بيروت - لبنان 2018/09/25 م الموافق 1440/01/15 هـ

«الغريب» على «الجديد»: الضلع الثالث لمسلسلات

تجرأت على عرض عذابات «أبرياء الحرب السورية»!

حجم الخط

تنفيذاًَ لما وعدت به القراء الكرام، بعرض أبرز ثلاثة مسلسلات درامية سورية عُرضت في رمضان 2018 على شاشة لبنانية (الجديد)، وبعد ان تناولت مسلسلي «فوضى» و«مذكرات عشيقة سابقة»، أعرض اليوم، ،الثالث، وهو بعنوان «الغريب».. ويضيء، كما المسلسلين السابقان، علی «الثغرات»  الاجتماعية والاقتصادية والسياسية والأمنية التي نجح «رجالها» بالتسلط عليها، في خلال الأحداث الدامية في سوريا، والمستمرة منذ العام 2011، فأمعنوا  فساداً، واستفادة غير مشروعة، عبر ارتكاب كل الآفات والموبقات بحق الوطن والمواطن، ومن هنا جاءت ميزة هذه المسلسلات الثلاثة، كونها أضاءت، ولو بأشكال مختلفة ومتفاوتة، على «العفن» الذي تسببت به هذه المجموعات؟!
وكما شرحنا تفاصيل المسلسلين السابقين، نبدأ بعرض أحداث «الغريب»، والتي تدور حلو موظّف شريف وربّ أسرة  شهم، يعمل «كشافاً» في مصلحة الجمارك، ويتم اتهمه ظلماً في قضايا  تهريب مخدرات، وسرقة أموال الدولة، وقتل زميل له، فيحكم عليه بالسجن المؤبد مع  الأشغال، فيما المهرّب واللص والقاتل الحقيقي هو صهر الكشاف (زوج اخته)، ويعمل مخلّصاً في المرفأ، حيث عمل ابن عمه، وقد نجح في ترتيب كل مفاصل جرائمه وبحيث تجنّب أي تهم   قد تُساق ضده!
يدخل «الكشاف الجمركي» البريء إلى السجن،، ويتمادى «صهره» في غيّه، فيزرع الشقاق بينه وبين زوجته، والد طفلته، وصولاً إلى اقناع المتهم البريء بطلاق الزوجة بناءً على طلبها، وهذه الأخيرة ستفاجأ بطلاقها لأنها لم تطلبه ولم تفكر يوماً به.. وبحجة «الوضع الاجتماعي» و«الاصول الأسرية»، يُقدِم «الصهر» على الزواج من زوجة ابن عمه التي حصلت على الطلاق، وإلى تبنّي تربية طفلتها إبنة السجين المظلوم.
وينتمى هذا اللص - المجرم إلى طبقة «رأسماليي أثرياء الحرب» بفعل عمليات التهريب والقتل والسرقة التي ارتكبها، وحُكِم بها «ابن العم» البريء، وهذا الثراء أتاح للمجرم فرصة «تبييض» الأموال التي نهبها، فافتتح مطعماً كبيراً لا تقصده  سوى الطبقة الارستقراطية، إضافة إلى معرض كبير للسيارات الفخمة غالية الأثمان؟!
وبمرور السنوات يصبح لقب هذا  المجرم في مجتمعه «الحجي»، دلالة على  تقواه، وهو المخادع والقاتل واللص والمهرّب وخراّب البيوت العامرة بالإيمان الحقيقي؟!
وكأني بالمؤلف أراد إبراز مقولة «للظلم جولة وللحق جولات»، يتم الافراج عن «المتهم - البريء» بعد انقضاء نصف مُـدّة سجنه لحسن السلوك، ليباشر عملية بحث مضنية عمن كانوا وراء دخوله السجن ظلماً وافتراءً، ليكتشف، في خلال رحلة البحث هذه، ان زوجته لم تطلب الطلاق بل هي كانت ضحية كذبة افتعلها من أصبح زوجها، وان الابنة الصغيرة باتت صبية  ولم تصدق يوماً ان والدها مهرّْب أو مجرم أو لص، وليبدأ هذا المظلوم، من هذه النقطة، بكشف الحقائق واحدة بعد أخرى، إلى ان ينجح بالإيقاع بـ«الصهر» المجرم الذي سيقضي قتلاً على أيدي عصابة مجرمة، كي لا يبوح بالأسرار؟
ولتنتهي عملية الكرّ والفرّ بين الحق والباطل، ببراءة المتهم - البريء، بحكم أعاد له كرامته وسمعته الطاهرة التي سبق لوالدته، الأم العجوز،  ان أكدت عليها قبيل وفاتها تأثراً باتهام ولدها ظلماً وتجنياً!! والأهم، بالإضاءة الكاملة على مجموعة من «تجار البشر أثروا بطرق غير مشروعة على حساب الوطن والمواطن»؟!
«الغريب» دراما اجتماعية سورية من تأليف عبدالمجيد حيدر، سيناريو وحوار علاء عساف، إخراج أحمد زهير رجب «ولكل هؤلاء التحية منّا والاحترام على ما قدموه في هذه الدراما) ومن تمثيل: رشيد عساف زهير رمضان، رنا شميس، ليلى جبر، والكبيرة القديرة فخر الدراما العربية منى واصف، وآخرون..
