بيروت - لبنان 2021/01/24 م الموافق 1442/06/10 هـ

لبنان و«التفاوض السلحفاتي»

حجم الخط

ليس جديداً على اللبنانيين أن ينتظروا غيوم بلاد العجائب كي تمطر في لبنان، فقد اعتادوا أن يرافقوا آليسْ في رحلاتها الخيالية عند كل استحقاق. ولطالما ارتبط لبنان أو رُبِطَ بمختلف الإستحقاقات الدولية والإقليمية ليحدد وفق نتائجها مساراته السياسية.

عند تكليف الرئيس سعد الحريري تشكيل الحكومة في تشرين الفائت، بدا واضحاً ألَّا حكومة في المدى المنظور بالرغم من أجواء التفاؤل التي رافقت التكليف ذلك أن السلة السياسية لو كانت مكتملة حينها لتشكلت الحكومة في عطلة نهاية ذلك الأسبوع، ولكن هناك مَنْ أرادها أحد مفاتيح التفاوض في عهد بايدن الجديد، فما الذي يمكن توقعه من دولة لطالما انتهجت سياسة الذبح بالقطنة؟
ترجم حزب الله رغبته بتكليف سعد الحريري برئاسة الحكومة عبر دفع حلفائه التقليديين إلى تسميته في الإستشارات النيابية الملزمة، وذلك منعاً للإحتقان المذهبي في حال تغييب المكون السني الأول عن مكانه الطبيعي، كذلك ترجم إبقاء تشكيل الحكومة في ثلاجة الإنتظار عبر اعتماد نهج الحياد عن التدخل لدى حليفه رئيس الجمهورية ومعه التيار الوطني الحر من أجل تحرير التشكيل من الأسر، ذلك أنه كان له ما يريد من خلال تشبث ميشال عون بشروطه المتأرجحة، وبذلك أوحى حزب الله بالمرونة السياسية في مسألة تشكيل الحكومة للداخل اللبناني القابع على فوهة الإنفجار الإجتماعي والمالي، وللخارج الفرنسي الذي لا يزال يؤمن بإمكانية لبننة مشروعه سياسياً لا عسكرياً.

هناك اعتقاد بأن رئيس الجمهورية لو أراد تشكيل الحكومة بما يراه مناسباً لمصلحة اللبنانيين لوقَّع على التشكيلة الحريرية بالأمس قبل اليوم، فهو العسكري غير الدبلوماسي الذي لا يزال يعتقد بأن الزمن توقف عند رئاسته للحكومة العسكرية عام ١٩٨٨، وهو ما يعظه به البطريرك الراعي كلما دعاه إلى التحرر من الإرتباطات الإقليمية والمصالح الداخلية.
إذاً وعلى طريق سعي فريق العهد العوني إلى إخراج سعد الحريري من المعادلة السياسية وهو الهدف الباسيلي الأول ظناً منه بإمكانية تطبيق المعادلة المفترضة معاً داخل أو خارج الحكم والحكومة، يقف حزب الله متفرجاً وربما مصفقاً متسائلاً لمَ عليه أن يتدخل طالما أن له ولإيران ما يريدان؟!
إن ما يثير الرعب في نفوس اللبنانيين هو المسار التفاوضي المزمع انطلاقه مع تسلم الرئيس الأميركي المنتخب جو بايدن مقاليد الحكم، فالولايات المتحدة مثقلة بالملفات الشائكة كمواجهة جائحة كورونا، عودة العلاقات مع الإتحاد الأوروبي، إعادة وصل ما قطعه دونالد ترامب من علاقات استراتيجية كذلك الإنسحاب من إتفاقية تجارة الأسلحة الدولية وإتفاقية باريس للمناخ اللتين خرج منهما ترامب.

إذاً أمام هذه التراكمات الترامبية المتعددة فمن المتوقع أن تسير مفاوضات إعادة تفعيل خطة العمل الشاملة المشتركة والمتعلقة بمسألة الإتفاق النووي الإيراني، فالعودة إلى الشيء قلّما تشبه ما كان عليه، لأن أي إتفاق جديد سوف يراعي الضغوطات الإسرائيلية لناحية الصواريخ الباليستية، بالإضافة إلى حجم التمدد الإيراني في المنطقة فالعلاقات الأميركية _ السعودية التاريخية ستؤخذ في الإعتبار عند أي اتفاق جديد.
ولأن لبنان سيكون أحد ملفات إيران التفاوضية سيبقى رهينة الإنتظار التفاوضي البطيء يمشي سير السلحفاة نحو برّ حلول مجهولة الشكل والمضمون.
قد تسلك المفاوضات الأميركية _ الإيرانية طريقها نحو خطة بديلة ما، ولكن بفعل التحديات الماثلة أمام الطرفين وتشابك مصالح حلفائهما ما يتطلب ورشة عمل دبلوماسية هائلة، فقد لا تتوج هذه المفاوضات باتفاق نهائي هذا العام بل تتواصل حتى العام المقبل، وينتظر معه لبنان إن بقيَ حياً ككيان.
كيف لا تراهن إيران بملف لبنان تفاوضياً دون أن تأبه للأسفل الذي يمكن أن يدركه، وهي التي تعد أيامها الدبلوماسية التفاوضية كألف سنة مما نعدّ؟

عاصم عبد الرحمن


أخبار ذات صلة

مستشفى الحريري: 95 إصابة جديدة ولا وفيات
رئيس المكسيك يتصل ببايدن .. هل يسقُط الجدار الحدودي؟
1000 محضر لمخالفي التعبئة في صيدا خلال 10 أيام