بيروت - لبنان 2020/08/06 م الموافق 1441/12/16 هـ

هل يمكن ملاحقة الوزراء مباشرة أمام المحاكم العادية

حجم الخط

برز في الايام الاخيرة موضوع مدى امكانية ملاحقة الوزراء الحاليين والسابقين امام القضاء الجزائي وهو امر ادى الى حصول انقسام في الرأي القانوني في لبنان اذ ان الكثيرين تمسكوا بتطبيق المادة 70 من الدستور التي تنص على ان ملاحقة رئيس الوزراء والوزراء تتم امام المجلس الاعلى المنصوص عليه في المادة 80 من الدستور «عند اخلالهم بالموجبات المترتبة عليهم»، اما الرأي الاخر فتمثل بامكانية ملاحقة الوزراء الحاليين والسابقين عن الجرائم التي ارتكبوها خلال ادائهم وظيفتهم امام القضاء الجزائي.

تنص المادة 60 من الدستور على ما حرفيته :

«لا تبعة على رئيس الجمهورية حال قيامه بوظيفته إلا عند خرقه الدستور أو في حال الخيانة العظمى.

أما التبعة فيما يختص بالجرائم العادية فهي خاضعة للقوانين العامة. ولا يمكن اتهامه بسبب هذه الجرائم أو لعلتي خرق الدستور والخيانة العظمى إلا من قبل مجلس النواب بموجب قرار يصدره بغالبية ثلثي مجموع أعضائه ويحاكم أمام المجلس الأعلى المنصوص عليه في المادة الثمانين ويعهد في وظيفة النيابة العامة لدى المجلس الأعلى إلى قاض تعينه المحكمة العليا المؤلفة من جميع غرفها».

كما تنص المادة 66 من الدستور على ما حرفيته :

«... يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كل بما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته وبما خص به.

يتحمل الوزراء اجمالياً تجاه مجلس النواب تبعة سياسة الحكومة العامة ويتحملون إفرادياً تبعة افعالهم الشخصية».

كما تنص المادة 70 من الدستور على ما حرفيته:

«لمجلس النواب أن يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى أو باخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم ولا يجوز أن يصدر قرار الاتهام إلا بغالبية الثلثين من مجموع أعضاء المجلس. ويحدد قانون خاص شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقية».

لقد استند اصحاب الرأي الملتزم بتطبيق المادة 70 من الدستور بتفسير عبارة : «اخلالهم بالواجبات المترتبة عليهم» المنصوص عليها في المادة المذكورة، خاصة وان المادة 66 من الدستور تنص وكما اوردنا اعلاه :

«... يتولى الوزراء إدارة مصالح الدولة ويناط بهم تطبيق الأنظمة والقوانين كل بما يتعلق بالأمور العائدة إلى إدارته وبما خص به.

وبالتالي اورد اصحاب الرأي اعلاه بان الاخلال بالموجبات المترتبة على الوزير تتعلق بتطبيق الانظمة والقوانين وبان مخالفتها تعني ارتكاب جرائم عادية مرتبطة بمهمته الدستورية مما يستوجب برأيهم محاكمة الوزير امام المجلس الاعلى لمحاكمة الرؤوساء والوزراء.

ولقد استند اصحاب هذا الرأي ومنهم النائب العام المالي يومها القاضي احمد تقي الدين الى ان المادة 70 لم تشر الى مسؤولية الوزير عن الجرائم العادية وغيرها من الجرائم التي لا علاقة لها بعمله الوظيفي.

ولقد استند اصحاب هذا الرأي الى الفقه القانوني الفرنسي.

يراجع :

"Garraud : Procedure … 1932 Immunités politiques 2 367-370 N=551 : … Le senat est constitué en haute-cour de justice pour juger les crimes commis par les ministres dans l’exercice de leurs fonctions quand ceux-ci sont mis en accusation par la chambre de deputés. Pour les infractions commises en dehors des fonctions, les ministres sont tribunaux de droit commun, quand aux infractions commises dans l’exercice de leur fonctions peut – être faut-il distinguer entre les délits et les crimes?

