بيروت - لبنان 2020/06/03 م الموافق 1441/10/11 هـ

من خبايا الناس.. حين لا ينفع الصمت

حجم الخط

قبل أن أخط هذه الأسطر القليلة التي أحاول فيها رسم إطار نعيشه بألم في مجتمعاتنا، إطار يطبق على حاضرنا ومستقبلنا. أود أن أقول أنّ هذه القصّة هي واقعية، لم أتدخّل في أي من عناصرها، وإنّما استندت فيها على ملاحظات قيلت ومتابعات كُتبت ونُشرت مع كل جريمة قتل وغدر وظلم ذهبت ضحيتها امرأة، لا لشيء سوى لأنّها امرأة.

حين لا ينفع الصمت..
أقبل عليها معانقاً كل بقعة من جسدها .. لكنّ عناقه هذه المرة جاء مختلفاً، وإن لم يكن مفاجئاً .. صحيح أنه استخدم يده، بل يديه القاسيتين اللتين اعتاد أن يلمسها بهما .. لكنه هذه المرّة أطبق عليها بإحكام مسدلاً الستار على فصل جديد من فصول حكايتها معه ..

عناقه هذه المرّة لم يستغرق سوى لحظات سريعة .. لحظات كانت كافية ليسيل على أثرها دمها المقهور منذ زمن ليس بالقليل .. زمن ربما لم تعرف فيه سوى القهر والحرمان .. طعنها بدم بارد .. عفواً اسمحوا لي هنا أن أقول ما أشعر به.. لم يكن دماً بارداً على الإطلاق، بل كان فاقداً لأي من هذا الأثر .. كان بلا دم وبلا حياة ..

طعنها لترتفع روحها إلى سماء عدالة انتظرت تحقّقها عندما كانت على قيد الحياة .. لطالما كانت طعناته عميقة وبالغة الأثر في كل مرّة .. وكما في كل مرّة كانت تعض على جراحها.. وتحبس آلامها وتأوهاتها داخل نفسها..

طعنها قبلاً ألف مرّة .. ولكنّ أحداً لم يلتفت إليها.. ولم يسمع آهاتها ولا صرخاتها .. ولم يلتفت حتى إلى دموعها المنسكبة على وجهها أو تلك المحبوسة في أعماقها حتى كادت تخنقها .. طعنها إلى أن أتت الطعنة الأخيرة .. فأزهقت روحها من حياة تاهت فيها باحثة عن خلاص لم تجرؤ يوماً على البوح به حتى في قرارة نفسها ..

طعناته لاحقتني فلم تدعني أستجمع أنفاسي .. فتلاحقت في مخيلتي علامات الاستفهام طارقة ألف باب وباب ..

بغض النظر عن رأيي، وجدت نفسي اسأل وأسأل وأسأل.. كما وجدت نفسي أجيب من دون أن أنتظر إجابة أحد.

أهو أنت نفسك الذي دفعتها فألقيت بها في عتمة قاتمة لفّت حياتها، فأعمت بصرها وبصيرتها على السواء. أم هو عجزها وضعفها وربما نشأتها المكبّلة بأصفاد وأغلال ومحرّمات ومدنّسات ومسموحات وممنوعات، وبأنفاق تلتف حولها فتخنقها من دون أن تدع لها سبيل نجاة. أم أتت فعلتك نتاج من نصّبوا انفسهم حماة حياة .. أم هو نتاج كل ذلك معاً ويزيد؟

أتعرفون بما أسرّت إلي مؤخّراً؟ لم تهمس هذه المرّة في سرّها، بل بدت قوّية، واثقة ومدركة لما تقول بعد أن قرّرت أن لا تصمت بعد اليوم. أسرّت إلي بحقيقة ساطعة لا تقبل التأويل، سمعت همسها النافذ بقوّة، فلم يترك لي مساحة للتردّد بأن أتكلّم باسمها، وأنقل وصيتها بعد موتها " لقد طعنني بدل الطعنة ألف طعنة .. ولكنها لم تكن المرّة الأولى، ولن تكون الأخيرة حتماً، لقد فاضت طعناته فدنّست جمهرة استباحت حكايتي، وأطلقت الأحكام تلو الأحكام لإدانتي، فكانت الشاهد الذي لم يشهد أياً من صفحات أيامي".

فجأة، قرّر الجميع أن يغتصبوا عدالة السماء ليفرضوا عدالة شبّهت لهم. فمن كان منكم بلا خطيئة فليرمها بحجر.

بئس النُظُم التي لا تنفك تجعجع لتبرّئ القاتل وتَدين الضحية. بِئس كل من تسوّل له نفسه رفع الغطاء زوراً وبهتاناً ساعة يشاء. وبئس المنظرون الذين يصمتون أمام كل دقيقة تُساق فيها نساؤنا قسراً لتقدّم أضاحي على مذابح الذكورية.

فما بين المجرم والضحية مسار لن ترسمه عدالة بشر لا تفرّق بين النور والظلام.


أخبار ذات صلة

اليكم الموعد الجديد لاعادة فتح المطار..
وزارة الصحة السعودية: تسجيل 2171 إصابة جديدة و30 وفاة بفيروس [...]
نقابة عمال مخابز بيروت وجبل لبنان تعلق على قرار خفض [...]