بيروت - لبنان 2019/03/25 م الموافق 1440/07/19 هـ

جريمة نيوزيلندا الإرهابية .. ووراثة الشيطان

حجم الخط

 "Hello Brother” ... لم يتخيل أول ضحايا الإرهابي في نيوزيلندا أن رد الترحيب سيكون برصاصة في قلبه تودي بحياته، لتبدأ بعدها 17 دقيقة من القتل بدم بارد .. لحظات من الهلع وسط صوت الرصاص حيث لا فرار.. والقتل على الهوية كان العنوان الأبرز في هذه الجريمة الإرهابية الشنعاء التي قام بها يميني متطرف، ضد مصلين أبرياء في يوم الجمعة في مسجدين بنيوزيلندا.

أطفال وشيوخ وشباب .. نساء ورجال .. مدرجين في دمائهم .. لا ذنب لهم سوى أنهم مسلمون يقولون يا الله، وأن بشرتهم ربما تكون سمراء، ولكن للأسف لم يكن للكراهية والعنصرية القدرة على إدارك أن البشر الآخرين هم إخوان وأخوات في الإنسانية.

لا يبدو أن هذه الجريمة الإرهابية كانت وليدة الصدفة، أو رد فعل على عمل إرهابي قام به متطرف ينسب زورًا إلى الإسلام، بل هو عمل اعترف مرتكبه أنه يخطط له منذ ثلاث سنوات، ونشر العديد من التغريدات يتحدث فيها عن جريمته المرتقبة، بل اختار تفاصيلها بكل عناية بدءً من اختيار اليوم والمكان بل وحتى السلاح الذي خط عليه بيديه الآثمتين كلماء وعبارات تضج بالعنصرية المقيتة، ليثبت بحق أنه وريث للشيطان.

كانت أول معصية ارتكبها الشيطان اللعين هي عندما تكبر واستعلى ورفض الأمر الإلهي له بالسجود لأبو البشر سيدنا آدم عليه السلام .. فقد رأى إبليس أنه أرقى وأعلى من أن يسجد لبشر خلقه الله سبحانه وتعالى من طين، بينما هو مخلوق من نار.

وهكذا كان هذا الإرهابي الذي ينتمي إلى جماعة "تفوق البيض" العنصرية المتطرفة، التي ترى أنهم بعرقهم الأبيض  هم أسياد على كل البشر من الأعراق الأخرى.

لقد قصر فهم إبليس اللعين عن إدارك أن الصنعة إنما تستمد قيتمها من صانعها .. وهو الله سبحانه وتعالى، وهو ما يدل على عظمتها لأن الذي سواها هو الله والذي نفخ فيها الروح هو الخالق سبحانه وتعالى.

تكبر إبليس وعنصريته جعلته يغفل عن تلك النفخة الربانية التي نفخها الخالق سبحانه وتعالى في آدم والتي فيها السر الإلهي .. وهي التي ميزت الإنسان البشري عن سائر المخلوقات .. فجميع المخلوقات خلقت من طين مثل البشر، ولكن الذي يميز البشر عن سائر المخلوقات هو تلك النفخة الروحية الربانية التي جعلت في البشر القابلية للسمو والرقي العقلي والروحي، فجعلته يتأمل في الكون من حوله ويتدبر ويفكر فيه ويستخلص الحكم من كل شئ حوله فيبتكر ويخترع ما يمكنه من آداء مهمته التي أوكلها الله إليه .. ألا وهي عمارة الأرض ونشر المحبة والسلام فيها.

بل كان نتيجة تلك النفخة الربانية في الإنسان أن قام بمهمته في عمارة الكون ونفع إخوانه من البشر والإلتزام بالأوامر والنواهي الإلهية التي أرسل الله بها رسله أن ترتقي أرواحهم كذلك حتى تتجاوز مدارك الحواس والعقول لتتصل بالملأ الأعلى وتملأ الكون بالرحمة والحب والتسامح.

ولكن هذا الإرهابي العنصري أبى إلا أن يعيش في دونية وأن يكون "وريثًا للشيطان"، ويهوي بروحه وعقله في مهاوي الشيطان، فأصبح وريثًا له واتبع سبيله وسار على نهجة بالنظر إلى الناس من حولهم بعنصرية وتكبر وكراهية .. فالشيطان عليه لعائن الله بعد أن طرد من رحمة الله وأصبح ملعونًا بسبب عدم سجوده لأبو البشر سيدنا آدم .. توعد بني آدم بأن يغويهم انتقامًا منهم.

لا سبيل لنا لقطع نسل الشيطان ومواجهتهم إلا بنشر المحبة والتسامح وقبول الآخر .. ولن يكون ذلك إلا بتجريم أفعال وخطاب الكراهية بكافة صورها وأشكالها، وأن يجتمع القادة الدينيين والمنظمات المعنية ونشطاء الحوار في كافة بقاع الأرض للعمل سويًا في مبادرات على أرض الواقع لتعزيز المحبة والتسامح والعيش المشترك بين جميع البشر بكافة أديانهم وأعراقهم وأجناسهم وألوانهم.
 
*نائب مستشار مفتي مصر  
 


أخبار ذات صلة

الخارجية العراقية: قرار ترمب بشأن الجولان يتعارض مع القانون الدولي [...]
عون أمام الجالية اللبنانية في روسيا: نعمل للخروج من الحالة [...]
سكاي نيوز: تأجيل عودة رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو من [...]