بيروت - لبنان 2019/11/17 م الموافق 1441/03/19 هـ

رمضان دمشق.. "تقشّف" ودعوات خجولة على موائد الافطار

حجم الخط

تنعكس الازمة الاقتصادية التي تعصف بسوريا على المواطنين بكافة فئاتهم، بفعل الحرب القاسية التي ضربت البلاد وشردت العباد، ليحل رمضان ضيفا على المسلمين العاجزين عن شراء ابسط احتياجاتهم لموائد الفطور او السحور التي لطالما كانت عامرة فيما مضى، على مدار الشهر الكريم قبل اندلاع الازمة.

ووسط أحد أشهر أسواق دمشق الشعبية، تحديدا سوق باب سريجة"، يعاين الصائمون المنتجات والسلع المعروضة من دون أن يشتروا.

رمضان من الحرب إلى "التقشف"
من جهته يتحسر أبو أنس الحجازي، الذي يبلغ 45 عاما من العمر، ويعمل ضمن فرقة فولكلورية للاحتفالات الشعبية والأفراح، على سنوات كانت فيها مائدته الرمضانية مضافة للأقرباء والأصدقاء، بينما يجد نفسه اليوم مضطراً للتقشف في مصروفه.

اعتاد أبو أنس، خلال شهر رمضان "على إقامة الموائد ودعوة العائلة والأصدقاء لتناول الإفطار ست أو سبع مرات على الأقل. لكنني بتّ أدعوهم مرة أو مرتين على الأكثر".

ويضيف "استبدلنا اللحم هذه السنة بالدجاج، وبتنا نقدم وجبات صغيرة بدلاً من الموائد الكبيرة"، مضيفاً "لا يبقى شيء على حاله، انتهى رمضان الحرب وبدأ رمضان التشقف".

مع توقف عمل فرقته مؤقتاً خلال شهر رمضان، يتراجع دخل أبو أنس الذي يصف مائدة افطاره بـ"الفقيرة" بعدما تغيرت مكوناتها، جراء ظروفه الصعبة بعد ثماني سنوات من الحرب.

تحت خط الفقر
وأنهكت الحرب منذ اندلاعها في العام 2011 الاقتصاد السوري واستنزفت موارده وأدت الى تدهور الليرة السورية. ورغم أن القوات الحكومية باتت تسيطر على أكثر من ستين في المئة من مساحة البلاد، إلا أن مناطق سيطرتها تشهد أزمات معيشية عدة جراء ارتفاع بدلات الإيجار وتفشي البطالة وقلة فرص العمل وتراجع القيمة الشرائية.

وترزح الشريحة الأكبر من السوريين تحت خط الفقر، وفق الأمم المتحدة.

وعلى غرار أبو أنس، تشكو رباح عمار البالغة (52 عاماً) من الوضع الاقتصادي الصعب، موضحة أنها ادخرت القليل من المال طيلة الأشهر الماضية لإنفاقها خلال رمضان.

وتقول السيدة المقيمة في منطقة السيدة زينب في جنوب دمشق:"أنزل إلى سوق باب سريجة لأنه شعبي وأسعاره أقل من الأسواق الأخرى، ويمكن أن أجد البضاعة المخصصة للطبقات المحدودة".

وتتحايل السيدة التي حملت كيساً فيه بعض الخضار والفواكه، على غلاء أسعار بعض السلع، مؤكدة أنه "عندما كان سعر البازلاء مرتفعاً استبدلناها بالفول لأن ثمنه أقل، واليوم بما أن سعر اللحم مرتفع نحشو الكوسى بالأرز".

قدرة شرائية ضعيفة
ويزدحم سوق باب سريجة بالمحال والعربات والبسطات الممتدة على الأرصفة، ويكتظّ كذلك برواده الذين يقفون مطولاً أمام الواجهات.

بدوره يجلس طلال شوقل (51 عاماً) بين صناديق الخضار الطازجة، ويجول بناظريه على رواد السوق، آملاً أن يدخل الزبائن.

ويؤكد أنه بعدما أمضى نصف ساعة وحيداً في دكانه "انخفضت أسعار الخضار هذا العام مقارنة مع السنوات الماضية، بعدما فتحت الطرق باتجاه الغوطتين الشرقية والغربية، وبات وصول المنتجات الزراعية سهلاً".

