بيروت - لبنان 2020/09/18 م الموافق 1442/01/30 هـ

هل تملك دار الفتوى صلاحية تأديب «المشايخ»؟

حجم الخط

في خطبة صلاة الجمعة المنصرمة التي ألقاها أمين الفتوى الشيخ أمين الكردي جاء فيها : "من الآن فصاعداً أي عمّة تكون خلف سياسي لغاية أو لمنصب أو لتحصين موقع ستُفضح، وهذا كلام أتحمل مسؤوليته، فلينتبه كل من يضع عمة أهل السنة والجماعة على رأسه أنه بعد اليوم لن يسمح له أهل الحق من العلماء أن يكون تبعاً لهذا السياسي أو ذاك وأي سياسي يتدخل بشؤون المسلمين الدينية سيكون عرضة للفضح على المنابر، لسنا ضد السياسيين ولكننا لا نرضى أن تكون عمة أهل العلم ومنهج أهل العلم خلف فلان أو علان".

وأضاف: "أي واحدٍ ترونه يمدح سياسياً لا تنظروا إليه، ولا تقفوا خلفه، لأنه صاحب غاية وصاحب منصب وصاحب طلب من هؤلاء، بهذه الطريقة أيها الأحبة تتغير الأمور. عندما يكون كلام العالم نصحاً للسياسي يقول هذا السياسي هناك من سينصحني وسيحاسبني، أما أن تكون العمائم تبعاً وخاضعة للسياسيين فهذا أمر مرفوض شرعاً وفكراً وسلوكاً وأخلاقاُ، هذا من الخيانة للعلم الشرعي، خيانة لكتاب الله ولسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم".

ولعل سائل يسأل هل أن دار الفتوى لا تملك إلا "فضح" الشيخ المسيّس؟ ولعل أكثر العارفين بالأمور سيقولون بأن المرجعية العليا في دار الفتوى لم تسلم في العهدين الأخيرين من الإنتقادات بسبب هواهما السياسي المعروف. وهذا ينجرّ أيضاً على بعض المفتين في المناطق والمحافظات. مفتو الجمهورية السابقون الذين تعاقبوا على الإفتاء في فترة ما بعد الإستقلال استطاعوا أن يحيّدوا دار الفتوى عن الأهواء السياسية وأن يكونوا بحق المرجعية الدينية للمسلمين بموازاة المرجعية السياسية دون طغيان إحدهما على الأخرى. وهذا ما جعل المفتين والمشايخ سابقاً بمنأى أيضاً عن أي انتقاد من قبل عامة الناس ومن قبل موالي أو معارضي سياسة أهل الحكم. بل إن هذا الحياد إزاء القادة السياسيين دفع مفتيي الجمهورية السابقين لممارسة صلاحياتهم كاملة في تأديب المشايخ المسيّسين والذين خرجوا عما هو مألوف ومتبع في الآداب التي تمس سمعة رجل الدين. لذلك شهدنا عدة قرارات نزعت الزي الديني عن بعض كبار المشايخ.

هذا الإجراء يعتبر من صميم اختصاص مفتي الجمهورية، حيث نصت المادة 3 فقرة ج من المرسوم الإشتراعي رقم 18 لسنة 1955 المعدل : "يعين مفتي الجمهورية الموظفين الاداريين وارباب الوظائف الدينية من ائمة وخطباء ومدرسين وقراء ومؤذنين ويصدر عنه قرارات ترقيتهم وتأديبهم وفصلهم وفقا للاحكام المقررة في هذا المرسوم الاشتراعي والانظمة المرعية الاجراء".

إضافة إلى صلاحية المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى الذي يرأسه مفتي الجمهورية في النظر في قضايا الإحالة على لجنة الطعون والتأديب واعتباره مجلساً تأديبياً لجميع الموظفين الدينيين والإداريين (قرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى رقم 5/97).
فلماذا إذاً "فضح المشايخ" وليس معاقبتهم؟ ولماذا في كل مجريات الأحداث الأليمة أو المستنكرة أو التي تتطلب موقفاً إسلامياً ووطنياً ملحَاً وهاماً وضرورياً لا نسمع صوت مفتي الجمهورية شخصيا ومباشرة، في حين أنه يطلب من معاونيه الإستنكار والمواجهة ؟

