بيروت - لبنان 2019/08/22 م الموافق 1440/12/20 هـ

«هَمْس» في أذن السلطة حاصره فنياً وحرَّك ضدّه مصلحة الضرائب!

حكاية النجم السينمائي إسماعيل ياسين... وكيف انتهى «مونولوجستاً» في ملهى شعبي ليلي؟

اسماعيل ياسين.. «أبو ضحكة جنان» الذي رحل حزيناً.. يائساً.. ومظلوماً!
حجم الخط

في (24 أيار - مايو) من العام 1972، رحل عن دنيانا النجم السينمائي الكوميدي الكبير إسماعيل ياسين، والذي كان الأشهر في زمن سينما «الأسود والأبيض»، خصوصاً وان اسمه كان عنواناً لزهاء العشرة أفلام، وهو الذي كان يلعب بطولة أكثر من ستة أفلام في العام الواحد، في سنوات الخمسينيات ووصولاً إلى منتصف الستينيات من القرن المنصرم.
ومنذ سنوات ليست ببعيدة، امتدت يد الدراما التلفزيونية المصرية إلى قصة حياة هذا النجم السينمائي والمسرحي الكوميدي وقدمتها في مسلسل حمل عنوان «أبوضحكة جنان» باعتباره صاحب أشهر ضحكة ميزته ومنحته هذه الصفة! الا ان هذا المسلسل، تناول  النشأة والمسار ، وغاب عنه أن يضيء على النهاية المؤلمة لهذا  الفنان الكبير، وبحيث اكتفي المؤلف بأن أضاء على رحيل إسماعيل ياسين وهو على سريره، ينتظر من الزوجة أن توقظه للتوجه إلى عمله الليلي!!
ولمناسبة ذكرى 47 عاماً على رحيل النجم الكبير إسماعيل ياسين، أسمح لنفسي بالكشف عن «صفحة» من أبرز صفحات فصول حياة النجم الراحل، لم تأت الدراما التلفزيونية على تفاصيلها..
فصل لعند زهاء السنتين (1970 - 1971) أمضى ايامه ولياليه إسماعيل ياسين مهاجراً في لبنان، ومهجراً عن عشقه السينمائي في مصر التي أحبها حتى الرمق الأخير..

