بيروت - لبنان 2020/01/19 م الموافق 1441/05/23 هـ

خطاب الكراهية .. الأسباب في المنطقة العربية وآليات المواجهة

حجم الخط

لا يولد إنسان ومعه شعور الكراهية .. فالكراهية هي شعور يتولد مع الوقت ونتيجة عوامل كثيرة تستبدل المحبة الفطرية بالكراهية نتيجة خطابات من جهات متعددة تسهم في بناء الكراهية في النفوس، فتصبح سلاحًا للتدمير الذاتي لأي مجتمع عبر تفكيك بناءه وانقسامه.

ليس من السهل أن نضع تعريفًا جامعًا لخطاب الكراهية نظرًا لتعدد الجهات المسؤولة عن تصديره إلى المجتمع، ولكن يمكن أن نعتبر أنه كل تعبير عن الكراهية تجاه شخص أو جنس أو مجتمع أو دولة بسبب الاختلاف في الدين أو العرق أو النوع أو الشكل، وهو التعريف الذي يتناسق مع ما جاء بالعهد الدّوليّ الخاص بالحقوق المدنيّة والسّياسيّة الصادر عام 1966م.
لكن ما السبب وراء انتشار خطاب الكراهية في مجتمعاتنا؟ وما هي سبل المواجهة والعلاج؟
تساؤلات مُلحة .. فالكراهية كما قلت سابقًا تصنعها عدة عوامل تبدأ من التربية الأسرية، تليها المدرسة، وأيضًا قد يتسبب فيها الخطاب الديني المتشدد، ويشترك في ذلك أيضًا وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي التي أصبحت المنبر الأول الآن لخطابات الكراهية، فهي وسيلة إعلام مجانية للجميع، هذا بالإضافة إلى غياب التشريعات التي تعاقب على بث خطاب الكراهية في كثير من دول منطقتنا العربية أو عدم تفعيلها إن وجدت.
وفي الحقيقة الدواء يكمن في الداء .. فكل العناصر السابقة التي تعتبر في الأساس سببًا لنشر الكراهية، هي نفسها سببًا في العلاج ومواجهة هذا الخطاب البغيض إذا ما تم تصحيح مسارها وتحويلها من وسائل لنشر خطاب الكراهية إلى وسائل للمحبة والوئام وقبول الآخر.

أولًا: التربية والتعليم
لعل البداية تكون من الأسرة، حيث يبدأ الوالدان في زرع أولى البذور التي تكَّون شخصية الإنسان فإما يبذروا المحبة وقبول الآخر واحترامه، وإما يبذروا الكراهية والعنصرية البغيضة التي تتحكم بعد ذلك في تصرفات الشخص ونظرته لمن حوله، فدور الأسرة تجاه الطفل يتخطى مجرد توفير المأكل والمشرب والمسكن والرعاية الطبية فحسب، بل يقع على عاتقها تشكيل الشخصية السليمة وبث الصور الذهنية الصحيحة تجاه الآخر واحترام التنوع والاختلاف.
ثم يأتي بعد ذلك دور المؤسسات التعليمية كونها العامل الثاني في التأثير على شخصية الإنسان، حيث يقضي ساعات طويلة في تلقي المعلومات وفيها يتشكل العقل والسلوك.
وللأسف كثير من بلداننا العربية تعاني من أزمة في المناهج الدراسية التي تتجلى فيها التفرقة البغيضة بين مكونات المجتمع والخطاب العدائي تجاه الآخر بسبب الدين أو العرق أو الجنس، وهو ما يُنتج عقولًا قد تشبعت بالعنصرية والكراهية.
والحل يكمن في مراجعة المناهج الدراسية وتنقيح من تلوث منها بالكراهية، وتضمينها موضوعات وأنشطة تعمل على تعزيز ثقافة قبول الآخر واحترام الخلاف والتعددية، وتبتعد عن إثارة النعرات والطائفية، وكذلك وضع أدلة مرجعية للمعلمين تعينهم على تحصين الطلبة ضد الكراهية وكافة أشكال التمييز وتركز على إبراز أن الاختلف والتنوع سنة كونية، وأن البشر فيما بينهم يتكاملون ويتعاونون من أجل عمارة الأرض وصلاحها مهما اختلفت عقائدهم أو أعراقهم أو أجناسهم.

