4 تموز 2020 12:03ص جرائم الاستيلاء خفية على ودائع المقيمين والمغتربين

حجم الخط
يرجى من كل مَنْ يقرأ هذا المقال أن يقرأه بكل عناية، وأن يطلب الى معارفه جميعاً أن يقرؤوه جيداً، وأن يبني كل منهم عليه الاستنتاجات التي يراها مناسبة. ومَنْ يعرف منهم نائباً عاماً أو قاضي تحقيق فليعطه نسخة عنه على سبيل الإخبار، فإنه قد يكون واحداً من ملايين ضحايا جرائم الاستيلاء خفية على ودائع اللبنانيين المقيمين والمغتربين والسوريين وسائر سيئي الحظ من الذين استأمنوا النظام المصرفي اللبناني الذي يجلس على عرشه مصرف لبنان فتعرضوا للسرقة ولإساءة الامانة.

يوم الجمعة في 22 حزيران 2020 نشرت جريدة «فايننشل تايمز» البريطانية العالمية مقالاً تحت عنوان «صندوق النقد الدولي يقدّر وجود خسائر بقدر 49 مليار دولار في مصرف لبنان ».

وجاء في مطلع المقال المذكور، إنّ مصرف لبنان لا ينشر حساباته، فيكون الصندوق قد قدّر تلك الخسائر تقديراً.

ولكن تلك الخسائر ليست المُصيبة الوحيدة من مصائب المصرف المركزي، وبالتالي الشعب اللبناني، بل إنّ ودائع المصارف بالدولار لديه، وهي تؤلّف شطراً كبيراً من ودائع الناس لدى المصارف، قد تبخرت في معظمها.

أما الشطر الآخر من الودائع في المصارف، فإن ما كان منها بالدولار الأميركي قد تحوّل إلى دولارات وهمية، وأما الشطر من الودائع بالليرة اللبنانية، فإنّها تفقد قيمتها بسرعة فائقة بإتجاه العدم.

وإنّ تبخّر وزوال ودائع الناس التي استأمن أصحابها النظام المصرفي اللبناني عليها تؤلّف جرائم مستقلة تُضاف إلى جرائم إضاعة الأموال بالوقوع في الخسائر التي قدّرها صندوق النقد الدولي وقرّرتها جريدة «فايننشل تايمز».

وهي الودائع التي تظهر على الميزانية المجمّعة للمصارف اللبنانية بما مجموعه 220 ألف مليار ليرة لبنانية، المعادل بسعر الصرف الذي روّجه مصرف لبنان 146 مليار دولار أميركي.

وإليكم تفاصيل الوقائع الثابتة بالمستندات عن الاأعال الجرمية المنوّه عنها.

في الوقائع

1- هل صحيح ما جاء في «فايننشل تايمز» من أنّ مصرف لبنان لا ينشر حسابات أرباحه وخسائره؟

2- نعم، فإنّ مصرف لبنان خالف بصورة متمادية المادة 117 من قانون النقد والتسليف التي نصت على الآتي: «يقدّم حاكم مصرف لبنان لوزير المالية قبل 30 حزيران من كل سنة الميزانية وحساب الارباح والخسائر عن السنة المنتهية وتقريراً عن عمليات المصرف خلالها.

تنشر الميزانية والتقرير في الجريدة الرسمية خلال الشهر الذي يلي تقديمها لوزير المالية، وينشر بيان وضع موجز كل 15 يوماً».

3- ولمّا لم يتم نشر أي ممّا تقدّم، ما عدا بيان الوضع الموجز كل 15 يوماً، فإنني وجهتُ الى وزير المالية في 16 نيسان 2020 كتاباً مضموناً مع الإشعار بالاستلام مع صورة عنه إلى كل من رئيس الجمهورية، ورئيس مجلس الوزراء، ورئيس مجلس النواب، أعلمته فيه برغبتي، سنداً للمادة 117 المذكورة، في الاطلاع على ميزانية مصرف لبنان وحسابات الارباح والخسائر المتعلقة بها عن السنوات العشر السابقة، وبالتالي اعطائي صوراً عنها والايعاز بنشرها في الجريدة الرسمية.