في العام 1971، وصل الى لبنان قادماً من القاهرة، أهم نجم سينمائي - مسرحي كوميدي في مصر والوطن العربي، الفنان إسماعيل ياسين، وبصحبته زوجته الفاضلة السيدة «فوزية» ووحيدهما الشاب ياسين، وأقامت الأسرة في شقة مفروشة في منطقة «عين المريسة» - بيروت!
مجيء النجم الكبير لم يكن بقصد السياحة، وإنما بحثاً عن أدوار سينمائية في الإنتاجات التي كانت تقدّمها السينما اللبنانية، بعد الحصار الذي عانى منه في القاهرة، جرّاء تهمة ظالمة كاذبة حرّكها ضده الحاسدون وتمسّك بها شياطين السياسة و... الضرائب! وحيث تمّ الحجز على كل ممتلكات الفنان - وهي ليست كثيرة - بما في ذلك الفيللا التي كان يسكنها في حيّ الزمالك الراقي..
وبحكم الصداقة العائلية التي ربطتني بالنجم الكبير وعائلته، كنت أتردّد عليهم في مقر إقامتهم، أعرض عليهم كل خدمة يُمكن أن أسديها، وفي الوقت ذاته، سعى المخرج اللبناني محمد سلمان وصديقه المنتج محمد علي الصباح (وكانا يتسيّدان ساحة الإنتاج والاخراج السينمائي في لبنان)، إلى إشراك إسماعيل ياسين في كل الأفلام التي قدّماها، بهدف تأمين الدخل المادي الذي يساعده على العيش الكريم في الغربة؟!
وفي جلسة هادئة على «تراس» مقهى «دبيبو» بمحلة الروشة، جمعتني بالأسرة الياسينية وكبيرها على فنجان شاي، إمتدّ الحديث بيننا، وتشعّب وتطوّر، إلى أن أتيحت لي فرصة سؤال الممثل الكوميدي الكبير عن أسباب ما حدث له ومعه على مستوى العمل في مصر، وحيث كان «الحصار الفني» ومطاردة «مصلحة الضرائب» له، ففتح قلبه وصارحني بالحقائق التي من أبرز نقاطها، «همس» في اذن الحاكم الجديد لمصر الرئيس أنور السادات، بأن إسماعيل ياسين يعتبر من أنصار «العهد البائد» (عهد الرئيس جمال عبد الناصر) وانه كان يروّج له من خلال بطولات سينمائية حملت اسمه، كانت كوميدية في ظاهرها، ولكنها تدعو شباب مصر للتطوّع في خدمة نظام العهد، ومنها: إسماعيل ياسين في الجيش، إسماعيل ياسين في البوليس، إسماعيل ياسين في البحرية، إسماعيل ياسين في الطيران... وإلى آخر ما هنالك من أعمال سينمائية تولّى بطولتها في خمسينيات وستينيات القرن المنصرم، وكلها تؤيّد ثورة عبد الناصر وتدعو إلى دعمها وتأييدها؟!
ويستمر إسماعيل ياسين بالحديث، ولأول مرّة، عن هذا الموضوع، فيقول:
- يبدو ان هذا «الهمس» الشيطاني وجد أذاناً صاغية لدى بعض الحاسدين، فكان قرار المحاصرة الفنية والملاحقة الضرائبية، علماً بأنني لم أفكر يوماً بأن أكون في صفوف معارضة النظام الحاكم الجديد في مصر، بل العكس هو الصحيح، فقد كنت من أوائل المرحّبين به، والداعمين له، على اعتبار انه امتداد لعصر الراحل جمال عبد الناصر.
وحول موضوع «الضرائب» فقد ذكر لي إسماعيل ياسين ان المحاسب المعتمد من قبله أبرز لمصلحة الضرائب كافة العقود السينمائية والمسرحية وكلها تؤكّد ان الضرائب على عاتق جهات الانتاج، ما يعني - ملاحقتي - والحديث للفنان الكبير - ضرائبياً كانت ظلماً وافتراء ولأسباب سياسية بحتة؟!
وتمرُّ الأيام وصولاً للعام 1972، والنجم إسماعيل ياسين يتنقل في السينما اللبنانية المحدودة الإنتاج، من دور تم حشره فيه في فيلم هنا، إلى آخر هناك، حتى إذا ما دخل شهر 2، من العام المذكور، جاءه الخبر اليقين بأن الضرائب «خفّفت» قيودها عليه، ورفعت الحجز عن الفيللا التي يسكنها في حيّ الزمالك، وأيضاً، عن مطعم «الفول والطعمية» الذي اسّسه منذ سنوات الخمسينيات في وسط القاهرة، كما ان المسؤولين في الدولة تأكّد لهم ان ما نقل عنه كان إخباراً كاذباً ولا أساس له من الصحة، وبالتالي، أصبح بإمكانه العودة الكريمة، والعمل بحرّية..