Dans tous les cas, le caractère simplement facultatif de la compétence de sénat pour le jugement des crimes ministériels parait resulter nettement des termes de l’art 12 de la loi du 16 juillet 1875, surtout si on les rapproche des termes du 1.

…Mais le senat, constitue en haute-cour de justice.

…N’a que les pouvoirs d’une jurisdiction. Il ne peut punir un individu pour un fait déjà jugé, le condamner pour un fait qui ne serait pas prévu et defini par la loi pénale, prononcer des peines qui ne seraient pas celles portées par la loi pénale definissant le crime… En un mot les principes généraux du droit repressif, tels que celui de la légalité des délits et des peines, limitent et contiennent les pouvoirs du senat…”

يراجع ايضا المعنى نفسه :

(Garraud T.1 N=168)

ويضيف اصحاب هذا الرأي :

وبما ان اخضاع جرائم الوظيفة للاصول الخاصة المنصوص عنها بالمادة 70 من الدستور على الشكل المار ذكره اعلاه فيكون للمحاكم العدلية الجزائية امر ملاحقة الوزراء او رئيسهم بالجرائم العادية فقط ولا يجوز لها ملاحقتهم من اجل الجرائم المذكورة في نص المادة 70 من الدستور لانه لا يحق لهذه المحاكم مخالفة مبدأ شرعية الجرائم والعقوبات الذي كرسه قانون العقوبات.

يراجع :

"La constitution de la republique française François Luclaire-Gérard Conac- Ed Economica Paris 1987+ (2.ED)

Art 68 Constitution 5. REP :

P.1183= Competence de la haute cour vis-à-vis des membres du Gouvernement: "La competence de la haute-cour est plus large, Ratione Materiae. Mais elle est concurrente dans la mesure ou les tribunaux repressifs de droit commun peuvent egalement être saisis des actes accomplis par les ministres dans l’exercice de leurs fonctions et qualifies de crimes ou délits au moment où ils ont été commis. Les trois conditions de fond des poursuites sont donc la qualité criminelle ou délictuelle des faits, telle qu’elle result des lois penales en vigueur au moment ou les faits on été commis l’accomplissement de ce crime ou de ce delit dans l’exercice des fonctions officielles et son caractere de complot contre la sùreté de l’etat.”

يراجع ايضا بهذا المعنى :

Droit constitutionnel et institutions politiques hauriou et gicquel 7. ED.1980.P.1137.

ولقد اورد المدعي العام المالي مضيفا في مطالعته ما يلي :

«وبما انه في هذا السياق ميز الفقه بين الجرائم العادية التي يرتكبها الوزراء او رئيسهم والتي تبقى خاضعة للاصول العادية المحددة في قانون أ.م.ج والقوانين الجزائية من جهة وبين جرمي الخيانة العظمى والاخلال بواجبات الوظيفة المترتبة عليهم اللذين يرتكبان خلال القيام بالوظائف الوزارية او بمناسبتها من جهة ثانية ويعود امر النظر بها للمجلس الاعلى وفقا للاصول المنصوص عليها في قانون 130/91. (يراجع مؤلف الدكتور عاطف النقيب أ.م.ج. ومؤلف الدكتور ادمون رباط الوسيط في القانون الدستوري رقم 515).

وبما ان السبب في ذلك يعود الى ان مسؤولية الوزراء الجزائية عن جرائم الوظيفة تعتبر امتدادا لمسؤوليتهم السياسية التي يخضعون فيها لرقابة مجلس النواب فكان من الطبيعي ان يترك لهذا المجلس حق تقدير ملاحقتهم عن هذه الجرائم دون ان يكون مجبرا على ذلك وهذا ما يستفاد من نص المادة 70 من الدستور المشار اليها اعلاه، اي حقه الاستنسابي في ضوء تقديره للافعال الجرمية وللظروف المحيطة بها».

«وبما ان ما ذهب اليه بعض الفقهاء بان القضاء الجزائي العادي يظل صالحا لملاحقة الوزير بهذه الجرائم باعتباره صاحب الولاية الشاملة وباعتبار ان المادة 70 من الدستور المشار اليها اعلاه، اي حقه الاستنسابي في ضوء تقديره للافعال الجرمية وللظروف المحيطة بها».

