بيروت - لبنان 2018/11/17 م الموافق 1440/03/09 هـ

حوار وحنين لبنان إلى لبنان!

حجم الخط

بين الاحتباس الحراري واحتباس الذكريات والرؤى، سرعان ما باغتني هذا الفضاء الدائري بانصهار بين الفضائين الخارجي والداخلي بين الكوكب والوطن والذات، انصهار يلتقي فيه الماضي بالحاضر والمستقبل، واذ بي اعود من أنين الأرض المترنحة تحت الشمس الخامسة وذوبان جبال الجليد الى وطني الذي ملأه الأنين والقلق من حاضره ومستقبله وحسرة القلوب على ماض مجيد حيث كان لقياديي لبنان، رؤيا مختلفة جداً عما إلنا اليه.. بمجرد دخولي المعرض الدولي في طرابلس، صُدمت بشعوري الحسرة لدى رؤية تحف نحات العمارة أوسكار نيماير، فهي شواهد باقية لوطن، عرف حقبة ذهبية كانت أشبه بحلم تحول كابوساً تحت وطأة الحرب !!
 
لم أعاصر تلك الحقبة الذهبية، ولكني لم أنسى يوما الألم في نظرات اهلي وأصدقاءهم، كلما حدثونا عن جمال سويسرا الشرق التي نشأوا فيها وتثقفوا في شوارعها ومقاهيها ومسارحها، تلك الأخبار كان الأهل يروونها لنا تحت وابل أصوات القذائف، لتسليتنا عن حاضر اليم، ولمقاومة الليل الأسود الذي هيمن على لبنان الحلم وخنق أحلام من عاصروه.. في الداخل، تحت قبة المسرح التجريبي، الذي لم يشهد نيماير اكتماله، والذي يرجّع أصداء الأصوات حتى الهمس منها، وجدتني استرجع أصداء تلك الرؤيا التي زرعها آباؤنا في عقولنا اليانعة والتي كانت تركض وراء الأحلام للهرب من واقع يصعب على الطفولة، وتدمع عيناي بينما اتساءل: من قرر خروج لبنان عن ذلك المسار المتألق بالفن وثقافة الفكر الحر المستنير ؟! من هم المجرمون الذي نأووا بوطني عن تلك الرؤيا التقدمية التي يجسدها معرض رشيد كرامي الدولي؟!!
 
في داخل المسرح، تاه خيالي على وقع صور ومشاهد قصيرة عن وطن نظيف القلوب، نظيف الشوارع، نظيف الهواء.. وفجأة مع أصوات تكسّر جبال الجليد والأنين البعيد، عادت رؤيا الحاضر الموجع، لتتداخل مع رؤى مستقبلية تستنجد بالأمل.
 
مع هذا الكمٌّ الهائل من الصور المتناقضة في فكري تداخلت مشاعر حائرة بين الحسرة والرجاء، مثلما تداخلت الحبال في فضاء هذا المسرح، تماما كما ارادها الفنان زاد ملتقى... هذه الصوَر المتداخلة والحبال التي شكلت ما يشبه المتاهة، ردتني الى حياتي بكل ما فيها من تحديات واسترجعت لوهلة كثرة المعارك ونهوضي بعد كل معركة، مصممة على عدم الاستسلام للحقد او رؤيا الآخرين، فأنا اريد الحياة تماماً كهذه الأضواء الدافئة التي تُنير فجأة المدرجات، وتلك الحبال التي ألفتها منذ ايّام عديدة من العمل على هذا المشروع، ما عدت أهابها كما اول مرة رأيتها، بل اصبحت قادرة على التحكم بها فاذا أفلتت إحداها أعدتها الى مكانها لتتشبث بالأرض .. تماماً كالتحديات التي اذا نواجهها بشجاعة وايجابية.
 
ها هو مسرحك يا نيماير يحيا وها هو فضاؤك الدائري الواسع يتحول بالأصوات والأضواء تارة الى سفينة تطير بي عبر الزمن الى فضاء يمر من الذات الى الوطن ومن ثم الأرض وتارة أخرى يعود بي الى اعماق الروح مع دقات القلب تلك، وكأنني في رحم أمي استمع مجددا لقلبها، بعيداً عن كل ما حصل منذ الولادة حتى اليوم!! خصب ومبدع هو، هذا الحوار الدائر بين ابداع زاد ملتقى وفن عمارة أوسكار نيماير، حوارٌ بسيط لا يستخدم وسائل معقدة للإيحاء، يحترم حرية فكرك لدى عيشك للتجربة، ومع ذلك يستطيع إلغاء الزمان والمكان فيصبح هذا المسرح باب عبور، من كل ما يشغل فكرك في الخارج بدءا من الأسطورة الأزيتيكية التى اعتمدها ملتقى في تكوين العلاقة بين الصوت والضوء والفضاء الداخلي، فتسافر من البيئة والطبيعة ماراً بوضع لبنان العام ومن ثم الى ما تعيشه وما يشعر به القلب وسط كل هذه الظروف، وها انا وجدت نفسي، لأيام عدة، أعيد النظر، بكثير مما تركت في الخارج قبل الدخول في لعبة الحوار تلك، وعند باب الخروج كان العديد يردد نفس العبارة : " حرام، حرام يصير هيك بهالمعرض.. حرام يصير هيك بلبنان" !!


أخبار ذات صلة

شموع الحياة لا تنطفئ
لماذا نحب الآخر؟!
أكتب لأجلك أم لذاتي؟!