بيروت - لبنان 2020/02/19 م الموافق 1441/06/24 هـ

لبنان بين «زعماء الطوائف» و«الأمن الاجتماعي»

حجم الخط

يقال بأنه إذا عُرف السبب بطل العجب، هو العجب الدائم من دومة الصراعات الداخلية في لبنان، فنكاد نعجز من خلال قرأتنا لتاريخه خلال مئة عام منذ تأسيسه، أن نجد عقدٌ من الزمن يستتب الوضع فيه، فأصبح عدم الاستقرار جزء من هويتنا الثقافية، وحدها السنين أكسبتنا أسلوب التعايش مع هذا الواقع كما يتعايش الانسان مع المرض، فأصبحت الهجرة جزء من هذه الهوية، السلاح الفردي هو الآخر، يعبر عن هذه الهوية، الأحزاب الطائفية والانتماء الاعمى لها هي الصورة الأكثر إنعكاسًا لهذه الهوية.

هي صور بشكل أو بأخر أصبحت جزء من هويتنا حتى ولو رفضها البعض. وحدها ثقافة الفساد يحاولون طمسها بأنها ثقافة دخيلة، يحاولون بشكل او بآخر ربطها بأخر 30 سنة من عمر لبنان. من أقنعكم بهذا؟

عندما وصل داود باشا الى حكم متصرفية جبل لبنان، اتاه الناس مهنئين فخرج لاستقبالهم، رأى حمارا يأكل من أشجار التوت التابعة للسرايا، فسأل غاضبًا الجماهير عن صاحبه، ملوحًا بمعاقبته بتعديه على الأملاك العامة فأنكر الجميع أن الحمار يخصهم ومن ضمنهم صاحب الحمار، فأمر بشنق الحمار في الحال. هذا الأسلوب الذي حاول داود باشا رسمه في مكافحة الفساد المنتشر زمن الإقطاع في جبل لبنان. ومن المثير للاهتمام الدور الرئيسي الذي لعبه بطريقة مباشرة المتصرف داود باشا في رسم صورة النظام اللبناني المعاصر. كان يعاونه آنذاك مجلس إدارة يتألف من 12 عضواً ينتخبهم مشايخ القرى المنتخبون بدورهم من أهالي القرى.

بشكل عام حاول إلغاء سلطة رجال الإقطاع الطائفية بسحب الامتيازات منهم. الا انه بدل بناء نظام سياسي قائم على التكنوقراط عيّن خلال اول سبع سنوات من حكمه ستة عشر أميرًا وشيخًا اقطاعيًا في مناصب متقدمة بالتشاور ورضى رجال الدين. وبذلك يكون قد ادخل النظام السياسي الناشئ بالطائفية السياسية وبذلك تكون انتقلت مصلحة المواطن بالمقاطعجي بالأرض وتحصيل الضرائب الى الإدارات الرسمية للدولة. فبدل ذهاب المواطن الى المقاطعجي للطلب منه السماح له بالعمل في زراعة الأرض، اصبح يذهب اليه من اجل وظيفة في الدولة.

مسار لبنان التاريخي يشبه الى حد كبير مسار الدول الناشئة بجواره، الا انه من المثير ان نجد التغييرات الجذرية التي تضرب تلك البلدان (العراق، سوريا)، فنراها تتحول في بنيتها السياسية وتتغير بأنظمتها السياسية، ويبقى لبنان ثابت بالرغم من عواصف الحروب التي ضربته.

مئة عام في مسار حمل الكثير من الاضطرابات والصراعات الدولية والإقليمية والمحلية على الساحة اللبنانية. يتأجل فيها بعض الأحيان انتقال السلطة عبر تمديد أو تأجيل، الا انه الثابت بأن النظام السياسي-الطائفي يحافظ على قوته وصلابته التي يستمدها من توافقية الطوائف وأحزابها وترسخها في النسيج الوطني. الامر الذي يجعلها تبدو منصهرة فيه. إذًا فهو "ضرب من الجنون" أن تحاول الخروج من جلد الطائفية دون أن تعاني من وجع جسد النظام السياسي الذي سيؤدي الى انهياره.

قوة النظام السياسي الطائفي وصلابته تقف اليوم كصخرة امام موجة ضخمة من حراك شعبي. حراك يرفع شعارات تصب في جورها بتغيره، فيرسم معادلة على الشكل التالي: سياسة الطوائف التوافقية في وجه الوضع الاجتماعي والاقتصادي لأبناء الطوائف. الاستمرار بالحراك والاحتجاجات سيؤدي حتمًا الى تصادم تزيد عنفيته مع الوقت، وهو المسار الطبيعي لأي تغير يشبه نظامنا السياسي.

فهل يسقط نظام الطوائف بأبنائه أم أنها مجرد محطة أخرى لمسار هذا النظام؟ هل سيكتشف المحتجون بعد حين أن حراكهم أُفرغ من مضمونه عبر خطوط حمر تحمي فيه الطوائف صلاحيتها عبر أحزاب تحلم ان تستعملهم كحصان طروادة لسياساتها؟


أخبار ذات صلة

"الوفاق الليبية" تقاطع مفاوضات جنيف
حكومة الوفاق الليبية تعلّق مشاركتها في مفاوضات جنيف
حصيلة وفيات "كورونا" تسجل "ألفية ثانية"