«وبما ان ما ذهب اليه بعض الفقهاء بان القضاء الجزائي العادي يظل صالحا لملاحقة الوزير بهذه الجرائم باعتباره صاحب الولاية الشاملة وباعتبار ان المادة 70 من الدستور وان اعطت لمجلس النواب حق الاتهام الا انها لم تحصر هذا الحق فيه لا ينطبق على الواقع لان الولاية الشاملة للقضاء العادي لا تمتد الا الى القضايا التي لم يضعها الا نص خاص في اختصاص محاكم استثنائية او محاكم خاصة من جهة ومن جهة ثانية فملاحقة الوزراء بجرائم الاخلال بواجبات الوظيفة تستتبع تقدير هذه الاعمال لمعرفة ما اذا كان مشمولا بالنص ام لا وتقدير مثل هذه الاعمال من قبل القضاء العادي يؤدي الى رقابة على اعمال الوزراء المناط بمجلس النواب ويتعارض مع مبدأ فصل السلطات».

يراجع بهذا الخصوص :

La responsabilité pénale est le prolongement de la responsabilité politique. Dans la conception que nous allons developer et qui considere la responsabilité penale des ministres comme une prolongation de leur responsabilité politique, seul le senat peut-être compétent. –Joseph- Barthelemy Paul Duez, traité de droit constitutionnel, ED.1933.P.868».

ويتابع المدعي العام المالي القاضي احمد تقي الدين في مطالعته :

«وبما انه من التحقيق في الافعال الجرمية المدعى بها من قبل النيابة العامة المالية او المنسوبة الى مجهولين في هذه القضية تبين انها من الجرائم الوظيفية ذات الصلة بالوظيفة الوزارية التي تولاها الوزير السابق جميل كبي لانها على فرض حصولها منه فقد ارتكبت اثناء او بمناسبة قيامه باعمال وظيفته الوزارية.

«وبما انه بهذا الوصف تخضع لاصول الملاحقة المنصوص عليها في المادة 70 المذكورة اعلاه ويكون بالتالي لمجلس النواب وحده صلاحية الاتهام وللمجلس الاعلى صلاحية المحاكمة».

«وبما انه وان كان مجلس النواب هو الصالح لاتهام الوزير بجرائم الخيانة العظمى وجرائم الاخلال بواجبات الوظيفة المترتبة عليه عندما يكون هذا الوزير في السلطة فمن هو المرجع الصالح لاتهامه بعد تركه للسلطة او تركه لمنصبه الوزاري اذا ما اريد ملاحقته او محاكمته عن هذه الجرائم».

«وبما انه من التدقيق في النصوص الدستورية المتعلقة بهذا الموضوع نجد ان ما نصت عليه المادة 72 من الدستور واذا ما استقال الوزير فلا تكون استقالته سببا لعدم اقامة الدعوى عليه او لايقاف المعاملات القضائية فهذه العبارة تعني دون شك ان القواعد العائدة للصلاحية ومحاكمة الوزير وهو قائم بالخدمة الوزارية تطبق نفسها بعد تركه الخدمة بمعنى ان مجلس النواب يظل وحده صاحب الصلاحية بالاتهام حتى بعد ترك الوزير لمنصبه الوزاري».

وبما انه على سبيل الاستئناس فمن المعلوم ان مبدأ فصل السلطات وضمان استقلال السلطة التنفيذية عن السلطة القضائية عن طريق منح الوزير ضمانات اجرائية معينة واخضاعه لنظام قضائي معين فلا يعقل ان يتمتع بهذه الضمانات وهو في منصبه الوزاري ثم يفقد ذلك بمجرد خروجه منه على الرغم ان الفعل المراد محاكمته عنه قد ارتكبه اثناء توليه منصبه الوزاري وبمناسبة قيامه بعمله».

(يراجع قرار الهيئة الاتهامية في بيروت رقم 98 تاريخ 18/12/1989 المصدق من محكمة التمييز بالقرار رقم 31 تاريخ 6 ايار 1991)».

