بيروت - لبنان 2019/08/22 م الموافق 1440/12/20 هـ

إنتي مين» على MTV: دراما ناجحة أوصلت رسائلها

من المسلسل
حجم الخط

قبل البدء في تناول أحداث مسلسل «إنتي مين»...

وقبل التطرُّق لشخصياته الدرامية الممتعة؟ أو لمن لعبها... وكيف؟ علينا الإعتراف بأن المسلسل المذكور، بكل مكوّناته الدرامية والتقنية، بما فيهما بالتأكيد، أغنية «التيتر» التي كتبها ولحّنها وغنّاها الفنان القدير «مروان خوري»، يعتبر من بين الأفضل الذي تابعناه على مدى أيام شهر الصوم المبارك، ولأسباب متعدِّدة، في مقدِّمها - على سبيل المثال - الرسائل الإجتماعية - الإنسانية التي وجّهها، ومنها: الإحترام الواجب للوالدين، مهما كانت أوضاعهما أو ظروفهما أو تصرفاتهما، ورفض التطاول عليهما من أي جهة كانت؟!

- ولزعماء الميليشيات إبان الحرب اللبنانية المشؤومة، ووعودهم البرّاقة وإنما الكاذبة، للمقاتلين، بالمكانة والأمجاد التي تنتظرهم في نهاية المطاف، بينما كل الوقائع أثبتت أن كل هذه الوعود مجرّد أوهام، ولا أساس لها من الصحة، وأن كل من ضحّى بنفسه وبات «شهيداً» أم معوِّقاً، تحوّل إلى «نسي منسيا»؟!

- وللموظفين المرتشين، وما يُمكن أن ينتظرهم من مصائب ومخاطر، لأن الرشوة قد تصيب الراشي والمرتشي بأخطار ربما تصل إلى حدّ التصفية الجسدية؟!

- وللشعب الذي يرتضي التحوّل إلى «حطب» يُشعل نار الفتنة لتحقيق مشروع وهمي، بوعود كاذبة وخادعة، فيما النتائج ستكون دماراً نفسياً وتربوياً وإقتصادياً وإجتماعياً، وهلاكاً للعباد والبلاد؟!


أما ثاني هذه الأسباب، وقد سبق لنا وذكرناها مراراً فهي ان «الفكري الدرامي - الحواري» لكاتبة المسلسل الفنانة كارين رزق الله، هو فكر متميّز وجديد، وسبق ان اختبرناه في أعمال تلفزيونية سابقة... وقد يكون تميُّز هذه الفنانة، تفرُّغها للعمل الواحد سنوياً، وكذلك، لأنها تكتب لإرضاء نفسها وليس فقط لإرضاء الآخرين. ونعترف - بالمناسبة - بأن الأعمال الدرامية لهذه الفنانة، تمّ تظهيرها بشكل مهني احترافي محترم ولائق، من خلال إنتاج شاركت فيه شاشة MTV...

ان خطوة الإنتاج المشترك بين «فكر درامي جديد» وأي شاشة محترمة وقادرة، أمل نتمنّى أن يسود ليصبح قاعدة عمل، لأنه قد يكتشف مواهب قادرة على دعم الدراما اللبنانية بسيناريوهات قيّمة، ما قد يمنح الشاشات التلفزيونية اللبنانية الإبداع المرجو، ويفتح الأبواب أمام الأسواق الخارجية العربية (وتحديداً الخليجية) الغائبة منذ سنوات!

ومسلسل «إنتي مين» دراما اجتماعية لبنانية، قصة وسيناريو وحوار كارين رزق الله، ومن بطولتها (بدور جهاد) مع الممثل عمار شلق (بدور الطبيب البروفسور الشاب نسيم) ويشاركها الأدوار نقولا دانيال (بدور أسعد)، أنجو ريحان (بدور غادة)، أسعد رشدان (بدور الطبيب البروفسور «الأب» - المتقاعد - مؤسّس المستشفى)، جوليا قصار (بدور عايدة - الميليشياوية السابقة والمتشرّدة حالياً)، وعايد صبرا (بدور زميلة عايدة في الميليشيا وفي التشرّد)، وآخرين كانت لهم مساهماتهم في تظهير المسلسل وابرازه على ساحة الدراما اللبنانية.

أما الحكاية، فتروي قصة بطلتها «جهاد» إبنة الـ 40 عاماً، العزباء، والتي تعيش في كنف والد (أسعد) سكّير ومتشرّد وميليشياوي عتيق، يعتقد ان الحرب الأهلية ما زالت مستمرة ويعيش في هذه الأجواء، بينما تعتقد «جهاد» أنها «منحوسة» لأنها حاولت الإنتحار مراراً للتخلّص من حياة الشقاء التي تعيشها، وحيدة من دون أم، وبرعاية والد يعيش في الماضي وهو المتشرّد السكير حالياً..

