بيروت - لبنان 2020/10/20 م الموافق 1442/03/03 هـ

يسار الساحات يستعيد الدور..والحُلم

تحرك ناشط لليسار في ساحة رياض الصلح
حجم الخط

شكل اليسار دوما عبر التاريخ رافدا خصبا للثورات والانتفاضات في العالم، وخزانا بشريا لا ينضب قلب أنظمة حكم وصاغ أخرى، ولعل الأمثلة على ذلك عديدة في وطننا العربي.

 يروي «ثوار» وسط بيروت الكثير من الروايات عن أهمية اليسار في صياغة نظام جديد في لبنان، بعد فشل تجربة الحكم الطائفي فيه منذ تأسيسه. «الثوار» الحالمون بوطن مغاير لسابقه لا يكترثون للواقع غير القابل للانقلاب عليه، ولا يأبهون لكونهم أقلية في وجه مد طائفي ومذهبي بشع يقف حائلا أمام شباب نزل الى الشارع ليعيش تجربته الخاصة في يوتوبيا من صنعه.

 تشكل ساحة رياض الصلح مثالا حيّا على شباب اليسار ومخضرميه. هناك، حيث يعلو صوت «الثوار» صادحا بالأناشيد الوطنية حتى تُبح الحناجر، يجلس الكبار والصغار ومن هم في الوسط، لنقاش تجارب اليسار في الماضي وسبب سقوطها، ويفرض من هم في طور تجربتهم اليسارية الجديدة رؤاهم حول كيفية ضرب الصيغة الطائفية عبر تدمير النظام بأكمله وبناء دولة مدنية عادلة تحتقر الطائفية والمذهبية وترفع من شأن العلمانية حلاً ليس له آخر.

 هو دأب هذا اليسار حتى في عز أزماته خلال الحرب الأهلية ومن ثم في تسعينيات القرن الماضي ومع بزوغ الألفية الجديدة. اليوم، يستعيد اليسار دوره ويكبر حُلمه في التغيير. هو يسار يختلط فيه التقليدي مع الثائر، والحزبي مع غير المنظم، بينما يطغى عليه، كما دائما، المنحى الطبقي المزدري لكل من هو في السلطة والذي يعتبره أهل اليسار بفئاتهم المختلفة في تلك الساحة آفة لبنان.

لم تكن انتفاضة 17 تشرين الأول مناسبته الأولى للشروع في «ثورته»، فالشيوعيون على سبيل المثال، وبرغم ضعفهم المتمادي عبر السنين، لا يزالون يختزنون روح الشارع والثورة في سبيل مطالب اجتماعية واقتصادية سبقت تلك الانتفاضة بزمن طويل، لكن الحال جمعهم وأهل اليسار مع مجموعات مدنية في الحراك بزغت مؤخرا ليشكل الجانبان حالة موحدة غزت ساحتي رياض الصلح والشهداء حيث نظم الجميع الاحتجاجات وفتحوا الباب أمام المهمشين والفقراء وكل المتضررين من الحال المزري للبلد.

لفظ الطبقة الحاكمة خارجاً

الواقع ان حراكا كهذا لم يكن غريبا عن الحزب الشيوعي الذي غالبا ما انخرط باحتجاجات ضد السلطة التي يرى في تركيبتها كل ما يكرهه. الحزب الذي خاض صراعاته في وجه السلطة عبر معارك غير متكافئة دفع ثمنا كبيرا من خزانه البشري واستنزافه من قبل الأحزاب المذهبية.

 لكن حضور الحزب في رياض الصلح يبدو واضحا، شباب يافع يصدح بأغاني الثورات وشعاراتها التي رسمها هؤلاء في غرافيتي معبر على الجدران رافضا كل ما يمت الى السلطة السياسية والمصرفية بصلة. 

 لا يفرق الشيوعيون بين الأزمة الاقتصادية الراهنة التي يعاني منها اللبنانيون وبين أزمة النظام السياسي الطائفي وممارساته الزبائنية وسياساته الاقتصادية النيوليبرالية. من هنا، سارع الأنصار الى الساحات مع بزوغ فجر الانتفاضة. لا يهم هنا من سبق الآخر الى الساحة، حسب القيادية في الشيوعي ماري ناصيف الدبس التي نزلت الى الساحة ضمن مجموعة اللقاء النقابي الشعبي التشاوري وهي مجموعات من الهيئات النقابية والشبابية والتعليمية. فتاريخ 17 تشرين الأول كان له إرهاصات سابقة عليه كان للشيوعي فيها دورا كبيرا.

 وتؤكد دبس ان اللقاء نزل الى الساحات قبل عام ونصف العام لإطلاق الصرخة، وهو الأمر نفسه الذي يذهب إليه القيادي في حركة الشعب عمر واكيم الذي يشير الى أن الأهم هو اجتماع الجميع في الساحة للهتاف للمطالب.