وبالتالي واستنادا الى هذا الموقف القانوني قرر النائب العام المالي يومها بتاريخ 16/1/1996 القاضي احمد تقي الدين عدم صلاحية قاضي التحقيق لملاحقة احد الوزراء السابقين والرجوع عن دعوة هذا الاخير للاستجواب كمدعى عليه.

هذا بالنسبة للرأي القانوني الاول

المؤيد لتطبيق المادة 70 من الدستور.

اما بالنسبة للرأي المقابل الداعم لامكانية ملاحقة الوزراء امام القضاء العادي :

لقد اعتبر النائب والوزير السابق الاستاذ ادمون رزق بان محاكمة رئيس الجمهورية في كل ما يرتكبه اثناء ولايته امام المجلس الاعلى هي شذوذ عن القواعد المعمول بها في العالم حيث تبقى الجرائم العادية من صلاحية القضاء العادي.

ففي الولايات المتحدة الاميركية حيث النظام الرئاسي يتمكن مدع عام مستقل من ملاحقة رئيس الجمهورية من دون اجراءات خاصة، وهذا يعني ان ليس لاي شخص في حكم مركزه حصانة مطلقة.

فالرئيس الاميركي السابق ريتشارد نيكسون الذي استقال بعد فضيحة «ووترغيت» اجرى اتفاقا مع خلفه نائبه جيرالد فورد لضمان عدم ملاحقته.

وفي فرنسا وايطاليا والمانيا لا يتمتع اي رئيس او مسؤول باية حصانة مطلقة في حال ارتكابه اية جريمة، كون مفهوم الحصانة منبثق اساسا من فكرة حماية المقامات، لا من فكرة اجازة الارتكابات لاصحابها.

وكذلك الامر يورد الدكتور ادمون نعيم بانه لا عقوبات جزائية تصدر عن المجلس الاعلى من خلال قوله بان موضوعي الخيانة العظمى وخرق الدستور ليسا موضوعين في النصوص والقوانين اللبنانية ويضيف بان التفسير الذي يعطيه لجرمي الخيانة العظمى وخرق الدستور لا يمكن ان يؤدي الا الى انزال عقوبة سياسية تاديبية فقط، كعزل رئيس الجمهورية او رئيس مجلس الوزراء والوزراء، خاصة وان المجلس الاعلى لا يملك حق تحديد العقوبة الجزائية كالسجن بل لديه فقط صلاحية الاستنتاج ان المجرم لم يعد اهلا لممارسة السلطة السياسية الموكلة اليه.

اذن سنة 1999 وبموجب الاخبار المقدم امام النيابة العامة المالية ضد احد الوزراء السابقين، انتهجت هذه الاخيرة نهجا قانونيا جديدا مغايرا لموقفها السابق والذي اوردناه اعلاه ضمن هذه الدراسة مؤيدة مواقف سابقة كان ينتهجها قضاة تحقيق سابقين كانوا يتمسكون بمبدأ حقهم في ملاحقة الوزراء امامهم.

يومها وافقت الهيئة الاتهامية في بيروت على جواز ملاحقة الوزراء امام القضاء العادي مؤكدة قانونية مذكرة التوقيف الوجاهية التي قطعها قاضي التحقيق في ملف هدر اموال عامة وصوابية الادعاء على الوزير المدعى عليه.

ولقد استند اصحاب هذا الرأي القانوني الى جواز ملاحقة الوزير امام القضاء العدلي كون المادة 70 من الدستور لم تحصر برأيهم الملاحقة بالمجلس الاعلى انما جعلت من المجلس الاعلى طريقا اضافيا في حال عجز القضاء العادي عن اداء مهماته لسبب قاهر.

ولقد اوردت الهيئة الاتهامية في بيروت في قرارها يومها ما حرفيته:

«حيث ان المدعى عليه ادلى امام قاضي التحقيق الاول بعدم صلاحية القضاء العادي لملاحقته وان هذا الاختصاص هو من صلاحية مجلس النواب عملا بالمادة 70 من الدستور وتكون الافعال المنسوبة اليه تشكل مخالفات اثناء توليه وزارة النفط وتتعلق بكيفية قيامه بمهماته الوزارية ولا تشكل جرائم شخصية عادية، ولقد كرر ذلك في استثنافه».

