بيروت - لبنان 2019/11/22 م الموافق 1441/03/24 هـ

من وحي ذكرى المولد النبوي الوطن يولد من رحم المعاناة

حجم الخط

الحَمْدُ لله الذي مَنَّ علَى المؤمنينَ بسيدِ الأولينَ والآخرينَ، فأخرجَ بهِ النَّاسَ من ظلمات الجاهلية ونُظُمها وأخلاقها وعاداتها إلى نور الإسلام، وصلى الله على سيدنا وحبيبنا وشفيعنا محمّد عبد الله ورسوله وخيرته من خلقه، وأمينه على وجه سيّد الأولين والآخرين وقائد الغر المحجلين أرسله الله رحمة للعالمين، وحجة على العباد أجمعين، صلاة الله وسلامه عليه وعلى آله وصحبه وذريته، ومن تبعه ووالاه واستن بسنته واهتدى بهديه واقتفى أثره إلى يوم الدين. وبعد:

كلما اطل علينا شهر ربيع الأنور-  تهب علينا نسمات إيمانية تذكرنا بمولد، سيدنا رسول الله (صلى الله عليه وسلم) الرحمة المهداة والنعمة المسداة أُرسل رحمة للعالمين، أُرسل للناس كافة على اختلاف أجناسهم وألوانهم وشعوبهم وقبائلهم.

قال الله تعالى: (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِين) «الأنبياء 107»، فلم يكن صلى الله عليه وسلم رحمة للمسلمين أو العرب فقط، بل كان رحمة الله للعالمين، فالرحمة خُلق عظيم، ووصف كريم، أوتيه السعداء وحُرمه الاشقياء.

هو رحمةً للجميع ورسالته للجميع، لأنه دين يسعُ الجميع، وتنصهر فيه جميع القبائل والشعوب والأجناس والأعراف متساوين في ذلك بين يدي الله لا يتفاوتون إلا بالتقوى، هذا مبدأ أساسي من مبادئ هذا الدين العظيم الكريم.

في ذكرى ميلاد سيّد البشر صلى الله عليه وسلم نؤكد أن شريعة الإسلام واقعية تراعي الواقع القائم فالشريعة الإسلامية مسايرة للظروف والواقع البشري مهما تطورت الحياة الإنسانية، فأحكام الشرع لا تتعارض ولا تصطدم بمصالح النّاس ولا بواقعهم السليم.

قال تعالى: (فِطْرَةَ الله الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ الله ذَلِكَّ الدِّينُ الْقَيِّمُ) «الروم 30) الإسلام دين الفطرة والتوحيد، فهو دين يلائم أصل الفطرة السوية التي فطر الله النّاس عليها.

والشريعة الإسلامية مبنية على الفطرة التي منحها الله تعالى للإنسان وغرسها في طبيعته وبما أن كل النّاس من جميع الأجناس يولدون على هذه الفطرة أول ما يولدون، فهي سُنة من سننِ الله التي لا تتبدل ولا تتخلف وبناء عليه، فالفطرة من سننِ الله التي لا تقبل الإلغاء والتبديل، لكنها تقبل التغيير وتخضع للتأثير.

فالشريعة الإسلامية إذن تهدف إلى توحيد الشعوب وإذابة عوامل التفرقة بينها، ونشر لواء الأخُوَّة والمحبَّة بين أفرادها؛ لأنها شريعةٌ تُحافظ على الكليات، ولا تُهمل الجزئيات، تحل المشكلات المجددة، وتتعامل مع الوقائع المُتطورة، تأمر بالعدل، وتحرّم الظلم فهي صالحةٌ وشاملةٌ لكل زمان ومكان، إلى قيام الساعة،

جاءت بتشريع يواكب الحاضر والمستقبل جميعاً، باعتبارها الرسالة الأخيرة التي أكمل الله بها الدين، وختم بها الرسالات، ونقلها من محيط المحدَّد إلى المحيط الأوسع، ومن دائرة القوم إلى دائرة العالمية والإنسانية (وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيراً وَنَذِيراً) «سبأ 28» لذلك جاءت الشريعة لتجمع بين عنصري الثبات والمرونة، ويتجلى الثبات في أصولها وكلياتها وقطعياتها،

وتتجلى المرونة في فروعها وجزئياتها وظنياتها، فالثبات يمنعها من الميوعة والذوبان في غيرها من الشرائع، والمرونة تجعلها تستجيب لكل مستجدات العصر.