4- تبلّغ كل من الوزير ورئيس الوزراء كتابي المذكور في 29 نيسان 2020 وتبلغه رئيس الجمهورية في 30 نيسان 2020 ولم يتبلّغه رئيس مجلس النواب ابداً (إشعارات الاستلام موجودة في حوزتي، وأنا حاضر لإطلاع مَنْ يشاء عليها).

5- لم أتلق بعد أي رد من أي من المذكورين.

6- وكنتُ قد نشرتُ في 24 نيسان 2020 مطالعة طالبت فيها بإجراء تدقيق استقصائي جنائي forensic audit لحسابات مصرف لبنان نوهت فيها بمخالفة المصرف لواجباته عملاً بالمادة 117 من قانون النقد والتسليف.

7- وعشية 29 نيسان 2020، ظهر حاكم مصرف لبنان على شاشات التلفزيون ملقياً خطاباً طويلاً مليئاً بالأخطاء والثغرات التي لا مجال لتفنيدها جميعاً في هذا المقال. بل انني اكتفي لأغراض موضوعه، أن أشير الى المقتطفات التالية منه، كما نشرتها الوكالة الوطنية للاعلام. فجاء على لسان الحاكم في إطلالته التلفزيونية: «البنك المركزي ينشر ميزانياته كل 15 يوماً ويضمّنها ملاحظات نضعها من اجل الشفافية... البنك المركزي ينشر اسبوعياً الكتل النقدية وينشر في الجريدة الرسمية نتائج حساباته ويمكن الرجوع اليها من 2006 الى 2014 موجودة في العدد 4 بتاريخ 28/1/2016. اما نتائج 2015 ففي العدد 36 بتاريخ 14/7/2016 ونتائج 2016 في العدد 29 بتاريخ 29/6/2017 ونتائج 2017 من العدد 29 في 28/6/2018 ونتائج 2018 في العدد 31 في 20 حزيران 2019. انا اردت ان اؤكد اننا ننشر حساباتنا بعدما سمعناه في هذا الموضوع والكلام غير الصحيح الذي صدر».

وأضاف: «أنا سلّمتُ شخصيا إلى رئيس الحكومة في 9 آذار 2020 بتوقيعي حسابات البنك بالاضافة الى حسابات التدقيق وهناك شركتان دوليتان تدقق في حسابات مصرف لبنان منذ 1993 وتصدر بياناتهما سنوياً. كذلك سلمته حسابات ديلويت من سنوات 2015 - 2016 و2017 ونحن بانتظار انتهاء الشركات من تدقيق 2018... هذه الحسابات جرى تسليمها الى وزير المال وكذلك وبطلب من رئيس الحكومة ووزير المال الى نائب رئيس مجلس الوزراء...

في 24/4/2020 في ميزانياتنا هناك سيولة يمكن استخدامها بقيمة 20 مليارا و894 مليون دولار علماً ان المصرف كان لديه ارقام اكبر قبل لكن حصل انفاق 863 مليون دولار صرفت على استيراد المواد الاولية ودفع ديون واكلاف الفيول ومصاريف على الدولة وهذا يشكل 843 مليون دولار، اي 863 مليوناً للقطاع الخاص لإراحة اللبنانيين في موضوع البنزين والمازوت والادوية والقمح و843 مليون دولار صرفت للفيول وغير امور لها علاقة بالدولة.

ونحن أقرضنا المصارف 8 مليارات دولار. الفرق الموجود في ميزانيتنا هو اليوروبوند الذي يساوي 5 مليارات دولار...».



8- والطريف أنّ العنوان الذي اختارته الوكالة الوطنية للإعلام للخطاب هو: «سلامة موّل الدولة ولم يصرف هو الأموال والودائع موجودة ». 

وأردف: «لا زالت أموال المصارف موجودة. ونحن نطمئن اللبنانيين ونؤكد لهم ان ودائعهم موجودة وهي في القطاع المصرفي وتستعمل ».

9- فأين هي ودائع اللبنانيين إن كانت موجودةً كما يؤكد الحاكم؟ أم إنّها في الحقيقة غير موجودة أو بحكم غير الموجودة ؟

الأرقام تتكلم هذا إن كانت صحيحة!

10- ليس صحيحاً، كما جاء على لسان الحاكم، أنّ «البنك المركزي» ينشر ميزانياته كل 15 يوماً أو إنه «ينشر في الجريدة الرسمية نتائج حساباته»، بل من الثابت أنّه ثابر على إخفاء تلك الحسابات ونتائجها.