«وحيث ان المادة 66 فقرتها الاخيرة من الدستور المعدلة بالقانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990 نصت «يتحمل الوزراء اجماليا تجاه مجلس النواب سياسة الحكومة العامة ويتحملون افراديا تبعة افعالهم الشخصية».

«وحيث ان المادة 70 من الدستور اللبناني المعدلة بموجب القانون الدستوري رقم 18 تاريخ 21/9/1990 نصت : «لمجلس النواب ان يتهم رئيس مجلس الوزراء والوزراء بارتكابهم الخيانة العظمى او باخلالهم بالموجبات المترتبة عليهم ولا يجوز ان يصدر قرار الاتهام الا بغالبية الثلثين من مجموع اعضاء المجلس، ويحدد قانون خاص شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقية».

«وحيث ان الافعال الملاحق بها الوزير السابق لوزارة النفط هي الاشتراك والتدخل بالجرائم الاتية :

«-جناية التزوير المنصوص عنها في المادة 457 ق-ع (تزوير وثائق وزارة النفط).

«-جناية اختلاس الاموال العامة المنصوص عنها في المادة 360 ق-ع».

«-جنحة المادة 363 –ق-ع (الغش اضرارا بالمصلحة والاموال العامة).

«وحيث ان جرائم التزوير في مستندات الوزارة واختلاس الاموال العامة من قبل الوزير اثناء توليه الوزارة تعتبر جرائم شخصية عادية يرتكبها الوزير ويقتضي ملاحقته بها امام القضاء العدلي العادي لكونها تخرج عن مهام اعماله الوزارية ولا تفرضها طبيعة اعماله الوزارية.

«وحيث انه لو كانت المادة 70 من الدستور اللبناني تحصر الملاحقة بكل الجرائم التي يرتكبها الوزير بالمجلس النيابي، لما كانت نصت في فقرتها الاخيرة على : «ويحدد قانون خاص شروط مسؤولية رئيس مجلس الوزراء والوزراء الحقوقية» ، وطالما لم يصدر مثل هذا القانون الخاص تبقى ملاحقة الجرائم العادية الشخصية التي يرتكبها الوزير من صلاحية القضاء العادي العدلي».

«وحيث انه لو شاء الدستور اللبناني حصر الملاحقة بالجرائم التي يرتكبها الوزير اثناء توليه الوزارة بالمجلس النيابي لكان نص على ذلك كما نص في المادة 60 منه التي حصرت ملاحقة رئيس الجمهورية بالمجلس النيابي عن الجرائم العادية وطرق الدستور والخيانة العظمى».

يومها وبعدما صدر قرار الهيئة الاتهامية في بيروت والمذكور اعلاه، تم تقديم مراجعة نقض امام محكمة التمييز الجزائية- الغرفة الثالثة حيث صدر قرار عنها بتاريخ 24/3/1999 ورد فيه ما حرفيته :

«وحيث يتضح من المقارنة ما بين المادة 60 والمواد 70-71 و 72 من الدستور ان الصلاحية المعطاة للمجلس النيابي، باتهام رئيس الجمهورية ومن ثم محاكمته امام المجلس الاعلى عن كافة الجرائم هي صلاحية حصرية نافية لغيرها، بدليل ما جاء في النص من انه: «لا يمكن اتهامه (رئيس الجمهورية) الا من قبل مجلس النواب، في حين ان الصلاحية المعطاة للمجلس النيابي باتهام الوزراء عن الخيانة العظمى والاخلال بالواجبات المترتبة عليهم، ومن ثم محاكمتهم عنها امام المجلس الاعلى، ان هذه الصلاحية ليست الزامية بل ممكنة وفي حال استعمالها من قبل المجلس النيابي، باعتباره هيئة استثنائية للاتهام في هذا النطاق، انها تحجب صلاحية القضاء العادي الذي هو السلطة صاحبة الولاية الشاملة للنظر في كل الجرائم التي لم يوكل امر النظر فيها حصرا الى مرجع اخر، وبالتالي يعود الى هذا القضاء العادي الحق والصلاحية والصفة لمباشرة الدعوى العامة ومتابعتها ليس فقط بالنسبة لجرائم الوزراء العادية بل حتى بالنسبة للجرائم المحددة في المادة 70 من الدستور، في حال لم يستعمل المجلس النيابي بالافضلية صلاحيته، كونها واردة في نص دستوري، وان الدليل على صحة هذا القول هو ما جاء في مستهل نص المادة 70 المذكورة من ان «لمجلس النواب ان يتهم الوزراء». ولو شاء الدستور ان يمنح الوزراء في نص المادة 70 ما سبق ومنحه لرئيس الجمهورية في نص المادة 60 من ضمانة قصوى متعلقة بالاصول لناحية الهيئة الوحيدة المحددة لاتهامهم، ومن ثم لمحاكمتهم، خاصة عن الجرائم المحددة في المادة 70، لكان فعل ذلك صراحة باستعمال نفس التعابير، او على الاقل بما يفيد ذلك، خاصة وان نص المادة 60 سابق لنص المادة 70 من الدستور «.