و«جهاد»، في محاولة الإنتحار الأخيرة، تناولت كمية كبيرة من حبوب الدواء، إلا ان صديقتها جارتها (غادة) التي تحمل معها نسخة عن مفتاح منزل (جهاد)، تصَادَف حضورها لأمر ما لتُفاجأ بالأمر، فتتصل بالصليب الأحمر الذي حضر ونقل «جهاد» إلى أقرب مستشفى، وليتم إدخالها إلى إحدى غرف الدرجة الأولى، لعدم توفّر سرير بالدرجة الثانية؟! وليتصادف كذلك مرور الطبيب البروفسور طبيب القلب الشهير «نسيم» (وارث المستشفى عن والده) في جولة تفقّدية على مرضاه، فتتم الإستعانة به لعلاج حالة الإنتحار الطارئة، فيفعل، ويُنقذ المنتحرة الشابة، ويطلب من الممرّضة الإهتمام بها لحين زيارته الصباحية؟!

ومع بزوغ الشمس، تستيقظ «جهاد»، ومعها صديقتها (غادة)، فتسألها عن سبب وجودها في المستشفى، فترد عليها بما حدث، فتشتمها لأنها أنقذتها، ثم تتساءلان من أين لهما المال لدفع فاتورة الإستشفاء بالدرجة الأولى، وبدل أتعاب الطبيب، ثم يقرّران الهروب، وهذا ما سينجحان فيه؟!

ويصل البروفسور الشاب في الصباح إلى المستشفى، ويعلم بهروب المريضة، ولا يجد سوى محفظتها التي نسيتها، فيبحث بداخلها لعلّه يجد ما يرشده إليها، فهي لم تستكمل علاجها بعد، ولا يجد سوى «صورة» لإمرأة، وهذه الصورة ستغيّر مسار المسلسل، وحياة الطبيب، والمنتحرة، والطبيب الأب وكذلك حياة مختلف شخصيات المسلسل؟!

وبينما «جهاد» تحاول إستكمال نومها في سريرها المنزلي (بعد هروبها) تسمع طرقاً شديداً على باب المنزل... تفتح... وتُفاجأ بالطبيب المعالج الذي استدلّ على عنوانها من الصليب الأحمر، فتعتقد للوهلة الأولى انه جاء ليطالبها بحساب العلاج والإستشفاء، فتبادره بـ «أنا مش حرامية... وراح سدّد كل الحساب، وإنما على دفعات»؟! لكن الطبيب لا يأبه لقولها أو لأي حساب، وإنما للصورة التي وجدها في محفظتها والتي تتطابق مع صورة والدته التي أحضرها معه قبل توجههه لبيت «جهاد»، فيسألها، وهو يحمل الصورة «المنسية» بالمحفظة: لمن هذه الصورة؟

وتردُّ عليه مستنكرة تفتيشه محفظتها الخاصة، لكنه يعاود السؤال، وبلهجة صارمة وحادّة هذه المرة، لتردّ عليه: انها صورة أمي...

عندئذٍ، يبرز لها الصورة التي أحضرها من منزله ويسألها: وهذه؟؟.. فترتسم علامة إستغراب وتعجّب على وجه «جهاد»، ولا تجد امامها سوى سؤال الطبيب: من أين لك هذه الصورة؟ فهذه صورة أمي... فيردّ عليها بهدوء مفتعل: وصورة أمي أنا كذلك؟! ويطلب منها البقاء حيث هي إلى حين عودته، ثم يتوجه إلى منزل والده البروفسور الطبيب الشهير، ويبرز له الصورة، ثم يسأله: هذه صورة أمي... أين هي؟ ويرد الأب: توفيت فور ولادتك بأشهر قليلة...

ولأن الجواب لم يقنعه، يكلِّف من يستحضر له إعلان وفاة من دائرة النفوس، ليتبيّن له ان أمه غير متوفاة من السجلات، ما يعني أن إمكانية وجودها على قيد الحياة كبيرة، فيما والده يفسّر له الأمر بأن الوفاة حدثت في خلال الحرب ولم يتسنَّ التسجيل في الدوائر الرسمية...