ثانيًا: الخطاب الديني
من أخطر خطابات الكراهية ما يستند إلى بعد ديني أو عقائدي، كون صاحبه يعتقد خطأً أنه بكراهيته للمخالف له في الدين يتقرب إلى الله، بل يصل الأمر ببعض من يتطرف في كراهيته للآخر أن يسلك سلوكًا عنيفًا تجاهه، وهناك نكون أمام إرهاب حقيقي مكتمل الأركان يعمل ليس فقط على إقصاء الآخر ونبذه، بل على إنهاء وجوده بشكل كامل.
من هنا تأتي أهمية تصحيح الخطاب الديني عند كثير ممن يتصدرون المنابر ودور العبادة ويبثون منها خطابات الكراهية والإقصاء زوروًا باسم الدين، وهي مهمة ثقيلة وتحتاج إلى جهد كبير عبر تأهيل من يتصدرون الخطاب الديني وتدريبهم على كيفية نشر خطاب المحبة في مقابل خطاب الكراهية.
وعلى رجال الدين أيضًا أن يظهروا نبذهم للطائفية والتمييز بشكل واضح وصريح سواء في خطاباتهم أو في أفعالهم وتصرفاتهم، وأن يتعاون رجال الدين من مختلف الأديان والطوائف فيما بينهم في أنشطة مشتركة ليعطوا مثالًا عمليًا للناس أن المحبة والوئام هي من أساسيات الدين وأن الكراهية نبذتها الأديان ونفَّرت منها.

ثالثًا: وسائل الإعلام والتواصل الاجتماعي
لا يخلو بيت الآن من دخول وسائل الإعلام عبر الفضائيات وأيضًا وسائل التواصل الاجتماعي عبر الهواتف الذكية، حتى أصبحت هذه الوسائل تؤثر بشكل كبير في اتجاهاتنا الفكرية وفي تصرفاتنا اليومية وردود أفعالنا، وهو أمر لو تعلمون عظيم.
وخلال السنوات الماضية وخاصة بعد ثورات الربيع العربي أصبحت وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي منابر لخطابات الكراهية بكافة أشكالها وأنواعها سواء الدينية أو السياسية أو العرقية والاجتماعية، والأخطر أن هذا الخطاب من يتصدره الشباب الذين هم عماد أي دولة، وهم من سيكونون مسؤولون يومًا ما عن قيادة الأوطان وبناء الأسر.
ولعلك تتعجب إذا علمت أن موقع "فيس بوك" أعلن في تقرير رسمي أنه قام في الفترة ما بين أكتوبر 2018 إلى مارس 2019 بحذف ما يزيد عن 7 ملايين بوست يحتوي على خطاب كراهية خلال 6 أشهر فقط، وهو عدد ضخم.
هذا يتطلب عدة اجراءات مهمة من قبل القائمين على تلك الوسائل وكذلك من قبل المستخدمين لمواجهة خطاب الكراهية، وهي مهمة ليست سهلة ولكنها ليست بالمستحيلة.
وتتمثل هذه الاجراءات في ضرورة بناء قدرات إعلاميين مهنيين بالتدريب والتثقيف على مواجهة خطاب الكراهية ونشر التسامح واحترام الآخر ، وأن تلتزم وسائل الإعلام بالمعايير الأخلاقية التي تنبذ التعصب والعنصرية.
أما وسائل التواصل الاجتماعي فنحن بحاجة إلى ضابط يضبط إيقاعها وإيجاد حائط صد يتمثل في تدريب نشطاء الحوار على استخدام وسائل التواصل الاجتماعي في مواجهة خطاب الكراهية وتعزيز ثقافة الحوار والعيش المشترك، وهو دور مراكز الحوار، وقد كان مركز "كايسيد" العالمي للحوار رائدًا في هذا الأمر حيث عقد عددًا من التدريبات في هذا المجال في الكثير من دول المنطقة العربية والعالم.

رابعًا: التجريم القانوني
قد لا يكون التجريم القانوني لخطاب الكراهية هو الحل الأمثل، ولكنه رادعًا وعنصرًا مكملًا لمنظومة الوقاية، وهو أمر ليس بجديد، بل بدأ مع ظهور «الاتفاقية الدولية للقضاء على جميع أشكال التمييز العنصري» (CERD) في ستينيات القرن الماضي، والتي تعد أول اتفاقية دولية تجرّم بشكل مباشر خطاب الكراهية.
وقد بدأت العديد من الدول في أوروبا بإصدار قوانين تجرم خطاب الكراهية مثل ألمانيا التي أصدرت العام الماضي 2018 قانونًا يحظر خطاب الكراهية الإلكتروني، وكذلك في بلجكيا وتشيلي والدنمارك وفنلندا وفرنسا ونيوزيلندا وغيرهم، وكذلك في الوطن العربي حيث أقر الإمارات قانونًا لمكافحة التمييز والكراهية، وأيضًا البحرين والأردن وغيرهم، وهو ما نحتاجه بشدة في جميع البلاد العربية لمواجهة خطر خطاب الكراهية في وسائل الإعلام ووسائل التواصل الاجتماعي وغيرها من الوسائل.

*مفوض حقوق إنسان في العراق


أخبار ذات صلة

بالفيديو.. ماذا دار داخل مسجد محمد الأمين؟
قطع الطريق العام الذي يربط عكار بالمنية عند جسر المحمرة [...]
كيف علقت ريا الحسن على أحداث بيروت؟