بيروت - لبنان 2019/07/16 م الموافق 1440/11/13 هـ

لبنان بين "الريفييرا" و "القلعة"

حجم الخط

قديماً قيل، وسط التجاوزات التي شهدتها الثورة الفرنسية: "كم من جريمة ارتكبت باسمك أيتها الحرية". واليوم في لبنان، في خضم ما نشهد من ألاعيب ومناورات، نجدنا مدفوعين إلى القول: "كم من خطيئة تُرتكب باسمك أيتها الوحدة الوطنية، باسمك أيتها المصالحة الوطنية، باسمك أيتها الديموقراطية، لا بل باسمك أيها الطائف؟".
 
كان لبنان دوماً يستحضر في أذهان الأقربين والأبعدين عناوين الحرية والديموقراطية والانفتاح والحيوية والنمو والعيش المشترك. مهما قيل في عوامل تحد من فضاء الحرية في لبنان، وفي ثغر تحدّ من فعالية الممارسة الديموقراطية، وفي عوائق تحدّ من حركة النمو الاقتصادي، وانقسامات تشوّه صفحة العيش المشترك، فما كان ذلك ليحجب صورة لبنان المتميزة في المنطقة، في ما عرف به من صوت صحافي مدوٍ وكلمة حرة وأقلام اقتراع وحضور اغترابي حيوي وتبادل تجاري ناشط مع الخارج وحركة سياحية واسعة وعملة حرة ومستقرة وتعددية في بنية المجتمع، وحركة ثقافية مشرقة.
 
ولكنّ دأبنا على تحطيم هذه الصورة كان فائقاً. فلم نكتف. بدل من العمل على إزالة العوائق والعقبات من طريق تقدم المجتمع اللبناني، تهافتنا على تقويض ما كان من مقومات تلك الصورة، عبر أزمات سياسية دامية. فإذا بنا اليوم ذاك المجتمع الذي يستحضر عناوين العنف والانقسام والعقم والفساد والعجز المالي والركود الاقتصادي.
 
منذ نهاية الحرب الأهلية، شهد لبنان تنافساً بين مشروعين اقتصاديين واحد يهدف إلى تحويل لبنان إلى موناكو شرق البحر المتوسط (Riviera) ؛ و آخر يهدف إلى تحويل لبنان إلى قلعة أو قبو (Citadel) في خط المواجهة مع إسرائيل والولايات المتحدة. كل من هذه المشاريع لديها منظورها المحلي والإقليمي، منبثقة من تجربة مختلفة من الحرب الأهلية في ظل ربط لبنان بإحدى الدول المجاورة بطريقة معينة. كل لديه أتباع من جميع فروع المجتمع اللبناني. كل لديه رؤية مختلفة لكيفية إعادة بناء الدولة وضمان الأمن و ازدهار المواطن. في الجانب الإقليمي، السعودية كانت المستثمر الرئيسي في الريفييرا ، وإيران صاحبة المصلحة الرئيسية في القلعة.
 
يروج مشروع ريفييرا بإحياء نموذج ما قبل الحرب، نموذج متمحور حول بيروت عاصمة عالمية تعتمد على التجارة، الخدمات، والاستثمار، وخاصة في البنية التحتية. مشروع هندسه الرئيس الشهيد رفيق الحريري ويقوم على إسترجاع مكانة لبنان كمركز خدماتي من التراس الأول و تحويله إلى ملعب للأثرياء من دول الخليج الغنية بالنفط وقاعدة (hub) للمغتريبين اللبنانيين. في المقابل، يستوحي مشروع القلعة دروس مختلفة جدًا من الماضي. في رؤيته، يعود سبب إندلاع الحرب الأهلية في لبنان إلى وجود دولة ضعيفة، مجتمع يفتقر التماسك وهوية وطنية قوية، وانفتاح كبير إلى الغرب. لذلك يرتكز هذا المشروع على بناء منظومة دفاع و جيش قوي، ودولة قادرة على تقديم الخدمات للمواطن ولعب دورا ناشطا في الاقتصاد.
 