بل أكثر من ذلك، فقد تمّ إبلاغ النجم الكبير إسماعيل ياسين، ان الرئيس السادات قرّر تكريمه في عيد الفنانين لمناسبة ثورة 23 يوليو.
فكان ان سارع النجم الكبير إلى الاتصال بي، ناقلاً بسعادة الخبر، ومؤكداً أن عودته ستكون في خلال أسبوع على الأكثر.
وفي الموعد المحدد، انتقلت إلى الشقة المفروشة التي كان يسكنها إسماعيل ياسين وعائلته، ونقلتهم إلى مطار بيروت، مودّعاً، ومتمنياً لهم سفراً سعيداً وإقامة متجدّدة هنيئة، على أمل اللقاء في القاهرة في أوّل فرصة سانحة..
تمرُّ الأشهر، وصولاً إلى شهر فبراير/ شباط من العام 1972، وأغادر أنا إلى القاهرة بمهمة مهنية، وكان لا بدّ لي من الاتصال بالفنان الكبير الذي رحّب بي وبزيارتي، ودعاني لتناول العشاء مع الأسرة...
دخلت «الفيللا»، وكانت على وضعها المعلوم، ولم يطرأ عليها أي تبديل سوى في المفروشات التي أصبحت شبه بالية، ولأنني كنت أعلم بالأوضاع المالية التي مرَّ بها الفنان الكبير، تغافلت عن الأمر، وسألته عن صحته وأنا أدري انه يُعاني من «مرض الملوك» (النقرس) الأمر الذي كان يتسبب له بالألم والوجع.
تناولنا العشاء، وهممت بالإنصراف، إلا ان النجم الكبير أصرّ على دعوتي لقضاء السهرة في المكان الذي يعمل فيه ليلاً، وهو ملهى شعبياً يقع في حيّ «التوفيقية» الشعبي، وإسمه «علي بابا»؟!
في الحقيقة. توقعت أن يدعوني إلى استوديو سينمائي يصوّر فيه أحد الأفلام، أو إلى مسرح يعرض على خشبته إحدى مسرحياته الشهيرة، ومع ذلك، تغاضيت عن الأمر، وتوجّهنا سوياً إلى ملهى «علي بابا» بعدما سألت إسماعيل ياسين ان كان العقد المبرم مع إدارة الملهى يستحق عذاب النزول ليلياً من المنزل، فردَّ، بان ما يتقاضاه من الملهى، مع ما يدرّه عليه مطعم «الفول والطعمية» يوفّران له دخلاً معتدلاً يقيه شر العوز..
في مكان متقدّم في داخل الملهى الليلي الشعبي، حجز لي إسماعيل ياسين - بإصرار - طاولة، وكل ما طلبته يومذاك كان فنجاناً من القهوة وزجاجة مياه... وفي اللحظة التي كان مذيع الملهى يعلن عن فقرة «نجم السينما والمسرح وملك الكوميديا إسماعيل ياسين»، صعد الفنان إلى المسرح وبدأ بتقديم مونولوجات خفيفة، ظريفة، انتقادية، اجتماعية، على وقع خطوات فرضت عليه أحياناً «النطنطة» وغير ذلك، وسط تصفيق الحاضرين وضحكهم المتواصل، لكن وسط ألم كان يعتصرني وأنا أشاهد هذا الفنان الكبير الذي فرض حضوره على شاشات السينما على مدى أكثر من عشرين عاماً، أراه وقد انتهى به المطاف في ملهى شعبي يدعى «علي بابا» في حيّ التوفيقية الشعبي يغني المونولوجات ويرقص على أنغامها وذلك حفاظاً على رزق يصون له أسرته، ويمنع عنه العوز وهو في نهايات العمر...
عدت إلى بيروت، بعدما ودعت الأسرة الياسينية، وتمنيت لها دوام الصحة والرزق، على أمل أن أعود لأبارك لكبيرها التكريم الموعود في شهر يوليو - تموز، لكن القدر شاء لهذا الممثل الكبير أن يرحل فجأة عن دنيانا في 24 أيار/ مايو 1972 أي قبل موعد تكريمه بشهرين تقريباً .. رحمه الله؟!



أخبار ذات صلة

إعتصام للجنة أهالي المخطوفين: تشكيل الهيئة المستقلة دليل إستعادة الثقة [...]
سيدات لبنان يهزمن نظيراتهن الإيرانيات في الأردن
تقرير يكشف 2726 انتهاكاً حوثياً لحقوق الانسان في 6 أشهر