11- فإنّ ما نُشِرَ في العدد 4 من الجريدة الرسمية تاريخ 28/1/2016 هو تقرير واحد عن تسعة اعوام ويحمل عنوان: «مصرف لبنان .. التقرير المعد عن عمليات مصرف لبنان وميزانياته بين العام 2006 و2014».

12- وهو يتألف من 18 صفحة ليس فيها من ميزانية أو نتائج حسابات او حساب الارباح والخسائر. وإن ما جاء فيها من أرقام احتل الصفحتين الاخيرتين منه فحسب تحت عنوان: «جدول مقارنة للميزانية العمومية من سنة 2006 حتى 2014».

13- أما ما نُشِرَ في العدد 36 من الجريدة الرسمية تاريخ 14/7/2016، فإنه يحمل عنوان: «مصرف لبنان مديرية الشؤون الخارجية مشهد السياسة النقدية لمصرف لبنان للعام 2015»، وهو يتألف من 7 صفحات وتحمل الصفحتان الاخيرتان منه عنوان: «قائمة المركز المالي كما في 31/12/2015 «، دون أي ميزانية أو نتائج او حساب ارباح وخسائر.

14- وإنّ ما نُشِرَ في العدد 31 من الجريدة الرسمية تاريخ 29/6/2017 فإنه يحمل عنوان: «مشهد السياسة النقدية لمصرف لبنان للعام 2016 «، وهو يتألف من 12 صفحة تحمل الصفحتان الأخيرتان منه عنوان: « قائمة المركز المالي كما في 31/12/2016 «، دون أي ميزانية أو نتائج او حساب ارباح وخسائر.

15- أما ما نُشِرَ في العدد 29 من الجريدة الرسمية تاريخ 28/6/2017 فإنه يحمل عنوان: «التقرير السنوي حول السياسة النقدية لمصرف لبنان للعام 2017 «، ويتألف أيضاً من 12 صفحة تحمل الصفحتان الاخيرتان منها عنوان: «قائمة المركز المالي كما في 31/12/2017»، دون أي ميزانية أو نتائج أو حساب أرباح وخسائر.

16- وأما ما نُشِرَ في العدد 31 من الجريدة الرسمية تاريخ 20/6/2019 فإنه يحمل عنوان: «التقرير السنوي لمصرف لبنان للعام 2018 «، ويتألف من 16 صفحة تحمل الصفحتان ما قبل الاخيرة منه عنوان: «قائمة المركز المالي كما في 31/12/2018 «، دون أي ميزانية أو نتائج او حساب ارباح وخسائر.

17- ولا يمكن أنْ تؤلّف المنشورات المذكورة بأي حال من الاحوال الميزانية والنتائج وحساب الارباح والخسائر لمصرف لبنان.

18- وإنّ ما تمَّ نشره فعلاً هو بيان الوضع الموجز المؤلّف من صفحة واحدة والذي كان نشره في الجريدة الرسمية يتم كل 15 يوماً.

19- وقد استقيتُ من البيان المذكور منذ العام 2009 وحتى آخر أيار من العام 2020 الجاري المعلومات التي وضعتها في الجدول المرفق الذي يقارن موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية (الدولار) بمجموع ودائع المصارف اللبنانية لديه. وهي تدل بكل اختصار على الآتي:

أولاً: حقيقة مصير دولارات المودعين في مصرف لبنان

20- بادئ ذي بدء، لم تودع المصارف اللبنانية لدى المصرف المركزي الاموال الخاصة لإعضاء مجلس ادارتها ومساهميها. بل إنّها أودعت جلّ اموال المودعين لديها التي تتألف بنسبة 70 % منها على الاقل من دولارات من عملة الولايات المتحدة الأميركية.