 الجانب اليساري من الحراك يطغى في رياض الصلح خصوصا، إذ يبدو واضحا من غرافيتي الثورة ان روح اليسار تنبض خاصة هناك، ولكن من دون الغياب أيضا في ساحة الشهداء في مشهد متكامل يجمع الألوان المختلفة للانتفاضة. فشعارات الثورة المدنية تملأ المكان ومعها الدعوات الى إلغاء الطائفية السياسية، ويحل مثلا جورج عبد الله رمزا في الساحة، بينما يتمثل العدو في الطبقة السياسية والمصارف ورمزهم حاكم مصرف لبنان رياض سلامة. ويشير مُجسم الثورة ذو الدلالات اليسارية تحت تمثال رياض الصلح الى طابع المكان الذي يصدح بأغاني مارسيل خليفة وأناشيد ثورية يحل النشيد الوطني اللبناني ضيفا دائما عليها.

من يتجول بين حراكيي وسط بيروت يدرك الفرق بين مشهدهم وذلك الخاص بالأحزاب السياسية التي ينتقدها يساريو الحراك كونها تتسلق الحراك وتستغله بإتجاه مغاير لأهدافها. لكن هؤلاء الناشطين يؤكدون ان الانتفاضة الشعبية مستمرة مهما شابها من سلبيات كونها تنطلق من وجع الشعب. ومطالب اليسار واضحة وتتمحور في مراحلها الاولى حول لفظ الطبقة السياسية خارجا عبر تشكيل حكومة أكفاء ومحاسبة الفاسدين فورا خلال مرحلة انتقالية تمهد لقانون عصري للانتخابات.

 من جهتها، تركز الدبس على أولوية رفع الغطاء عن كل من تعاطى الشأن العام من بداية العام ١٩٩٢وحتى اليوم. هي تدين طبقة السياسيين الذين هيمنوا على البلد منذ ذلك الحين ولا تفرق بينهم. ومن ثم تدعو الى تشكيل هيئة قضائية توافق عليها قوى الانتفاضة، مهمتها تحقيق العدالة في هذا المجال.

 يوافق واكيم على هذا الامر منطلقا من المبادرة التي كانت الحركة قد طرحتها سابقا والتي على النيابة العامة تحمل المسؤولية فيها. ويشدد على المطالبة بحكومة من خارج الطبقة الحاكمة في سبيل الهدف الاهم وهو إنجاز قانون جديد وحديث للانتخابات خارج القيد الطائفي، وعندها، يمكن محاربة الفساد بجدية عبر طبقة سياسية مغايرة عبر قانون نسبي ودائرة انتخابية واحدة، مع تخفيض سن الاقتراع. 

 وتقترح الدبس التركيز على تشكيل هيئة تأسيسية من مجموعة من الشخصيات المعروفة بنزاهتها ومهنيتها ووطنيتها وخارج القيد الطائفي، في سبيل إعادة النظر بالدستور ضمن وجهة نظام ديموقراطي علماني مقاوم، في الوقت الذي يدعو واكيم الى مرحلة انتقالية لمدة سنة يتحرك خلالها القضاء سريعا لمحاسبة الفاسدين واستعادة أموال الشعب.

 أما عن هوية من سيقود المرحلة الانتقالية المأمولة، فلا أهمية له إذ ان الاولوية للبرنامج لا للأشخاص. يعلم يساريو الساحة تماما صعوبة تغيير نظام دام منذ نشوء لبنان قبل نحو 100 عام، ولكن ألسنا في حاجة الى تراكم تاريخي للتغيير يتطلب الكثير من الوقت؟

 يجيب واكيم مبتسما: يجب علينا البدء واستهلال التغيير في نضال تراكمي إذ من غير المقبول الاستسلام لواقع مرير مهما كان  ضاربا في الزمن. أما الدبس فتلفت الى ضرورة المحاولة «وقد وصلنا الى القعر ولا نريد تكرار سيناريو العام 1992».

ونسأل حركة الشعب حول ما إذا كانت القوى الطائفية ستقبل بقانون انتخاب غير طائفي وبقانون مدني للأحوال الشخصية؟ «أنا مسيحي أرثوذكسي، وأطالب بذلك». يجيب واكيم. «ولكنك علماني»، نسأله، فيرد: عندما يتطور النظام السياسي والاجتماعي اللبناني ويرى الجميع انه سيعود بالفائدة عليه، عند ذلك، سيقتنع اللبنانيون بأنهم سيفيدون من هذا التطور السياسي والاجتماعي وينضمون اليه.