وعندما يسأله الإبن: وأين قبرها؟ يردُّ بأن «الدفن تمّ على عجل وفي ظروف صعبة جداً بسبب القصف المتبادل بين المناطق اللبنانية وان جغرافية المكان تبدّلت؟! فيقرّر الإبن عندئذٍ، بالإتفاق مع «جهاد»، البحث عن «الأم»، بينما هذه الأخيرة كانت على قيد الحياة، وتعيش حالة من التشرّد والفقر، مرتدية زيّاً أشبه ما يكون بزيّ اليساريين أتباع «تشي غيفارا»؟! ومعها رفيقة النضال وما بعده، الصديقة المخلصة التي فقدت ساقها خلال المعارك!! وهذه الصديقة حاولت مراراً إقناع رفيقتها بالتخلّي عن الماضي وعيش الحاضر، لكها كانت دائماً تواجه بالتعنّت، ولذا، كانت تندب حظها السيئ الذي جعلها تنتمي للحزب وللميليشيا، في حين كان صوتها الجميل، يتيح لها الإنتساب إلى «الكونسرفتوار»، وانها لو فعلت، لما كان حالها على هذا المستوى من البؤس والضياع... فيما قياديي الحزب، يعيشون حياة البذخ والنعيم والسلطة؟

وعلى هامش هذه الأحداث المتلاحقة، سيتبيّن ان جارة «جهاد» (غادة)، المعترضة دائماً على نظافة كف زوجها الموظف الرافض بإصرار لموضوع «التساهل الوظيفي» في مقابل «اكرامية» تتيح لها دفع جزء من فاتورة المولد الكهربائي، أو التمتع بقليل من حياة جارتها وزوجها وقد امتلكا شقة كبيرة وفرشاها بأحدث المفروشات، جرّاء ما يتقاضاه الزوج (الموظف) من «اكراميات»، هي «رشوات» في واقع الأمر، لتمرير معاملات غير شرعية؟! ومن كثرة «نق» «غادة» على زوجها، يرضخ، ويتنازل بعض الشيء، وإنما عن غير قناعة، وهذا التنازل وفّر للزوجة مبلغ (50) ألف ليرة لبنانية، فرحت به، وسدّدت جزءاً من دين صاحب المولد، وصنعت لأولادها صينية «المعكرونة بالبشاميل» التي ستفرحهم، لكن الأمر لن يصل إلى خواتمه السعيدة، وحيث ان «صينية المعكرونة» ستقع من يد الأم ما يعني ان «مال الحرام يذهب... وبأهله أحياناً»، وهذا ما حدث لزوج الجارة (المرتشي) الذي اصطحب زوجته في إجازة إلى قبرص، وحيث ستعود الزوجة من دونه، بعد اغتياله من قبل مجهولين.

وبالعوة إلى «البروفسور نسيم» و«جهاد» سنعلم أنهما خضعا لفحص الـ DNA وتبيّن ان «لا صلة دم بينهما» ما سيؤكّد فرضية أن «الأم المفقودة» هي أم لأحدهما فقط، في الوقت الذي كانت فيه «حكاية حب» تنسج خيوطها بينهما، لكنهما لن يتصارحا بذلك، بل سيتحفظان على مشاعرهما برغم ان «البروفسور نسيم» يعيش حياة عزوبية ويهتم بتربية إبنته الصبية من طليقته التي هربت ذات يوم مع عشيقها، وعادت منذ أيام للتقرّب من الإثنين، نادمة على ما فعلت بهما؟!..

لتتوالى الأحداث، عندما يسقط والد «نسيم»، مؤسّس المستشفى والجرّاح الشهير، طريح الفراش، ويشعر أن حياته باتت قاب قوسين أو أدنى، من نهايتها، فيستدعي إبنه ويخبره بالحقيقة التي أخفاها عنه كل عمره، فهو والد «جهاد» وإسمها الحقيقي «عايدة» - على اسم أمها الميلشياوية المتشرّدة - التي تركته وهربت مع عشيقها، والتي اقتنعت أخيراً بالعودة إلى حياتها الإنسانية الحقيقية بعدما التقت إبنتها، وان «نسيم» هو إبنه بالتبنّي، وقد أحبّه ورعاه كما لو كان أبنه الحقيقي، ثم يستدعي محامي الأسرة وينص عليه وصية تقضي بقسمة الثروة التي سيخلفها مناصفة بين الابنة «جهاد» (عايدة) و«نسيم»، فيما منزله الكبير الفخم، سيمنحه لزوجته «عايدة» أم إبنته «جهاد»، وليفارق الحياة مرتاحاً لأنه تحرّر من «سرّ» تحوّل لسلاح بيد خصمه، الميليشياوي المتشرّد «أسعد» الذي هربت معه «أم جهاد» والذي لم يتزوج منها وبالتالي لم يُنجب، واعتبر «جهاد» التي وضعتها أمها «عايدة» أمانة لديه، بمثابة ابنته هو، فهرب بها من أمها، وبدّل اسمها من «عايدة» إلى «جهاد» لمزيد من التمويه، واستمر يُهدّد «البروفسور الأب» بفضيحة هروب زوجته ومعها إبنته، وايضاً بتبنّيه لمن أصبح طبيباً مشهوراً (د. نسيم)، ان فكّر باسترجاع إبنته أو حتى ان هو صارحها بالحقيقة؟! ورغم حساسية موقف «جهاد» وقد أدركت من هو والدها ومن هي أمها وبقية تفاصيل إبعادها عنهما، سيتم نقل «أسعد» إلى مصحة ليعالج من الكوابيس والتخيّلات التي كانت تتراءى له، ولتنتهي الأحداث بإرتباط «د. نسيم» و«جهاد»، وبمنح «غادة» وزوجها منزل «جهاد» التي ستنتقل للعيش في شاليه جبلي بناه «د. نسيم». فيما «عايدة» - «أم جهاد» ستنتقل مع رفيقتها (عايدة صبرا) إلى البيت الكبير الفخم الذي أورثها إياه زوجها، والد «جهاد»، البروفسور الطيب الراحل..