وحيث يؤيد هذا القول :

1 – التعابير المستعملة في النص الفرنسي للمادة 70 من الدستور وهو النص الاصلي الذي وضع فيه قبل ترجمته الى العربية، وقبل تعديله سنة 1990 حيث جاء :

"La chambre des députés a le droit de mettre les ministres en accusation pour toute trahison ou pour manquement grave aux devoirs de leur charge”.

اي ان لمجلس النواب الحق باتهام الوزراء، في حين جاء في النص الاصلي للمادة 60 منه :

"… Il ne peut être mis en accusation que par la chambre des deputes…”.

اي، وكما جاء حرفيا في النص العربي : «لا يمكن اتهامه الا من قبل مجلس النواب».

2 – نص الفقرتين الاولى والثانية من المادة 12 من دستور الجمهورية الفرنسية الثالثة سنة 1875 التي اخذ عنها الدستور اللبناني سنة 1926 نص المادتين 60و 70 حيث جاء :

1 – "Le president de la république ne peut être accusé…”

2 – "Les ministres peuvent être mis en accusation par la chambre des députés…”.

وتطبيقا لهذه المبادئ، جاء في مؤلف بيار ديموت Pierre des mottes مسؤولية الوزراء الجزائية في النظام البرلماني الفرنسي- طبعة سنة 1968 صفحة 260 ما يلي :

بالنسبة للفقرة الثانية من المادة 12 المذكورة

Le verbe pouvoir exprimant bien évidement une faculté et non une obligation; on

En concluait que la cour d’assises était toujours compétente ..

Cette solution, unanimement approuvée par la doctrine, était appliquée par la jurispendence.

كما جاء في مؤلف :

Eugene Pierre : Traité de droit politique Ed. 1989. 

بالنسبة لفقرتي المادة 12 نفسها:

"Une distinction, disait M Richart a été faite entre les crimes commis par le president de la republique, lequel ne peut être jugé que par le sénat, et les crimes des ministres . Il a été établi pour ces derniers une jurisdiction spéciale, je le reconnais, qui est celle du sénat comme cour de jugement et celle de la chambre des deputes, comme chambre d’accusation. Mais il a été entendu que cette juridiction  ne supprimerait nullement la juridiction de droit commun pour les crimes et délits prévus par la loi pénale, qu’un minister aurait connus meme dans l’exercice de ses fonctions”.

وايضا من نفس المؤلف- رقم 618 :

بالنسبة للفقرة الثانية من المادة 12 ذاتها.

"vous nous avez demandé si, dans le cas où les charges relevées contre un ancient minister seraient reconnues suffisantes pour le traduire en justice, nous provoquerions le dessaisissement de la juridiction de droit commun, et si nous demanderions la constitution du sénat en haute-cour de justice. Messieurs, la chambre sait que la constitution lio donne, en effet, le droit de porter l’affaire devant le sénat, mais elle ne lui en impose pas l’obligation.

Si la chambre n’use pas de son droit, si elle ne prend pas l’affaire en mains, celle-ci suivra son cour régulier devant la justice du pays”.