صلاحيات التأديب ليست دخيلة على أنظمتنا الشرعية، فهي منصوص عليها في نظام توجيه الجهات الصادر بتاريخ 23/07/ 1929 حيث يعرّف هذا النظام في مادته الأولى الوظائف الدينية : "ان المدرسية والخطابة والامامة ووظيفة القيم وحافظ الكتب والمتولي وما شابهها من خدمات المؤسسات الوقفية تسمى جهة. وفي مادته الثانية يقسمها الى قسمين : قسم منها يتوقف ايفاء وظيفته على تحصيل العلم وهذه الجهات يقال لها الجهات العلمية. كالمدرسية والخطابة والامامة ووظيفة حافظ الكتب والمتولي والجابي، والقسم الثاني الجهات التي تتعلق بالعمل والصنعة ولا تحتاج لتحصيل العلم وهذه يقال لها الجهات البدنية. نحو وظيفة القيم والفراش وخادم التربة.

هذا النظام نص في مادته 52 على أن المحكومين بجناية او بجنحة مخلة بالناموس وقد كسب الحكم المعطى بحقهم الدرجة القطعية ترفع عنهم الجهات الموجودة بعهدتهم وتوجه على غيرهم توفيقا لحكم هذا النظام اما المحكومون بهذه الوجوه الذين لم يكتسب الحكم الصادر بحقهم الدرجة القطعية والمحكومون بالجرائم السائرة فيستخدم وكيل عنهم مدة توقيفهم ومحبوسيتهم وبهذا الحال يعطى نصف الوظيفة العائدة للجهة الى الاصيل والنصف الاخر الى الوكيل. وأما المادة 53 فنصت على انه ما عدا الاسباب المحررة في المادة الثانية والخمسين اذا وقعت من طرف ارباب الجهات حالة موجبة للعزل شرعا تحقق الكيفية بصورة عريضة وعميقة من طرف ماموري اوقاف المحل وبعد اخذ افادة صاحب الجهة مع كل من يجب اخذ افادتهم فاذا تحقق الفعل الذي يرى انه موجب للعزل يمنع صاحب الجهة من الخدمة موقتا من طرف اكبر ماموري اوقاف ذلك المحل وترسل الاوراق التحقيقية المتعلقة بهذا الباب الى الاستانة في اول بريد وبعد تدقيق المسالة في شورى الاوقاف اذا صدق على صحة الاسنادات الواقعة وعلى كون الفعل موجبا للعزل شرعا فالجهة الموجودة بعهدته ترفع ويعين مكانه غيره على الاصول.