21- فقد بلغت موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية (أي الدولار) في نهاية العام 2009 42,656,933,0366,000 ليرة لبنانية ما يعادل 28 مليار دولار بسعر الصرف الذي اعتمده مصرف لبنان مع المصارف وهو ليس بسعر الصرف الرسمي العمومي. اما ودائع المصارف لدى مصرف لبنان فبلغت 64,440,860,830,000 ليرة لبنانية ما يعادل، بذات السعر الذي يعتمده مصرف لبنان، 38 مليار دولار أميركي. كل ذلك كما يبينه بيان الوضع الموجز للمصرف في 31/12/2009 المنشور في عدد الجريدة الرسمية رقم 2 تاريخ 14/1/2010. وبإعتماد 70 % كنسبة للودائع بالدولار الأميركي، في غياب اية ارقام اخرى كانت لتتبين لي لو كنت اطلعت على ميزانيات مصرف لبنان، فإن الودائع بالدولار الأميركي تكون بلغت 26،60 مليار دولار أميركي، أي ما يقل عن موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية (أي الدولار) بمليار ونصف المليار دولار.

22- أما في 31 أيار 2020 (كما يبيّن بيان الوضع الموجز لمصرف لبنان المنشور في العدد 25 من الجريدة الرسمية تاريخ 11 حزيران 2020) فإن الموجودات الاجنبية لمصرف لبنان بلغت 42,945,000,000,000 ليرة لبنانية اي ما يعادل 28 مليار دولار في حين ان مجموع ودائع المصارف لديه بلغ بحسب بيانه 169,091,685,512,000 ليرة لبنانية ما يعادل، بذات سعر الصرف، 73 مليار دولار أميركي. فتكون موجودات مصرف لبنان بالعملة الاجنبية في ذلك الحين اقل بـ 45 مليار دولار من ودائع المصارف لديه، هذا بحسب ارقام مصرف لبنان.

23- أما بحسب ارقام الميزانية المجمعة للمصارف اللبنانية الصادرة عن جمعية المصارف فإن ودائع المصارف اللبنانية لدى مصرف لبنان بلغت في نهاية نيسان 2020 175,907,874,000,000 ليرة لبنانية ما يعادل بذات سعر الصرف 116،6 مليار دولار. وبتطبيق ذات نسبة الـ70 % للودائع بالدولار فإن هذه الاخيرة بلغت 81،6 مليار دولار وتكون موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية اقل بمبلغ 53،60 مليار دولار من ودائع المصارف لديه بالدولار.

24- أما بحسب أرقام الحاكم في خطاب 29 نيسان 2020 فإنّه استعمل كلمة «سيولة» للقول بأن الموجودات بالعملة الاجنبية في ميزانية المصرف بلغت كما في 24/1/2020 زهاء 21 مليار دولار أميركي. فتكون تلك الموجودات أقل بأكثر من ستين مليار دولار عن ودائع المصارف لديه بالدولار كما تظهرها الميزانية المجمعة للمصارف اللبنانية.

25- يعني ذلك انه وخلال السنوات العشر الفائتة فإنّ موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية تقلصت بنسبة الثُلُث تقريباً في ذات الوقت الذي زادت ودائع المصارف لديه بالعملات الاجنبية بمقدار ثلاثة اضعاف.

26- فتكون كل تلك الاموال قد تبخرت ولا يعرف عنها شيء، ما يُظهِر مدى الحاجة الملحة لإجراء التدقيق الاستقصائي الجنائي  forensic audit.

27- وكما قال الحاكم فهي موجودة كأرقام على حسابات مصرف لبنان وحسابات المصارف اللبنانية، وهي غير مطابقة بل متقاربة، يعني ان مصرف لبنان مدين للمصارف اللبنانية بزهاء ستين مليار دولار من اموال المودعين وصلته منها لكنها لم تعد موجودة لديه.

28- وتبعاً لذلك فإنّ المودعين لدى المصارف اللبنانية متضرّرون بذات المبلغ الذي لا تستطيع تحصيله من مصرف لبنان لانه لم يعد له من وجود أو تم إخفاؤه.

29- ولا يُعدُّ هذا المبلغ من الخسائر بل قد ينطبق عليه على الأقل واحد من الاوصاف التي نص عليها قانون العقوبات ومنها:

الوصف الاول: السرقة التي تعرّفها المادة 635 منه بأنها اخذ مال الغير المنقول خفية.

الوصف الثاني: اساءة الائتمان التي تعرّفها المادة 670 منه بأنها كتم او اختلاس شيء سُلِّمَ على وجه الوديعة او الوكالة.

