بيروت - لبنان 2021/03/04 م الموافق 1442/07/20 هـ

يلّي بِربّحوا جْمِيلِه بمَعاشو "ما عاشوا"

حجم الخط

الثورة جنونٌ، طرفاهُ عقلٌ، أين نحن اليوم من أحمد شوقي وثورة أحمد شوقي ومفهوم أحمد شوقي للثورات؟ أين نحن من هذا الجنون الجميل، الماجن العاقل في آنٍ؟

أنا ثائرٌ نعم، ومن حقّي أن أثور! ثورتي بشعةٌ في أسبابها، إنما فاتنةٌ أهدافُها.

ثورتي طفلةٌ أبصرت النور على قارعة طريقٍ، على مرمى حجرٍ من غرفة مشفى، فٱتّخذت من حفنةِ ترابٍ غطاءً لها ومن عتبة الرصيف سريرًا؛ ذنبها الوحيد أنها وُلِدتَ في بلدٍ غلَبَت فيه كفّةُ المال والمادة كفّةَ الإنسانية والضمير؛

ثورتي فتًى، طلب العلى فتلقّفَتهُ الأعالي، فما إن بلغ ريعان شبابه ركِب أوّل طائرةٍ مهاجرةٍ إلى بلادٍ، وإنْ تيتَّم في غربتها، أشعرتهُ بقيمةِ ما يملك وما يزدانُ من علمٍ وخبرةٍ ومعرفة. هاجر هارباً من التوسّل على أبواب الزعامات والزّحف تحت أقدام متسلّقي السلطة؛

ثورتي مُسِنٌّ، لم يكْفِهِم أن جار الزمانُ عليه، فأكملوا الغدرَ به غير آبهين لأنينه صارخًا "موجوع موجوع، الله ينتقم منكن"، وما من آذانٍ تسمع؛

ثورتي أمٌّ، حُرِمَت حقّها في الشعور بنعمة الأمومة، فإن وَلَدت طفلًا ظلمَتهُ في بلدِه أو خسرتهُ في بلاد الإغتراب،

ثورتي أبٌ، فضَّل الموت أمام عينَيْ إبنتِه على أن تموت هي قهرًا أمام عينيْه، بعد أن عجز عن إعطائها ألف ليرةٍ لبنانيةٍ. ألفُ ليرةٍ فقط كانت كفيلةً بإسعادِها، إلا أنها تحوّلت بلحظةٍ إلى سبب تعاستها؛

بالله عليكم، لا تضلِّلوا ثورتي،

فثورتي إنسانٌ، تغمّسَت لقمةُ عيشه بوسخ السياسة وتاهت في دهاليز سلطةٍ مقيتةٍ جارَت وظلَمَت فأبدَعَت في طُغيانِها.

بالله عليكم، لا تقيموا الولائم والموائدَ الكبيرة،

فثورتي جائعٌ، وصَلَ به الحالُ أن يطلب كسرَة خبزٍ يسدُّ بها رمق جوعه، لم يطلب شيئًا من الأطعمة الفاخرة، فلا تدنّسوا قدسيةَ حاجته بالجهل والبذخ الفاحش.

بالله عليكم، إتّقوا شرَّ الزعامات،

فثورتي ضميرٌ، والسلطة منه براءٌ. أنا أثور فيما الزعماء يشاهدون ما يحصل على أنه فيلمٌ ينتهي بموتِ البطلِ جوعًا أو بردًا أو قتلًا، من ثمّ ينتهون ويذهب كلٌّ إلى ترفِه ورَغْدِ عيشِه، غيرَ مُبالٍ بأنَّ القاتل الحقيقي هو ضميره النائم ومشاعرُه الزائفة.

بالله عليكم، لا تشوِّهوا ثورتي،

فثورتي جنديٌّ، رسمَ على قلبِه وجهَ الوطن. على الحدودِ عينُه لا تغمض، يسهرُ ليلَه وإصبعُه على الزناد كي نشعر نحن بالأمان.

هو أيضًا لديه أبٌ ينتظره وأمٌّ لا تنام وزوجةٌ وأولاد يتوقون للقائه بعد أيام غيابٍ؛

هو أيضًا حرمَتهُ السلطةُ الفاسدةُ غذاءَ يومه وحاول المسؤولون الفاسقون الإقتطاعَ من راتبه؛

هو أيضًا يعاني الأمرَّيْن منتظِرًا دوره ساعاتٍ ليحصل على بضع ليراتٍ لتأمين معيشة عائلته أو لتسديد قرض بيْته أو سيارتِه؛

فلا أكون ثائرًا إن ضربتُه بالحجارة فيما السارقون مُتَلطُّون خلف ترساناتِ حصونِهم غير آبهين لحالي؛

ولا أكون ثائرةً إن قلت له "أنا عم بدفعلك معاشك" !