وحيث ان هذا القول لا يتعارض مع مبدأ فصل السلطات، وبالتالي لا يؤدي الى طغيان السلطة القضائية على السلطة التنفيذية كون الدستور يعطي مجلس النواب بالافضلية الحق في مباشرة الدعوى العامة وفقا للمادة 70 منه، ولكنه، اي للدستور، لا يحصر ذلك بالمجلس، ما لم يستعمل المجلس هذا الحق ويباشره. فان العدالة تقضي بقيام النيابة العامة باستعمال هذا الحق وليس في ذلك تعارض مع مبدأ فصل السلطات.

وحيث ان مجلس النواب لم يستعمل في الدعوى الحاضرة الحق المعطى له بموجب المادة 70 من الدستور.

وحيث ان النيابة العامة المالية بصفتها جزءا من النيابة العامة التمييزية ومن ضمن الصلاحيات المعطاة لها بموجب المرسوم رقم 1937 المعدل بالمرسوم رقم 3094 تاريخ 25/1/93 قد ادعت على الوزير السابق شاهي برسوميان بموجب ورقة الطلب رقم 64 المبينة اعلاه.

وحيث وان كانت الجرائم المسندة الى المدعى عليه الوزير السابق شاهي برسوميان وهي المنصوص عليها في المواد 360/457 و 363 من قانون العقوبات تدخل قانونا ضمن فئة الجرائم المخلة بالواجبات المترتبة على الوزير، وذلك بخلاف ما قضى به القرار المطلوب نقضه، كونها (اي الجرائم) وردت في النبذة الثالثة من الفصل الاول من الباب الثالث من قانون العقوبات، وقد اعطى المشترع للفصل الاول المذكور عنوان : «الجرائم المخلة بواجبات الوظيفة» اي نفس التعابير التي كان سبق للمشترع الدستوري ان استعملها في المادة 70 من الدستور بالنسبة للوزراء.

وحيث تاسيسا على كل ما تقدم، فانه يعود للنيابة العامة المالية الحق بالادعاء بموجب هذه الجرائم امام القضاء العادي، وبالتالي يكون ادعاؤها الحاصل فعلا قد جاء وفقا لاحكام الدستور وخاصة المادة 70 منه وكذلك وفقا للقوانين المرعية الاجراء.

وحيث ان ما توصل اليه بالنتيجة القرار المطلوب نقضه من اعلان صلاحية القضاء العدلي للنظر بالدعوى الحاضرة وان كان لغير سبب، يكون قد جاء موافقا لاحكام الدستور والقانون، مما يستتبع رد الاسباب المدلى بها، وبالتالي رد طلبي النقض الاصلي والاضافي وكافة مطالب مستدعي النقض المخالفة.

هذا ما ورد حرفيا في قرار محكمة التمييز الجزائية

فاستنادا الى الاحكام القضائية المذكورة اعلاه، سواء لجهة الرأي القانوني الملتزم بصورة حصرية بتطبيق المادة 70 من الدستور لملاحقة رؤوساء الوزراء والوزراء الحاليين والسابقين امام المجلس الاعلى علما بان المادة 70 وكما ذكرنا سابقا لا تحصر الملاحقة بالمجلس الاعلى بل تعطيه الحق بذلك، فان الرأي القانوني الاخر يبدو وتبعا للتفسير الحرفي والحصري للمادتين 60و70 من الدستور هو اكثر دقة وشمولا حيث يتبين بان المادة 70 لم تحصر الحق بملاحقة الوزراء الحاليين والسابقين بالمجلس الاعلى كما نصت على ذلك المادة 60 من الدستور كونها اعتبرت مراجعته حقا وليس طريقا حصريا؛ مما يعني ان القضاء العادي يحق له قانونا ملاحقة رؤوساء الحكومات والوزراء الحاليين والسابقين بالنسبة للجرائم التي قد يتبين انهم ارتكبوها اثناء تاديتهم لوظائفهم.


أخبار ذات صلة

عون بعد لقاء ماكرون: فرنسا ستساعد لبنان كثيرًا
ماكرون: لمست غضباً في الشارع وآمل بتحقيق شفاف في ما [...]
ماكرون: لبنان يعاني أزمة اقتصادية ومالية منذ أعوام ويتطلب حلها [...]