بيروت - لبنان 2018/10/20 م الموافق 1440/02/10 هـ

سامحيني يا أمي.. إن كنت مشروع شهيد!

حجم الخط

بالطبع تذكرين، في السابع والعشرين من حزيران من كلّ عام، يجتمع حولي أصدقائي وأخوتي محتفلين وأنا أتوسطتهم ضاحكاً لأقطع قالب الحلوى، فتنهال علي القبل متراقصة على أنغام الموسيقى تصدح في كل أرجاء المكان.

سامحيني يا أمي، إن حَرمتُ شفتيْك متعة تقبيلي، وبدل أن أقطع قالب مولدي، قطّعت قلبك أسىً بفراقي، وأضحت الجدران جماداً تتمايل ببضع صور لي عُلّقت منذ استشهادي، وبدل أن يتهافت رفاقي للإحتفال، باتوا يتوافدون لتعزيتك في كلّ عام بابنك البكر وقد أبكر الرحيل…

بالطبع تذكرين، وانت تنتظرين انبلاج الصباح لتطبعي قبلةً على جبهتي "ينعاد عليك حبيبي روي". قبلةٌ هي ذاتها ما زلت تطبعينها إنما على صورةٍ لي لا تفارق حقيبة يدك.

سامحيني، إن لم "ينعاد عليي" منذ عشر سنوات ولا بعد اليوم، وقد حرمتُ جبيني من قبلةٍ من ثغرك، وبخلتُ على يديك لمسةَ وجهي وغمرة كتفي، فأمسيتِ تحاكين صورةً وتسألينها عن أحوالي…

بالطبع تذكرين، يوم أبصرَت عيناي النور فكنت أوّل من رأيت وعيناك تدمعان فرحاً بولادتي، فهلّل المحبون بقدومي وإقبالي على هذه الدنيا آملين أن يرشّوا علي الورد والأرز يوم زفافي.

سامحيني، إن جعلت العيون ذاتها تدمع أسىً ولوعةً، وسلبتُك الورود وحبوب الأرز لأعلّقها على نعشي وقد أبكرت الرحيل…

بالطبع تذكرين، فأنتِ من وَعدتُ البقاء إلى جانبها ما حييت لأُبعِد الحزن وأُكحِّل أيامها سعادةً.

سامحيني، إذ ما حييتُ لأفيَ بوعدي لكِ بل بدّدت عالمك بغيوم حزنٍ داكنةٍ ما تلبث أن تتلاشى حتى تعود في السابع والعشرين من كل عام لتقضّ مضجع سلامتك…

سامحيني إن أبكرت الرحيل،

إنما بالطبع تذكرين أن لوطني حقٌّ عليّ، ففيه وُلدتُ وشببتُ ومنه أبيْتُ أن أرحل حتى حجزتُ بدمي في ضلوعه تلّةً وانتصبتُ عليها بطلاً ألبسكِ ثوب الفخر والشرف بأن تكوني "أم الشهيد"…

سامحيني إن أبكرتُ الرحيل، فمن أقسم لجيشه الوفاء أبداً يهزأ بالأخطار ويبتسم أمام المحن لأنه نذر نفسه لخوض أغمار الحرب والنزول إلى حومة الوغى صيانةً لكل شبرٍ من تراب وطنه وصدّ أي عدوّ يتربّص شرّاً به. وكيف إن كان العدو يا أمي يسكن معنا وبيننا ويدّعي حب الوطن والوفاء لراية بلده وصون جيشه.

سامحيني إن أبكرت الرحيل، فمِن العار ألاّ أفِيَ جيشي ولو قليلاً من حقّه عليّ.

الحربُ يا أمي هي بين من يموت في سبيل علمه منادياً،

"وللأوطان في دم كلّ حرٍّيدٌ سلفت ودينٌ مستحقُّ"

وبين من يعيش تحت ظلال الأعلام الأخرى وما أكثر ألوانها، وهو يستذلّ ويستعطي قطعةً معدنيةً بالكاد توازي ثمن شرفه، إن وُجد !

سامحيني يا أمي إن كنتُ مشروع شهيدٍ، فقد عشقتُ تراب الوطن حتى رسمت حدوده بدموعِك ودمي…


الشهيد روي ضاهر أبو غزالة عندما كان طفلا



 


أخبار ذات صلة

لماذا نحب الآخر؟!
أكتب لأجلك أم لذاتي؟!
لو كنت مكان الرئيس سعد الحريري