لا يا سيدتي، لست أنت من تدفعين راتِبَه، وليست الدولةُ من تقوم بذلك، إنما هي العدالة التي تجعلُه يستحقُّ كلّ ليرة من راتبه.

فحينَ تقضين أنتِ يومًا بكامله تتمخترين بجسدك الرشيق على شاطىء البحر صيفًا، يقضي هو أكثرَ من إثْنَتَيْ عشْرةَ ساعةً تحت أشعة الشمس الحارقة؛

وحين ترتادينَ أنتِ منتجعاتِ التزلّج شتاءً لقضاء عطلةِ نهاية الأسبوع في شاليهاتٍ مجهّزةٍ لتدفِئتِك، يكون هو على بضع أمتارِ منك، من دون أي سقفٍ يأويه برودة الشتاء القارسة، مُتّخِذًا من كُريّاتِ الثلج معطفًا له؛

وحين تنامين وأطفالُكِ ليلًا وأمنُكِ بأمانٍ، هناك أمٌّ مُسَمّرةٌ على نافذة منزلها وأطفالٌ هجر النومُ جفونَهم، ينتظرون سماع هدير السيارة خارجًا أو وقع أقدام والدهم، وأحيانًا لا يعود ...

أين أنتِ يا سيدتي من قلبِ أمِّه، وخوف زوجته ولهفة أطفاله؟

أين أنتِ من لوعة أمٍّ تشمّ قميص ابنها وهي توضّب أمتعته، ليس هو بمسافرٍ رحلة استجمامٍ وراحةٍ لا! بل هي الراحة الأبدية التي رفعته شهيدًا؛

أين أنت من حسرة تلك الأم، فقد طهت له أكلته المفضلّة وحضرت له كل ما يشتهيه، ولكنّه خلّ بموعد الإياب ليرجع إلى حضنها في صندوقٍ خشبيٍ بالكاد يقيه برودة الفراق؛

أين أنت من أمومة والدة الشهيد وتضحية أرملتِه ويُتم أولاده؟

أين أنت من شرف حذائه الذي حماك من الإرهاب بِقاعًا ومن سفاهة العدو جنوبًا؟

أين أنت من ذاك الجندي العظيم لكي تتجرئي أن تضعي عينك بعينه وتصرخي بدل أن تنحني خجلًا وحياءً، فقد دنّستِ أنت وأسيادُك ثورتَه وثورة كلّ فقيرٍ جائعٍ بفجورِك وتفاهتك؛

أين أنت من ثورة ١٧ تشرين التي، وإنْ تُنادي بالعدالة فِعلًا، لأَنْصَفَت ذاك الجندي دون سواه!

ليس الجنديُّ من جوّعك، هذا إن كنتِ فعلًا جائعة، بل زعيمُك الذي يشاهدك تستفحلين عن بُعد ويهزأ بك لأن الثورة لم تحرّرك فما زلت دُميةً بين يديه،

ليس الجنديُّ من اقتطع نصف معاشك، بل زعيمُك الذي اشترى ولاءك ببضع ليراتٍ وراهن على تدجينِك في تآمره مع مصرفك،

ليس الجنديُّ مع يعيق ثورتك، بل زعيمُك الذي يتجاهل صراخك ويوقد غضبك بكذبه ومكرِه، وهو يُمعن في سرقتك وإفقارك،

فلتذهبي وتواجهي السارق الحقيقي يا سيدتي، ولتصرخي في وجه الزعيم الذي، لم تدفعي له معاشه فحسب، بل شيّدتِ قصوره وابتعْتِ سيارات زوجته، وسدّدتِ أقساط مدارس أولاده وجامعاتهم، وأحطّه بالخدم والحشم، فكانت له المواكب ولكِ منها ركلات الكواعب!

وإن كنتِ تَريْن عكس ذلك يا سيدتي، توَقّفي إذًا عن دفعِ راتِب ذاك الجندي، وأخبريني عندئذٍ مَن سيحميك من مخالِبِ أربابِ شريعة الغاب التي ستتربّص شرًّا بك وبثورتِك؛

ولتَعْلَمي يا سيدتي، أنّ رواتب المؤسسةِ العسكرية كلّها لو ٱسترجعتِها ، لن تَكفِيَكِ ثمن شراءِ ذرّةٍ من شرف ذاك الجندي !

فإياكم أن تُهينوا ثورتي،

ثورتي جنديٌّ، هو الدولة وهو الإنسان،

وقائدُه للشرف عونٌ وعنوان !

- شقيقة النقيب الشهيد روي أبو غزالة


أخبار ذات صلة

تقرير: واشنطن تُرسل أنظمة «أفنجر» إلى العراق وسوريا لمواجهة «الخطر [...]
علماء روس يتوصلون إلى تركيبة كيميائية تطيل العمر إلى 140 [...]
«دمشق الآن آمنة للعودة إليها».. «الإنديبندت» تكشف عن أول دولة [...]