ويضيف "لكن سوء الحظ، رغم انخفاض الأسعار، لا يملك الناس المال الكافي للشراء".

سيطرة النظام
وأدت استعادة القوات الحكومية سيطرتها على مناطق واسعة في ريف دمشق إلى عودة جزئية للمزارعين وبعض السكان إلى منازلهم وأراضيهم خلال العام الماضي. وساعدت الأمطار الغزيرة في إنعاش التربة الخصبة التي تشتهر بها غوطة دمشق. وبدأ الفلاحون يبيعون منتجاتهم في أسواق العاصمة، ما أدى إلى انخفاض الأسعار.

من جتنبه يحاول أبو عماد في محل قريب، أن يغري العابرين بلون حبات الطماطم الحمراء بعد رشها بالمياه، ويلفت إلى أن "الغلاء يشمل المنتجات المستوردة وليس المحلية".

كما يشكو محمد عماد قبيسي، وعلى غرار البائعين، الذي يكسب قوته اليومي من إيصال أغراض رواد السوق في عربة حديدية صغيرة يجرها، من قلّة الزبائن.

ويروي الرجل الستيني الذي لا يكترث لعمره أو انحناءة ظهره، "كنت أمضي نهاري في نقل أغراض الزبائن إلى الشارع الرئيسي كي يستقلّوا سيارة أجرة، أما اليوم فأقف وقتاً طويلاً بانتظار أن يناديني زبون ما".

وبات المتسوقون بغالبيتهم "يحملون كيساً أو اثنين على الأكثر، ويمكنهم أن يحملوها من دون الحاجة لمساعدتي"، على حدّ قوله.

وعلى غرار كثيرين، لا يتمكن قبيسي من تأمين كافة حاجياته وعائلته، إذ "يمكن فقط لمن يملكون المال أن يشتروا ما يشاؤون".

الدعاء بدل المال
وساهمت أزمة المحروقات التي ضربت دمشق ومناطق أخرى تحت سيطرة الحكومة السورية في الشهرين الماضيين في زيادة أسعار بعض السلع والمنتجات نظراً لارتفاع كلفة نقلها.

وألقى مسؤولون حكوميون مراراً المسؤولية في أزمة الوقود على العقوبات الاقتصادية التي تفرضها دول عربية وغربية على سوريا، ما يحول دون وصول ناقلات النفط. وفاقمت العقوبات الأميركية الأخيرة على طهران من حدة الأزمة، إذ تعتبر إيران من أبرز حلفاء دمشق.

ويرتّب أبو عمر الذي يبلغ من العمر (60 عاماً) على عربته، الخيار والكوسى، فيضع الحبات الكبيرة قرب بعضها البعض، ويعرض الحبات الصغيرة المرغوبة أكثر بشكل واضح في المقدمة.

ويوضح "ولدتُ في هذا السوق، وأعمل فيه منذ كنت في العاشرة من عمري (..) هذه أول سنة يأتيني زبائن يطلبون شراء الخضار بالحبة الواحدة.. هذا الأمر لم نعتده في سوريا من قبل".

ونزح أبو عمر من بلدة المليحة في الغوطة الشرقية عام 2012، وعاد إليها العام الماضي ليجد منزله مدمراً، ما اضطره لاستئجار منزل آخر في مدينة جرمانا بضاحية دمشق.

ويعبر بتأثر "أتفهم ظروف الناس جيداً.. فأنا اضطررتُ لبيع سيارتي كي أتمكن من تحمل نفقات الحياة".

ويتابع "يأتيني أحياناً زبائن يطلبون ثلاث حبات من الكوسى فقط، أعطيهم إياها وأطلب منهم الدعاء بدل (دفع) المال".

ويبقى المواطن في سوريا "المتضرر الوحيد"، تحت رحمة الازمة بما تحمله معها من فقر وضائقة في المعيشة وحسرات على بلاد انهكتها الحرب، وحرمت شعبها ادنى مقومات الحياة الكريمة.
المصدر: موقع "اللواء" + أ ف ب 


أخبار ذات صلة

المتحدث باسم هيئة رئاسة البرلمان الإيراني: بناء على تصريحات المرشد [...]
العربية: عودة العمل في ميناء أم قصر في البصرة في [...]
التحكم المروري: جريح نتيجة تصادم بين سيارة ودراجة نارية على [...]