الوصف الثالث: الاحتيال الذي تعرّفه المادة 655 منه بأنه حمل الغير على تسليمه اموالاً منقولة أو غير منقولة او اسناداً تتضمّن تعهداً او ابراءاً او منفعة وذلك بإستعمال المناورات الاحتيالية.

الوصف الرابع: الافلاس الاحتيالي الذي تعرّفه المادة 689 منه بأنه اخفاء الدفاتر او اختلاس الاموال او تبديدها او الاعتراف مواضعة بديون غير متوجبة عليه سواء في دفاتر او صكوك رسمية او عادية او في ميزانيته.

الوصف الخامس: التزوير الجنائي كما تعرّفه المادة 465 منه بصنع الصكوك والمخطوطات

30- وبالعودة الى الميزانية المجمعة للمصارف يتبيّن أنّ مجموع الودائع بالعملات الاجنبية في حساباتها كما في آخر شهر نيسان 2020 بلغ 176 الف مليار ليرة لبنانية ما يعادل بذات سعر الصرف 116،60 مليار دولار فيكون اكثر من نصف هذا المبلغ قد تبخر أو تم اخفاؤه.

ثانياً: الدولار المحلي يحل محل الدولار الاصلي!

31- وقد وَجَدَ مصرف لبنان في ذلك فرصة للتخلّص من اصحاب الودائع المذكورة بعرض استبدالها تدريجياً وخلال مدة طويلة بليرات لبنانية نقداً باعتبار ان الدولار الواحد يساوي 3,000 ليرة لبنانية بتاريخ كتابة هذه السطور. ولهذا الغرض فإن مصرف لبنان يقوم بضخ كميات كبيرة من الاوراق النقدية في الاسواق.

32- وبمراجعة الجدول المرفق يتبين ان كمية الليرة اللبنانية نقداً في التداول بلغت في نهاية العام 2009 ثلاثة آلاف مليار ليرة لكنها وصلت في العام 2019 الى عشرة آلاف وخمسمائة الف مليار ليرة. أما في الاشهر الخمس الاولى من العام 2020 فإنها بلغت ما يناهز الثمانية عشر الف مليار ليرة.

33- يعني أنّه تمّت المباشرة بخطة لاستبدال قيمة الودائع بالدولار الأميركي الاصلي في العام 2019 ومتابعة هذه الخطة في العام 2020 لحمل المودعين على التنازل عن حقوقهم بأقل كثيراً من قيمتها الحقيقية.

34- يتبيّن من كل ما تقدّم، أنّه عندما توقفت المصارف في لبنان عن تسديد المودعين بالدولار قيمة ايداعاتهم الناتجة عن التحويلات اليها من مصارف أميركية بدولارات أصلية صادرة عن بنك الاحتياطي الفدرالي Federal Reserve فإنه تم تفعيل خطة خلق دولار محلي وهمي يحل محل كامل الحسابات المذكورة البالغ مجموعها 116،60 مليار دولار بما في ذلك قيمة الودائع التي تبخرت في مصرف لبنان.

35- فأخذت المصارف تُبدي الاستعداد لتسديد اصحاب الودائع بالدولار قيمة ودائعهم بشكات مصرفية مسحوبة على مصرف لبنان، وذلك بعلم ومعرفة بل وتواطؤ مصرف لبنان، وكأن مصرف لبنان هو فرع من فروع بنك الاحتياطي الفدرالي الذي له ان يخلق الدولارات الاصلية بكبسة على مفاتيح الكمبيوتر. لكن تلك الشكات بالدولار الوهمي صالحة لغرض واحد هو ايداعها في مصرف لبناني آخر.

36- فتم بذلك اصطناع دولار محلي وهمي. ومن الثابت ان الحاكم قد اعلن ابوّته له علناً في خطاب 29 نيسان 2020 بالقول: «كمان نحن سلّفنا للمصارف بالدولار، لما خلق الدولار المحلي، ولكن الدولار المحلي عم يعطي مرونة للبنك المركزي ليقدر يتحرك مع المصارف مما يعطي يعني السيولة، الدولار المحلي يمكن يعتبر انه سعرو مش مثل سعر القابل للتحويل، يمكن اليوم هالشي، بس نحن منعرف ومنتأمل إنو لبنان يتحسن وبترجع الأمور إلى مجراها بمجرد ما يكون في رؤية ومشروع إقتصادي واضح ومشروع إصلاحي واضح وبمجرد ما يكون في جو سياسي أفضل في لبنان «.