في حين أن الريفييرا كانت بحاجة إلى أصدقاء، إلا أن القلعة كانت بحاجة الى عدو خارجي من أجل الحفاظ على شرعيتها. نهاية ثمانية عشر عاما من الإحتلال الإسرائيلي كان النصر للقلعة، ولكن أيضا هدد بتقويض شرعيتها عن طريق حرمانها من قضية تكافح من أجلها. هذا ما جعل من مزارع شبعا سبب للحفاظ على المشروع.
 
لبنان اليوم
لم يتمكن اتفاق الطائف من إرساء أسس سلام دائم في لبنان، فمن الواضح أن البلد يعيش حال حرب أهلية كامنة. البعض يعتبره العلة والبعض الآخر يقول إن المشكلة ليست فيه، بل في مكان آخر لأنه ببساطة لم يطبق. بصرف النظر عن أي من الطرحين صحيح، يبقى قائماً السؤال الرئيسي: هل تغيير النظام السياسي في لبنان يحل الأزمة؟
 
يعتقد البعض أن المطالبات بإصلاح سياسي في ظل وضع إقتصادي خانق نوع من الترف الفكري والنخبوي لا تستطيع أي دولة الخوض فيه، والصحيح هو العكس تماما فإن الخروج من الأزمة الإقتصادية ليس ممكنة إن لم يشعر الناس أن الإنتقال الإقتصادي إلى نظم أكثر إنتاجية يصاحبه إدراك من الدولة بوجوب اشراكهم في عملية صنع القرار. حينها تصبح التضحيات أكثر قبولا من المواطن، ما دام يعرف أنه شريك في الإشراف على عمليات ستقوده إلى وضع أفضل في نهاية المطاف.
 
من البدهي أن الطريق يبدأ بوصول مختلف المكونات اللبنانية إلى اقتناعات مشتركة حول الهوية اللبنانية ودور لبنان ومفهوم لبنان، يصبح بعدها الإصلاح السياسي مشكلة تقنية يمكن معالجتها عبر التفاوض وإدخال تعديلات تقنية بزيادة نائب رئيس هنا، مدير عام هناك، نظام انتخابي جديد، تمثيل نسبي، أو تمثيل أكثري، لامركزية موسعة أو لامركزية عادية وغيرها من الصيغ القابلة للتطبيق.
 
المشكلة الأساسية في النظام السياسي اللبناني، والتي تمنع إصلاحه وتطويره وتحديثه بشكل مستمر هي الطائفية السياسية. إلا أن ثمن تفكيك هذه الطائفية باهظ جداً، فلا يبقى إلا خيار الالتفاف عليها ضمن مسار أطول وأبطأ ولكن لا يفجر صراعات أهلية في بلد للخارج فيه ألف يد وغاية. فأي نهج إصلاحي يجب أن يتضمن جملة مسارات تعزز صوت المواطنين وقدرتهم على التأثير في العملية السياسية. لبنان اليوم يعاني أزمة مزدوجة: فمن جهة هناك خلل نظامي طغى على بنيته الاقتصادية كما أن الأزمة البنيوية أدّت بدورها إلى المزيد من الخلل في النظام القائم. الحلقة المفرغة تتحكّم بدينامية الأمور، ما يجعل الكلام التقليدي عن الإصلاح الاقتصادي من دون جدوى أو قابلية للتنفيذ. فأزمة النظام الاقتصادي هي أزمة النظام السياسي إن لم نقل أزمة كيان. في هذا الإطار، إنّ الإصلاح الاقتصادي لا بدّ من أن يترافق مع تغيير جذري في النظام السياسي. فالقرار الاقتصادي سواء كان على مستوى الفرد أو العائلة أو المؤسسة أو الحكومة هو قرار سياسي بامتياز وإن كان ظاهر الاقتصاد تقنياً أو رقمياً.
 
*خبير اقتصادي و بروفيسور في جامعة هارفارد
 


أخبار ذات صلة

رويترز: إخماد حريق في منشأة تصدير نفط بحرية في البصرة
احتال على لاجئين فلسطينيين بتأمين تأشيرات هجرة.. هذا مصيره
الطرقات أمام جريدة "النهار" وفي الصيفي وساحة الشهداء مقفلة بشكل [...]