وأما النص على التعاطي بالعمل السياسي فلقد ورد في نظام الجهاز الديني لدى دوائر الاوقاف الإسلامية في الجمهورية اللبنانية في القرار رقم 34، الصادر عن المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى بتاريخ 8/12/1968، ما نصه :
يحظر على الموظف الديني :
1- ان ينتمي الى الاحزاب او المنظمات السياسية.
2- ان يمارس اية مهنة او اي عمل يتفق وكرامة الوظيفة التي يقوم بها، ويعود البت في هذا الامر الى مفتي الجمهورية.
3- ان يأتي عملا يخل بشرف الوظيفة او يخالف احكام الدين الحنيف او يعتبر استغلالا له.
وأما العقوبات المسلكية التي يمكن أن يتعرض لها فهي ما نصت عليه المادة 58 من هذا النظام :
يعتبر الموظف الديني مسؤولا من الوجهة المسلكية ويتعرض للعقوبات التنزيهية اذا اخل بالواجبات المفروضة عليه بموجب هذا النظام.
هذه التدابير التنزيهية تقسم الى درجتين وفق المادة 59 من هذا النظام : الدرجة الاولى : وهي اللوم وحسم المخصص حتى عشرة أيام، و تأخير الترقية لمدة لا تجاوز الستة اشهر. والدرجة الثانية : تأخير الترقية لمدة لا تجاوز ثلاثين شهرا، حسم المخصص من شهر حتى ثلاثة اشهر، الصرف من الخدمة مع التعويض، العزل مع الحرمان من التعويض والمحسومات التقاعدية او مع اعادة هذه المحسومات، التجريد من الزي الديني في حال ادانته بجرم شائن بحكم مبرم من الرجع القضائي المختص او مخالفته لاحكام الدين وارتكابه المحرمات وذلك بالاضافة الى العقوبة الرابعة.
كما ينص نظام الجهاز الاداري لادارة الاوقاف الاسلامية في الجمهورية اللبنانية
في قرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى رقم 18 الصادر في 3/4/ 1980 في المادة 35 :
يحظر على الموظف الامور التالية:
1- ان يشتغل في الامور السياسية وان ينضم الى الاحزاب السياسية او النقابات او المنظمات المهنية.
2- ان يضرب عن العمل او يحرض غيره على الاضراب.
3- ان يعلق بالاحاديث او الخطابات او المقالات او المنشورات في المجتمعات العامة على اعمال او قرارات رؤسائه او السلطات الرسمية بالنقد والتجريح، او يتعرض بمثل هذا الاسلوب للمؤسسات والشخصيات بما يسيء اليها ويسبب احراجها للمراجع العليا الدينية او الوقفية.
وأما العقوبات التأديبية، فقد نصت المادة 75 على أن العقوبات التأديبية على درجتين:
عقوبات الدرجة الأولى : التنبيه، اللوم، حسم الراتب لمدة اقصاها خمسة عشر يوما، تأخير الترقية لمدة لا تتجاوز الستة اشهر. وعقوبات الدرجة الثانية : انزال درجة واحدة او اكثر ضمن المرتبة نفسها، انزال المرتبة، التوقيف عن العمل مدة لا تتجاوز السنة بدون راتب، الصرف من الخدمة مع استحقاق التعويض، العزل مع الحرمان من التعويض.
كما أشارت المادة 77 من النظام إلى الإحالة على المجلس التأديبي ما نصه : يتألف المجلس التأديبي لجميع موظفي الدوائر الوقفية وموظفي المجلس الشرعي الاسلامي الاعلى من لجنة الطعون والتأديب المنصوص عليها في البند الرابع من المادة 54 من المرسوم الاشتراعي رقم 18/55 المعدل.
وأما في طرق الاحالة على المجلس التأديبي، فقد نصت المادة 79 : يحال الموظف على المجلس التأديبي بقرار من مفتي الجمهورية اذا كان من موظفي المرتبتين الاولى والثانية، وبقرار من المدير العام او الامين العام او المفتش العام كل ضمن نطاق صلاحيته اذا كان من احدى المراتب الخمسة الباقية.
كما أشار نظام موظفي الإفتاء الصادر بقرار المجلس الشرعي الإسلامي الأعلى رقم 4 بتاريخ 4/1/1979 في مادته 33 : يحظر على مدرس الإفتاء :
1- أن يقوم بأي عمل تمنعه الشريعة الإسلامية أو القوانين والأنظمة العامة.
2- أن يمارس عملا مأجور أو غير مأجور يحط من كرامة المهام الدينية عموماً.
وأما في التدابير التأديبية فتتخذ بحق موظفي الإفتاء عند ارتكابهم مخالفات مسلكية التدابير الآتية: اللوم، حسم الراتب لمدة خمسة عشر يوماً، حسم الراتب لمدة شهر كامل، التوقيف عن العمل بلا راتب مدة لا تتجاوز الستة أشه ، تأخير الترقية لمدة سنتين على الأكثر، تنزيل الدرجة، الصرف من الخدمة مع التعويض، العزل مع الحرمان من التعويض، التجريد من الزي الديني إذا كان موظف الإفتاء من رجال الدين وأدين بجرم شائن في نظر الشرع، وذلك بالإضافة إلى عقوبة العزل.