37- وأفضل دليل على «إنو سعرو مش متل سعر (الدولار) القابل للتحويل» أي سعر الدولار المحلي الذي أحلّه مصرف لبنان بالاتفاق مع المصارف اللبنانية محل الدولار الاصلي الصادر عن بنك الاحتياط الفدرالي ان سعر الاول، بتاريخ كتابة هذه السطور، هو ثلاثة آلاف ليرة للدولار الواحد مع سقف قدره الف دولار كل شهر، في حين ان سعر الثاني في السوق الحرّ يزيد بتاريخ كتابة هذه السطور عن ثمانية آلاف ليرة لبنانية. أي ان صاحب الوديعة يتعرض للغش والخداع كل مرة يصرف له مصرفه الدولارات بسعر ثلاثة آلاف ليرة لبنانية، وهذه جريمة من نوع بعض الجرائم المنوه عنها اعلاه.

38- جاء في مقدّمة خطاب الحاكم عشية 29 نيسان 2020: «هناك قوانين وعلى مصرف لبنان ان يلتزم بالقوانين».

39- لكن المودعين، وهم المتضرّرون من جرائم متمادية تحقق بعضها بتبخر نصف قيمة ودائعهم ويتبخر النصف الآخر تدريجياً بإحلال الدولار الوهمي المحلي محل الدولار الاصلي، هم الاجدر بحماية القانون.

40- ليس ذلك فحسب بل يلاحظ من بيانات الوضع الموجز تسارع تناقص ارصدة حسابات مصرف لبنان بالدولار الأميركي في العامين 2018 و2019 كما تبين الظاهرتان التالي ذكرهما:

الظاهرة الاولى: الارتفاع غير العادي بين العامين 2016 و2018 في حجم ودائع المصارف لدى مصرف لبنان بمقدر 54 الف مليار ليرة لبنانية ما تناهز قيمته 36 مليار دولار. لكن موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية لم ترتفع بهذا المقدار في ذلك الحين بل انخفضت بمقدر مليار دولار. ثم انخفض مجموع الودائع المذكور في نهاية العام 2019 بمقدار 12 الف مليار ليرة لبنانية ما يعادل ثمانية مليارات دولار أميركي. لكن موجودات مصرف لبنان بالعملات الاجنبية انخفضت بمقدار اربعة آلاف مليار ليرة لبنانية اي ما يعادل زهاء مليارين ونصف المليار دولار، كل ذلك مما يشير الى حصول عمليات كبيرة خارج الدفاتر بالعملة الأميركية تؤلف مناورات سرية وتستدعي التدقيق الاستقصائي الجنائي.

الظاهرة الثانية: في خلال العام 2019 حاز مصرف لبنان على سندات يوروبوند بقيمة 5،70 مليار دولار وسدد اصل وقسائم مستحقة لسندات يوروبوند عدداً من المرات ما بلغ مجموعه 2،152 مليار دولار.

ثالثاُ: تخفيض سعر صرف الليرة اللبنانية في السوق الحرّ إلى حد الإنعدام

41- أما بالنسبة لأصحاب الودائع بالليرة اللبنانية والتي كانت تؤلّف حوالى 30 % من مجموع الودائع التي تظهرها الميزانية المجمّعة للمصارف اللبنانية فإنهم يفقدون بسرعة قيمة ودائعهم في السوق الحرّ لأن مصرف لبنان يُغرق الأسواق بالعملة اللبنانية النقدية. فقد بلغت قيمة النقد اللبناني في التداول في 31 أيار 2020 بحسب أرقام مصرف لبنان 18 ألف مليار ليرة لبنانية في حين أنها كانت في مطلع العام 2010 أقل من ثلاثة آلاف مليار ليرة لبنانية. أي أن النقد المتداول إرتفع خلال العام 2019 والخمسة أشهر الأولى من العام 2020 بأكثر من خمسة أضعاف ما كان عليه في العام 2018. ويلاحظ الناس عندما يمرون أمام دكاكين الصرافين ظهور رزم الأوراق النقدية الجديدة بالليرة اللبنانية التي يحصلون عليها بسهولة من مصرف لبنان لإستعمالها في شراء الدولارات نقداً فيحصل في ذات الوقت تقليص كمية الدولارات في السوق وزيادة كمية الليرات اللبنانية فيه مما يضغط على قيمة الليرة نزولاً. وقد خسرت الليرة اللبنانية بتاريخ كتابة هذه السطور ما يناهز الـــ 85 % من قيمتها. ويشاهد المودعون بكل رعب هذا التقلص الذي لا يعرف أحدٌ المدى الذي سيصل إليه. ولا بدّ أن هذه القيمة ستقترب قريباً من الإنعدام