{ رشيد عساف (الكشاف الجمركي المتهم - البريء): لا نعتقد ان هنالك من هو أقدر من هذا المثل الكبير، على لعب هذا الدور المركب،  الثلاثي الأبعاد.
وان كان من شهادة أو رأي في أداء رشيد عساف، فهو انه اختار تقديم «الشخصية الهادئة» على مدار المسلسل. كي لا يفقد التركيز خلال بحثه عن الفاعلين،   وهو أحسن اختبار هذا الأداء، تغطية أولاً لاصابته بمرض رئوي خلال سجنه، وكي لا يشغل عليه بال أسرته (المتبقية)، باعتبارهم سنده الأخير، وإلى حين استرداد البقية: الزوجة السابقة، والأخت زوجة الصهر، والإبنة، وبعض الأقارب والمعارف  المقربين،  وكل هؤلاء، كانوا ضحايا كذب «الصهر»!؟
ولكن، يبقى  المأخذ على هذا الاسلوب بالأداء، أنه ساهم في إطالة الكثير من المشاهد من دون أي مبرر.
{ منى واصف (الأم). هذه الكبيرة في تمثيلها، الرائعة في أدائها، الصادقة في تقديم أي دور يسند إليها، بدت في «الغريب» رافضة للظلم، متشبثة ببراءة ابنها، مؤمنة بنظافة كفيه من أي تهمة، وهي غادرت دنياها وهي متمسكة بكل هذه المفاهيم قبل أن تسقط في صدر البيت سقطتها الأخيرة، المؤثرة، وهي تعلن: إذا كان ابني هو الفاعل فأنا بريئة منه إلى يوم الدين؟!
منى واصف ليست ممثلة عابرة في تاريخ الدراما التلفزيونية  السورية والعربية وإنما هي ركن ثابت و أساسي من أركانها المضيئة، وعلى أدائها وابداعها وحضورها، تشكّل نجاح هذه الدراما، وكفى القول انها منى واصف..
{ زهير رمضان (الصهر المجرم): كأني بهذا الممثل القدير، يعشق التربُّع على قِمم أدوار الشر، وإنما بأداء مميز وغير مسبوق، وبحيث يجعل المشاهد يحبه، وبل ويعشقه، برغم علمه بأنه شرير؟!
زهير رمضان ومن خلال متابعتي للعديد من المسلسلات الدرامية السورية التي شارك فيها بأدوار مختلفة، وجدته «الطيب» في مظهره الشرير القادر على إقناع المشاهد بأي أداء يلون لهجته، والقابض على تفاعلات حركة وجهه بيد من «حرير» فحاجباه يتفاعلان مع أدائه، وتعابير وجهه مثلهما.. شرير لا يتصدر المشهد دائماً وإنما يترك لسواه القيام بالمهمة التي يريدها ويرسمها بنفسه، وهون بكل هذه الطاقة والإمكانات، استطاع ان «يحضر» لنفسه مكاناً بين عمالقة ممثلي أدوار الشر!!.
{ رنا شميس (زوجة الكشاف وأم ابنته): في «الغريب» أكدت حضورها ولعبت دورها بأحاسيس كبيرة، فساهمت في رفع هذا المسلسل إلى العلو الذي بلغه، وان كان يؤخذ عليها «الإنقياد» للزوج الجديد (الصهر المجرم) وعدم الاعتراض على الكثير من تصرفاته «النافرة» جداً؟!!.
{ ليلـى جبر (الزوجة الأولى للمجرم واخت المتهم - البريء): بدت في دورها هذا وكأن لا حول لها ولا قوة، مستسلمة لمشيئة الزوج غير المعترفة على زواجه الثاني من زوجة اخيها السجين البريء، وأخيراً، هي السعيدة لثروة زوجها وتصدق بالفعل انها ثروة «شرعية»، ولذا، لا تعترض خوفاً من خسارة «النعيم الذي أصبحت فيه»!!.
ليلى جبر، ضمن الإطار الذي دكرناه، أدّت «قسطها للعلى»، وعبر أسلوب أداء ثابت.
ويبقى ان مسلسل «الغريب» شكل الضلع الثالث لمسلسلات تبنت عرض عذابات والأم مجموعة من البشر، يمثل افرادها «عينة» من ناس هم عناصر فاعلة في المجتمع، حولتهم الحرب السورية المشؤومة، ولصوصها، إلى ضحايا على مختلف المستويات؟!.

abed.salam1941@gmail.com


أخبار ذات صلة

مدير مهرجان «كان» أتحفنا بمحاضرة وفيلم....
«باتيستا» ينقذ 35 ألف بريطاني من الموت بعبوات فتّاكة
«بلاك ليفلي» مع زميلتها الطيبة القلب
«بلاك ليفلي» شريرة مقنعة ورائعة بإمتياز المال أعمى بصيرتها فقضت [...]