وخلاصة القول أن الشريعة الإسلامية نزلت لتسع حياة الإنسان من كل أطرافها، وبكل أبعادها فلا تضيق بالحياة، ولا تضيق الحياة بها، لأن أحكامها تخاطب فطرة الإنسان التي لا تتبدل ولا تتحور ولا ينالها التغيير فقد راعت مصالح العباد في المعاش والمعاد، وهيأت لهم السبل التي توصلهم إلى النجاة والسعادة،

كما نزلت الشريعة الإسلامية لترفع قدر الإنسان وتعلي مكانته، وتسمو به وتحرره وتكرمه وتسعده وتحافظ على كافة حقوقه فلا تُنتهك حرمته، ولا يُعتدى على حرَّيته، ولا يُمتهَن ولا يُذلُّ ولا يصل إليه أحد بِظُلم.

في ذكرى مولد الرسول الأعظم (صلى الله عليه وسلم):

نتوجه بالتحية للشباب المتواجدين في الساحات الوطنية لوقفتهم الصابرة المتطلعة الى وطن واحد موحد تسوده الحرية وتحكمه العدالة والحقوق والمساواة بين الناس بدون تمييز او تفريق بسبب مذهب او طائفة او منطقة او وساطة او وزعيم، لم يعد من المستطاع السكوت على هذا الفساد والافساد والمحاصصة والتسويات على حساب المواطنين العاديين... لقد انعدمت الثقة بين المواطن وبين دولته... وسقط هذا النظام الطائفي الذي اعتمد على تقسيم وتوزيع المصالح والغنائم على النافذين من أهل السياسة والمواقع في هذا النظام الطائفي المذهبي البغيض.

الناس يريدون ان يعيشوا بكرامتهم متساوين امام القانون في ظل دولة عادلة... الشباب يحلمون بالمستقبل... يطالبون بمحاربة الفساد واهله... واعادة المال المنهوب . يريدون العلم والطبابة والسكن وفرص العمل وغيرها... يريدون حقهم بالحياة الكريمة، نحن مع شبابنا في وقفتهم الوطنية... مع هذا الحراك الشعبي الوطني المحق من اجل غد أفضل وهنا ينبغي ان نحرص على وحدتنا الوطنية وعلى عيشنا المشترك... بعيدا عن الفتن الطائفية والمذهبية التي تدمر وتخرب ولا تعمر. نحيي الشباب في مطالبهم الاجتماعية والسياسية والمعيشية ونواكب هذه الانتفاضة الوطنية المباركة...  فالناس قد جاعت وهي مأزومة من هذا النظام الفاسد وتحية للحيش اللبناني الوطني لتحليه بالحكمة في تعامله مع المتظاهرين.

في مولدك يا رسول الله، لعل هذا الوطن يولد من رحم المعاناة والبطولة والرجولة ومن ساحاته وطناً يحمل معاني الحق والعدالة وقيم الحرية والمساواة لأبنائه المخلصين الأبرار.

ذكرى مولد رسول الله عليه الصلاة والسلام محفورة في القلوب، احتفلنا بها أم لم نحتفل، نتطلع إليها فنتذكر سيدنا وإمامنا وقائدنا وقدوتنا، الذي أمرنا الله بمحبته، وأوجب علينا طاعته، تذرف الدموع لذكراه، وتخشع القلوب لسيرته، تتطلع النفوس للقياه، وتتذكر في هديه وسنته.

اللهمَّ اجعلْنَا على منهجهِ وطريقتهِ وأكرمَّنَا بشفاعِتِه صلى الله عليه وسلم إنَّك أنتَ السميعُ العليمُ.

* مفتي صيدا واقضيتها


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 22-11-2019
والدة إحدى التلامذة تحرق كتب التاريخ والتربية أمام وزارة التربية (تصوير: جمال الشمعة)
عقد التكليف والتأليف في لقاء اليرزة.. وبكركي تنتقد إدارة باسيل!
22-11-2019