ونصت المادة 19من النظام : يوجه اللوم بمذكرة من المدير العام لشؤون الإفتاء ويفرض حسم الراتب لغاية خمسة عشر يوماً بقرار منه، أما حسم الراتب لمدة شهر والتوقيف عن العمل فبقرار من مفتي الجمهورية، وتتخذ بقية التدابير التأديبية بقرار من مجلس التأديب.
ونصت المادة 21 على تأليف المجلس التأديبي من الهيئة المعينة بمقتضى المادة 61- من نظام الجهاز الديني، ويطبق المجلس التأديبي أصول التحقيق والمحاكمة والحكم المنصوص عليها في نظام موظفي الدوائر الوقفية.
ونصت المادة 23على امكانية استئناف قرارات مجلس التأديب، إذا تضمنت الحكم بتأخير الترقية أو بالصرف من الخدمة براتب أو مع الحرمان من الراتب أو التجريد من الزي الديني، أمام مجلس تأديب استئنافي، وذلك خلال عشرة أيام من تاريخ تبليغ الحكم لصاحب العلاقة بالطريقة الإدارية أو بالبريد المضمون . ويكون قرار مجلس التأديب الاستئنافي مبرما وغير قابل للطعن بأية طريقة من طرق المراجعة ، على أن تنفذ قرارات مجلس التأديب وفقاً للأصول المقررة لتنفيذ قرارات مجلس التأديب العام لموظفي الدولة.
ويبقى التجريد من الزي الديني عقوبة مثالية لرفع المسؤولية عن صفة الإنتماء الديني لرجل الدين. وقد سبق للمديرية العامة للاوقاف الاسلامية أن أصدرت بيانا بتاريخ 13 كانون الأول 2006 حول ارتداء الزي الديني الإسلامي، جاء فيه :‏
" لما كان ارتداء الزي الديني الاسلامي يخضع لاحكام نظام الجهاز الديني الصادر عن المجلس الشرعي الاعلى في القرار رقم 34 تاريخ 8/12/1968, والمنشور في الجريدة الرسمية, ملحق عدد 105 تاريخ 30/12/1968 والذي ينص على الاتي :
المادة 89 : يرتدي الزي الديني المتعارف عليه "العمة البيضاء والجبة" كل من حاز شهادة شرعية من المعاهد الدينية المقبولة, او كان معينا لاحدى الوظائف الدينية او في الاقاف الاسلامية وفقا لاحكام هذا النظام, او طالب علم في المعاهد الدينية, او حفظة القران الكريم كاملا الثابت حفظهم بشهادة شيخ القراء.‏
المادة 90 : على حائز الشهادة الدينية ان يتقدم بها وبالمستندات الرسمية الى الدائرة الوقفية التابع لها فترفعها هذه الى مفتي الجمهورية للمصادقة عليها.‏
المادة 91 : من اقدم علانية ودون حق على ارتداء الزي الديني الموصوف انفا استهدف للعقوبة المنصوص عليها في المادة 391 من قانون العقوبات وجرد من الزي الديني. تجري الملاحقة الجزائية بناء على طلب مدير الاوقاف العام, او رئيس الدائرة الوقفية المختصة وبعد استئذان مفتي الجمهورية.‏
علماً بأن المادة 391 من قانون العقوبات تنص على الآتي :‏
" من اقدم علانية ودون حق على ارتداء زي رسمي, او حمل وسام, او اشارة من ازياء او اوسمة او اشارات الدولة اللبنانية, او دولة اجنبية, او ارتدى ثوبا تخص به الشريعة اللبنانية فئة من الناس عوقب بالحبس ستة اشهر على الاكثر, او بغرامة لا تزيد على مئة ليرة. يطبق هذا النص بناء على شكوى السلطات المذهبية الصالحة على كل شخص يرتدي دون حق البسة خاصة باحدى الوظائف الدينية.‏
بناء عليه، فان المديرية العامة للاوقاف الاسلامية تؤكد وجوب التقيد باحكام النصوص القانونية المشار اليها اعلاه تحت طائلة المسؤولية والملاحقة الجزائية".‏
غير أن كل هذه النصوص بقت حبراً على ورق طيلة السنوات الأخيرة، والمخالفات التي سجلت على كثير من رجال الدين لا تعد ولا تحصى. بل وأن كثيراً من المعممين يرتدون الزي الديني بلا أي وجه حق، وليست لديهم شهادات دينية معترف بها، وإن كانت لديهم شهادات فهي مزورة ومعروفة من قبل الجميع. ولعل السبب الرئيسي بعدم استطاعة دار الفتوى مقاضاتهم ومعاقبتهم هو أنهم يتمتعون بحماية الأحزاب السياسية أو الجمعيات المؤثرة على الساحة اللبنانية. ضخامة الأموال التي يتقاضونها دفعت الكثير من هؤلاء المتمشيخين إلى إنشاء جمعيات دينية أووهمية استطاعوا من خلالها وبحماية بعض الأحزاب السياسية من الإحتيال والإيقاع بكثير من الناس الذين يتأثرون بالخطابات الدينية. والأدهى من ذلك أنهم ما زالوا يتمتعون بظهور إعلامي مميز بل والى مرافقة أمنية خاصة معتبرة. وفي المحصلة الأخيرة لم يعد لدى دار الفتوى إلا الإلتجاء الى "الفضح" الخجول كعقوبة قصوى لهذه الفئة التي تدعي التدين والسماح وارتداء زي التقوى والصلاح.

المدير العام السابق لدار الفتوى


أخبار ذات صلة

الطبش تنعي "منظومة القيم" في لبنان: بانهيارها لا قيامة لهذا [...]
11 اصابة بكورونا في برقايل.. والبلدة تناشد المسؤولين للتدخل
نشرات الاخبار المسائية ليوم الجمعة 18/09/2020