بيروت - لبنان 2018/11/14 م الموافق 1440/03/06 هـ

لتحصيل السعادة: اقضِ المزيد من الوقت مع الناس ووقتاً أقل مع هاتفك

حجم الخط

أصبح المراهقون أقل سعادةً ورضاً عن حياتهم مما كانوا عليه منذ خمس سنوات فقط. السؤال هو: لماذا؟

حاولنا في ورقة بحثية حديثة ، وفي كتابي iGen الإجابة على هذا السؤال باستخدام نوعين من الأدلَّة: في النوع الأول، نظرنا في التسلسل الزمني للتغيرات الثقافية في نفس التوقيت (أولاً من 2011 إلى 2015)، وانتهت النتيجة إلى أنَّ مستوى رفاه المراهقين انخفض فجأة في الفترة التي انتشرت فيها الهواتف الذكية (2011-2012). وفي النوع الثاني، نظرنا في الارتباط بين مدة استخدام المراهقين للهواتف الذكية وبين مستوى سعادتهم . ركزنا على الأنشطة التي اختلفت شعبيتها وانتشارها بمرور الزمن، ويمكن تصنيفها بسهولة إلى أنشطة متعلقة بالشاشة وأنشطة غير متعلقة بالشاشة. على سبيل المثال يقضي «جيل ما بعد الألفية» أو الجيل i (مواليد 1995 وما بعدها) وقتاً أقل مع أصدقائهم وجهاً لوجه، أو في حضور المناسبات الدينية ، بينما يقضون وقتاً أطول على الإنترنت. وفي قائمة الأنشطة تلك وجدنا أن كل نشاط مرتبط بالشاشة كان مرتبطاً بانخفاض مستوى السعادة، وكل نشاط غير مرتبط بالشاشة كان مرتبطاً بسعادة أكثر.

لكن هذا ترك لنا سؤالاً آخر مثيراً بلا إجابة: ما الرابط بين السعادة والأنشطة التي كانت ثابتة تقريباً على مر السنين، أو بالأنشطة التي لا يمكننا تصنيفها بوضوح باعتبارها أنشطة مرتبطة أو غير مرتبطة بالشاشة؟ ربما يكون من المهم أن نلقي نظرة أشمل على أنشطة المراهقين وسعادتهم. (ملحوظة: ليس المقصود مما هو قادم اختبار فرضيات، بل هي تكهنات بعدية حول أسباب ارتباط بعض الأنشطة دون غيرها بالسعادة).

نتائج أحدث دراسة حول ارتباط الأنشطة بالسعادة

إليكم نتائج الدراسة المسحيّة التي أجريت على عيّنة تمثل المراهقين الأميركيين وحملت عنوان «Monitoring the Future» وامتدت في الفترة من 2013 إلى 2016 لما قاله طلاب الصفين الثامن والعاشر عن سعادتهم، وكانت الدراسة مضبوطة بمعايير العرق والجنس و تعليم الأم، والمرحلة الدراسية. تنقسم هذه القائمة والتي تعد أشمل مما تناولته الورقة البحثية، إلى أنشطة عادة ما يمارسها المراهقون على هواتفهم (الأعمدة الحمراء)، وأنشطة يمارسونها دون هواتفهم (الأعمدة الخضراء). يختلف هذا قليلاً عن تصنيف الأنشطة حسب ارتباطها بالشاشة من عدمه، ولكن هناك قدراً كبيراً من التداخل. (هذه التصنيفات أيضاً غير دقيقة بأي حال من الأحوال، فعلى سبيل المثال «قضاء وقت الفراغ وحيداً» لا يعني بالضرورة استخدام الهواتف أو الأجهزة ولكن عادة ما يكون كذلك مع الجيل i، كما أنّ «الصحافة المطبوعة» مثل المجلات، تقرأ أحياناً على الهواتف).

 
 
المراهقون يقضون أغلب أوقاتهم على هواتفهم النقالة

يتضح تكرار النمط نفسه مرة أخرى: حيث ترتبط كل أنشطة الهاتف تقريباً بمستوى أقل من السعادة، وكل الأنشطة البعيدة عن الهاتف تقريباً بمستوى أعلى من السعادة. ولكن يوجد استثناءان اثنان، مقدار السعادة المرتبطة بهما تصل إلى (0.01) أو أقل، وهما مشاهدة التلفاز (والتي تكون في بعض الأوقات مرتبطة بالهاتف، وفي أوقات أخرى غير مرتبطة) مرتبط بأقل مستوى من السعادة، والعمل في وظيفة مدفوعة (عادة ليس من أنشطة الهاتف) غير مرتبط بالسعادة أي أنه سجّل (R=.00). وتبينّ أن هناك نشاط لا يعتمد على الهاتف ولكنه يعتمد على الشاشات مرتبط بالسعادة بمقدار (0.03) وهو صالات ألعاب الفيديو (وإن كنت غير متأكدة مما إذا كان معظم المراهقين لا يزالون يعرفون ما هي صالة ألعاب الفيديو، وعادة ما يكون الذهاب لصالة ألعاب الفيديو نشاطاً اجتماعياً).

كيف تسمع الموسيقى.. هذا هو السؤال

انظر إلى أسفل الرسم البياني، ستجد أن الاستماع للموسيقى سجل أشد ارتباط بغياب السعادة. قد يبدو لك هذا غريباً للوهلة الأولى، ولكن فكِّر في كيفية استماع المراهقين للموسيقى هذه الأيام. يسمعونها على هواتفهم، في سماعات يلصقونها بآذانهم بإحكام. وعلى الرغم من أنَّ الاستماع إلى الموسيقى ليس وقتاً يُقضى مع الشاشة في حد ذاته، ولكنه نشاط هاتفي بالنسبة للغالبية العظمى من المراهقين. يسعى المراهقون الذين يسمعون موسيقى لساعات طوال عادة إلى إغلاق جميع النوافذ المؤدية إلى العالم الخارجي، والانعزال ببراعة في شرنقة صوتية.