مما لا شك فيه، ان المؤلفة - الممثلة كارين رزق الله، في «إنتي مين»، نجحت في مهمتي الكتابة والتمثيل... في الأولى أثبتت كفاءة عالية في صياغة سيناريو محبوك التفاصيل، بحوار ممتع في مختلف جوانبه الإنسانية، وحيث «النكهة الكوميدية» استمرت في غالبية المشاهد، الناطق منها أو الصامت، فتولد لدينا، كمشاهدين، الشعور بأننا أمام حالات واقعية حاضرة في مجتمعنا، وان كنا لم نقابلها مواجهة بعد؟! ومن هنا، كان الأحساس بأن ما نتابعه على الشاشة ليس «تمثيل»، بل «وقائع» حدثت في زمان ما ومكان ما...

وإذا كان ما تقدّم يعتبر «مهماً»، فإن الأهم ان كارين رزق الله الكاتبة والممثلة، ومعها فريق العمل الذي تابعناه على الشاشة، نجحوا متحدين ومنفردين في إيصال الرسائل التي ذكرناها في مقدمة الموضوع...

اما على المستوى الثاني (التمثيل)، فإن بطلة «إنتي مين» «كارين رزق الله» اشعرت كل متابع بأنها «من أهل البيت»، فدخلت القلوب من دون إستئذان، متسلّحة بالمقدرة والموهبة وخفّة الظل، وبالإقناع بأنها «فرد من مجموعة»، برغم أنها المنتجة والكاتبة والبطلة، وإنطلاقاً من هذه «المفردة» تحديداً، اكتشفنا موهبة تمثيلية خارقة كانت «محتجزة» في أعماق فنان قدير هو «نقولا دانيال»، وإمكانيات تعبيرية فائقة الحجم لدى الممثل الكبير «عمار شلق»، وعفوية كوميدية كنا نلمسها لدى الممثلة «أنجو ريحان» تأكّدت وتعمّقت، وتبلورت بأسلوب متجدّد في دورها (غادة)، ورهافة أداء فيه من المتعة بمثل ما فيه من الإقناع لدى الكبير «أسعد رشدان»...

فيما العملاقتان اللتان رفعا المسلسل، وارتفعا به إلى العلى، «جوليا قصار» و«عايدة صبرا»، ولا غرو في ذلك لأن خبرتهما المسرحية - التمثيلية تتيح لهما مثل هذا التألّق التلفزيوني برغم غيابهما طويلاً عن الشاشة الصغيرة، وعودتهما نعتبره نجاحاً فعلياً لمن اختارهما في هذين الدورين، كما نرى فيه استجابة لمطلب قديم لكثيرين من المشاهدين، بضرورة وأهمية الإستعانة بـ «الكبار»، ولو في أدوار «مساعدة» قادرون هؤلاء أن يحوّلوها إلى أدوار أساسية؟!

ويبقى في النهاية، دور «المايسترو»، المخرج إيلي حبيب الذي قاد هذه الأوركسترا «التمثيلية»، فاسمعنا معزوفة جميلة النغمات لا «نشاز» فيها، وحيث كل تحرك وأداء كانا في الزمان والمكان الصح... وان كان من «لفتة انتباه» واحدة نوجهها إليه، فهي تتعلق بـ «تلصص» «عايدة» ورفيقتها على تحركات «د. نسيم» حيناً، أو على «جهاد» حيناً آخر، لأن عملية الملاحقة والتلصص كانت شبه «صبيانة» وفيها الكثير من «الولدنة» وحيث كان بالإمكان إيجاد حل أكثر اقناعاً للمشاهدين...

ورغم هذه الملحوظة، فإن ذلك لا يغيّر الرأي بأن ما تابعناه كان رائعاً... قسماً عظماَ؟!



أخبار ذات صلة

الأهلي المصري يطوي صفحة التونسي معلول
الدفاع المدني أخمد حريقين في جديدة القيطع ومشتى حمود
نهاية مأساوية لنجم الزمالك وغانا السابق