التعامل بطريقة شفافة ومرنة تبدأ بتلبية ولو بالقليل رغبات الناس لكي يوقفوا السحوبات اليومية من البنوك ويخففون النزف الحاصل ويعيدوا كمية الدولارات الموجودة في البيوت.

2- الالتزام بتعليمات المصرف المركزي من إعادة رسملة ميزانيات البنوك وإعادة نسبة من ودائعهم للتشغيل وخدمة الزبائن لعمليات المراسلة.

3- توقيف العمليات المشبوهة التي قام بها وما يزالوا يقومون بها بعض موظفين البنوك مع الصيرفة من تحويلات من الليرة لبنانية إلى الدولار بشيكات بنكية تحت شعار خدمة الزبائن. 

4- استعادة المصارف للأعمال والخدمات وأن لا يتركوها بأيدي السماسرة والصيارفة وأشباح الصرافين.

أنا لا أدّعي أن هذه الأعمال ستستقيم وترجع إلى سابقها بين ليلة وضحاها إنما رحلة الألف ميل تبدأ بخطوه ويجب أن تبدأ المصارف على إعادة تأهيل علاقاتها مع زبائنها ليستعيدوا ثقتهم. بنفس الوقت أن تلتزم الحكومة المقبلة بسلسلة إصلاحات بالتعاون مع صندوق النقد الدولي الذي سيحدد الاطر في هذا المجال لكي يستعيد البلد عافيته.


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 5-12-2020
عناصر الحراك المدني امام مبنى الـESA في كليمنصو اعتراضاً على تواجد سلامة هناك (تصوير: محمود يوسف)
الحريري لن يتراجع.. والفريق الرئاسي مطالب بالتخلي عن الأساليب الملتوية!
أمير الكويت: الاتفاق الخليجي لمصلحة دول المنطقة