إذا لم تكن من أبناء جيل ما بعد الألفيِّة، فربما تظن أنّ «سماع الموسيقى» يعني تشغيل الراديو في السيارة، أو سماع الإسطوانات المدمجة مع الأصدقاء، أو تشغيل جهاز مسجِّل الصوت المجسم أمام الفتاة التي تحبها. ولكننا لم نعد في عام 1977 (ولا حتى 1997)، ولم يعد سماع الموسيقى يعني أن تدعو أصدقاءك للاستماع للتسجيلات الطويلة لفرقة Eagles الأميركية، أو أسطوانات فرقة Nirvana الأميركية. بل أصبح يعني عادة أن يعزل المراهق نفسه في غرفته أو باستخدام سماعات الأذن كدرع ليحتمي به من التواصل الاجتماعي. تعد سماعات الأذن الوسيلة الأكثر فاعلية حتى الآن لتوصيل رسالة ضمنية غير منطوقة مفادها «لا تحاول الحديث معي».

نوم أكثر.. سعادة أكثر

وأوثق الأنشطة ارتباطاً بالسعادة هو النوم ؛ إذ إنّ المراهقين الذين يقولون إنهم ينامون أكثر من 7 ساعات في معظم الليالي أكثر سعادةً من نظرائهم ممن لا يحظون بذات القدر من النوم. وهذا منطقيَّ بالتأكيد؛ فالحرمان من النوم عامل خطورة رئيسي للتعرض لمشكلات الصحة النفسية والبدنية. لسوء الحظ ينام المراهقون هذه الأيام وقتاً أقل مقارنة بمراهقي الأجيال السابقة ، غالباً بسبب قضاء وقت أطول في استخدام هواتفهم والأجهزة الأخرى.

اقض وقتك مع الناس.. ذلك أفضل جداً

هناك طريقة أخرى للنظر إلى هذا الرسم البياني؛ باستثناء النوم، تعد الأنشطة التي عادة ما تتضمن الوجود مع أشخاص آخرين هي الأوثق ارتباطاً بالسعادة، والأنشطة التي تتضمن الوحدة هي الأشد ارتباطاً بعدم السعادة. ربما يفسر هذا ارتباط الموسيقى التي يسمعها معظم المراهقين وحيدين بعدم السعادة، بينما يرتبط الذهاب للحفلات الموسيقية -مع أشخاص آخرين- بالسعادة. ومن ثم فليست الموسيقى هي المرتبطة بعدم السعادة، وإنما الطريقة التي نستمتع بها إليها. ثمة مواضع للغموض في هذا السياق. فالتحدث عبر الهاتف أو محادثات الفيديو يرتبطان بعدم السعادة، ربما لأنَّ التحدث عبر الهاتف -على الرغم من كونه سلوكاً اجتماعياً- ليس مشبعاً مثل التواجد مع الآخرين على أرض الواقع، أو لأنهما نشاطان هاتفيان حتى لو لم يكن ذلك نشاطاً متعلقاً بالشاشة، بالمعنى الحرفيّ للعبارة. وكذلك فإنّ العمل في وظيفة، عادةً مع أشخاصٍ آخرين، يعد نشاطاً محايداً. ربما لأنَّ معظم الوظائف التي يحصل عليها المراهقون ليست مرضية بالقدر الكافي.

ولأن هذا تحليلٌ ترابطيّ، لا يمكننا أن نعرف ما إذا كانت تلك الأنشطة تسبب السعادة، أم أنَّ السعادة تدفع المراهقين للمشاركة في تلك الأنشطة، أو أنّ كلا الأمرين ينطبق على أبناء جيل ما بعد الألفيِّة. تشير دراسات أخرى إلى أن بعض -أو معظم- العلاقة السببية يأتي من أنشطة متعلقة بالهاتف (قضاء الوقت على شبكات التواصل الاجتماعي، قضاء الوقت على الإنترنت) وينتهي إلى غياب السعادة؛ وليس العكس. تتناول تلك الدراسات نفس الأشخاص على مر الزمن، أو تضع ظروفاً معينة لمجموعة عشوائية من الناس، مما يساعد على استبعاد المتغيرات الثالثة.

توفر هذه القائمة الأشمل من الأنشطة وما يربطها بالسعادة نتائج أكثر دقة وتبياناً للفروق الصغيرة، أكثر من القائمة الأقصر، لكن الاستنتاج الأساسي مازال هو نفسه وهو أن الأنشطة التي تتضمن التواجد مع الآخرين وجهاً لوجه (مثل التفاعل الإجتماعي -أو المناسبات الدينية- أو العمل التطوعي- أو حتى الذهاب إلى السينما) مرتبطة بتحقيق مستوى أعلى من السعادة. والأنشطة التي تقتضي أن يكون المراهق وحيداً أو مع هاتفه مثل (مثل استخدام شبكات التواصل الإجتماعي، أو الإنترنت، أو الاستماع للموسيقى، أو البقاء وحيداً) مرتبطة بمستوى أقل من السعادة. بمعنى آخر، إذا كنت تبحث عن السعادة، اقضِ المزيد من الوقت مع الناس ووقتاً أقل مع هاتفك.



أخبار ذات صلة

توقعات الأبراج ليوم الثلاثاء 13/11/2018
أفراد العائلة الملكية خلال احفل ذكرة الحرب العالمية الأولى
لماذا وقفت ميغان بعيدا عن العائلة الملكية في ذكرى الحرب [...]
"عضة قط" تودي بحياة سائح بريطاني في المغرب