 ولكن شاب الحراك اتهام بارتهان ما الى الخارج، وحُكي الكثير عن سفارات تموله، لكن مشهد الساحات هناك يدحض هذا الاتهام. وترفض الدبس نظرية المؤامرة الأميركية التي تتناولها أجهزة أحزاب السلطة لكسر الجموح الشعبي وضرب القوى الشعبية عن الاستمرار في النضال من أجل التغيير، وتؤكد ان أيا من الحراك لن يقبل الاتصال والارتهان بالسفارات «ولكن لدينا مطالب هامة جدا وهي حقوق لنا».

 أما حركة الشعب فترفض هي الأخرى ذلك، ويلفت واكيم الى ان من سيقوم بذلك سيودي بنفسه الى خارج الحراك، ويطالب بالنظر الى الوضع المزري للشعب اللبناني الذي ثار من أجل قوته ولم يعد يستطيع تحمل ما يجري. 

النقابات تسترجع الروح

يبدو من المؤسف أن اليسار في لبنان الذي كانت النقابات تمثل الروح الذي ينبض به، بات متراجعا الى درجة فقد معها تأثيره الكبير مقارنة مع مراحل مختلفة في الماضي.

 يعود ذلك في شكل كبير الى استهداف السلطات المتعاقبة له وتدميرها لمؤسسة جامعة كالإتحاد العمالي العام وإنشاء النقابات الوهمية والمذهبية. يعلو صوت كاسترو عبد الله الذي ينشط في إطار الاتحاد الوطني للنقابات، في إبداء الرفض التام لطروحات السلطة، ويستذكر المراحل التي خاضها مع رفاقه في سبيل الحفاظ على تلك الروح وإبقاء المطالب الاجتماعية والمعيشية على قيد الحياة.

بالنسبة إليه، الانتفاضة عملية تراكمية وليست وليدة الساعة. فالنضال في وجه السلطة مستمر منذ سنوات التسعينيات للحفاظ على العمال والمزارعين وحماية مكتسباتهم وحماية مؤسسات تحفظ المواطن كالضمان الاجتماعي وتحمي شرائح إجتماعية مسحوقة.

 وقد كان من المؤسف ان يزداد التراجع المزري لتلك الشرائح مع مرور الزمن في ظل موازنات حكومية مجحفة وعدم توفر السبل لإيقاف هذا التدهور. لكن موعد الانفجار قد حان، حسب عبد الله الذي يناضل مع رفاقه في سبيل نظام انتخابي عادل يلفظ السياسيين الفاسدين وأصحاب رؤوس الاموال الجشعين الذين بدأوا يغزون المجلس النيابي بوقاحة ويسميهم بحيتان المال.

 والحال ان يساريي الحراك يودون تجنب انتكاسة حراك العام 2015 الذي خرج في وجه أزمة النفايات ولم يُستكمل. أما اليوم، فقد نضجت الظروف لعدم الوقوع في هذا الفخ مجددا «فقد كسرت المياه السد الذي كان قائما». ويحذر عبد الله من محاولة السلطة استيعاب ما حصل ومن ثم الشروع في عملية جديدة للمحاصصة لا يستثني منها قوى 8 و14 آذار.

نحاس لتغيير سلمي

إذا كان ثقل اليسار في الساحات يتمحور حول الحزب الشيوعي وحركة الشعب وبعض المجموعات، ينشط القيادي اليساري شربل نحاس في خيمة قرب مبنى اللعازارية في ساحة الشهداء حيث يجري الندوات التي تهاجم النظام وتدعو الى نظام مدني يهزم نظام الطوائف.

 هناك، ينصت مؤيدو نحاس له بإعجاب، وهم ينضوون في إطار حركة «مواطنون ومواطنات في دولة». يدلون بآرائهم ويقيّمون الأوضاع ويضعون برنامج الخلاص للوصول الى دولتهم التي يحلمون بها. وبالنسبة الى نحاس، فإن لبنان قد دخل فعلا مرحلة الإفلاس، ويجب وضع البرنامج المنظم المأمول عبر حكومة مسؤولة ذات صلاحيات تشريعية إستثنائية تقود أولى مراحل التحول سلميا.

 هناك، في ساحة الشهداء، يتداخل مؤيدو اليسار مع أصحاب الأفكار التي تتقاطع مع اليسار في بعض القضايا مع دعوتها الى الدولة المدنية وتهاجم طبقة سياسية طائفية أفلست البلاد. غالبية هؤلاء من فئة الشباب والطلاب الذين شرعوا منذ بداية الانتفاضة في ندوات تثقيفية وتوعوية تبدو مخاطبة للأفئدة أكثر منها العقول.

...على أن المشهد الجميل في الساحتين يشي بأن ما بعد 17 تشرين الأول ليس كما قبله، وهذا يكفي.


أخبار ذات صلة

أسباب رغبة اسرائيل في التطبيع مع السودان
ماذا حصل لسويسرا الشرق؟
البرلمان يجدد اليوم مطبخه التشريعي ويملأ شغور المجلس الاعلى