42- وبذلك فإن مجموع ودائع الناس في المصارف اللبنانية هي اليوم بحكم المفقودة.

كيف التعاطي مع هذه الجرائم

43- توقفت المصارف عن دفع ودائع زبائنها بالدولار الأميركي عند الطلب وبعد الإستحقاق ان كانت ودائع لأجل، فلجأ عدد منهم إلى القضاء عن حق.

44- فإن قانون النقد والتسليف يحيل إلى المادة 307 تجارة التي توجب على المصرف أن يرد المبالغ من النقود المودعة لديه عند أول طلب أو بحسب شروط الإيداع لأجل.

45- وعندما يمتنع المصرف عن تلبية طلب الزبون رد وديعته فإنه يصبح متعدياً على حقوقه وأوضاعه المشروعة مما يجيز للزبون، عملاً بالمادة 579 عن قانون أصول المحاكمات المدنية مراجعة قاضي العجلة أو حتى طلب إصدار أمر على عريضة عملاً بالمادة 604 منه.

46- وهذا ما فعله عدد من المودعين بمراجعة قضاة العجلة في كثير من المناطق اللبنانية ومنها صور والنبطية وزحلة والقبيات وبيروت. فحصلوا على قرارات و/أو أوامر بإلزام المصارف المعنية أن ترد للمودعين ودائعهم.

47- واستنفد اطراف الدعاوى طرق المراجعة حتى وصلوا إلى محكمة التمييز فقامت الغرفة التمييزية الخامسة فيها الناظرة بالامور المستعجلة برئاسة القاضي ميشال الطرزي بوقف تنفيذ كل القرارات الصادرة لصالح المودعين إما بقرار صريح أو بترك الملفات في القلم لأن التمييز مع طلب وقف التنفيذ مؤقتاً يوقف التنفيذ.

48- أي ان مرجعاً قضائياً رفيعاً حال، حتى ساعة كتابة هذه السطور، دون الناس ورفع التعدي الحاصل على  حقوقهم وأضاعهم المشروعة مما مكّن النظام المصرفي اللبناني الذي يجلس على عرشه مصرف لبنان من الإمتناع عن إيفاء المودعين حقوقهم بإنتهاك النص الصريح للقانون.

49- أما الودائع بالليرة اللبنانية فإن قيمتها تقلصت بتراجع سعر صرفها أمام الدولار الأميركي الاصلي النقدي. ولحقت بها رواتب الموظفين والمستخدمين بمن فيهم الجيش وقوى الأمن عسكراً وضباطاً والمستخدمين والاجراء في الشركات والمؤسسات الرسمية والخاصة.

50- وكل ما تقدم هو بالإضافة إلى ما ذكر عن خسائر كبيرة والدين العام بالليرة اللبنانية والدولار الأميركي.

51- وهذا بالإضافة إلى الأموال المنهوبة من الخزينة والأملاك العامة المطروح تخلي الدولة عنها طوعاً وبالتالي سلبها من مالكها الحقيقي وهو الشعب اللبناني.

52- فتكون الأولوية هي رد حقوق المودعين في ودائعهم سواء بالدولار أو بالليرة اللبنانية ووقف إغراق الأسواق بالليرة اللبنانية النقدية.

53- ولا سبيل لذلك سوى التمسك بتطبيق القانون والعمل على إزاحة كل من وقف أو يقف حائلاً دون تطبيقه أو ساهم في إنزال الضرر بالشعب اللبناني على النحو المبيّن أعلاه أو أثرى بلا سبب أو بالوسائل غير المشروعة.w54- ولتمتلئ بهم السجون !