بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 حزيران 2026 12:20ص تحدِّيات تواجه نجاح «المناطق التجريبية».

حجم الخط
برز مصطلح «المناطق التجريبية» فجأة بعد الجولة الأخيرة من المفاوضات اللبنانية – الإسرائيلية في واشنطن، بوصفه أحد أبرز العناوين العملية المطروحة لترجمة وقف إطلاق النار إلى وقائع ميدانية ملموسة. ويقوم هذا المفهوم على اختيار عدد من البلدات أو القطاعات الجنوبية لتكون نموذجاً أولياً لمرحلة ما بعد الحرب، من خلال انسحاب القوات الإسرائيلية منها، وانتشار الجيش اللبناني بصورة حصرية، بعد خروج عناصر حزب الله منها، وعودة الأهالي تدريجياً، بالتوازي مع إطلاق مشاريع إعادة الإعمار وتأهيل البنية التحتية.  
وتكتسب الفكرة أهمية خاصة لأنها تسعى إلى تجاوز المأزق التقليدي الذي رافق معظم اتفاقات وقف النار السابقة، حيث بقيت التفاهمات السياسية معلقة بين النصوص والواقع الميداني. فبدلاً من انتظار تسوية شاملة ومعقدة لكل الملفات دفعة واحدة، يجري اختبار نموذج محدود جغرافياً، وقابل للقياس والتقييم قبل تعميمه على بقية المناطق الجنوبية.
عملياً، يتطلب إنشاء هذه المناطق سلسلة خطوات متكاملة تبدأ بانسحاب إسرائيلي من القطاع المحدد، يتبعه انتشار كامل للجيش اللبناني والأجهزة الشرعية، ثم إزالة العوائق العسكرية وتأمين الطرقات الرئيسية. بعد ذلك تأتي مرحلة عودة السكان، وإعادة تشغيل الخدمات الأساسية من كهرباء ومياه واتصالات ومدارس ومراكز صحية، وصولاً إلى إطلاق مشاريع الإعمار والاستثمار المحلي. ويُفترض أن تخضع هذه العملية لمتابعة دولية تضمن احترام الالتزامات الأمنية من جميع الأطراف.
وليست هذه المقاربة جديدة بالكامل في إدارة النزاعات الدولية. فقد اعتمدت نماذج مشابهة بدرجات متفاوتة في عدد من مناطق النزاعات، أبرزها البوسنة بعد اتفاق دايتون، وبعض المناطق الحدودية في كولومبيا بعد اتفاق السلام مع المجموعات المسلحة، حيث جرى إنشاء مناطق انتقالية آمنة، لاختبار ترتيبات الاستقرار قبل تعميمها على نطاق أوسع. وقد أثبتت التجارب أن نجاح النماذج التجريبية يساهم في بناء الثقة بين الأطراف المتنازعة،  ويشجع الجهات المانحة على الاستثمار في إعادة الإعمار.
وتعززت أهمية هذا الطرح بعد الإيضاحات التي قدمها السفير الأميركي في لبنان ميشال عيسى عقب لقائه الرئيس نبيه بري، حيث أكد أن هذه المناطق ستكون مفتوحة أمام جميع أبنائها، وتخضع لحماية الجيش اللبناني، ولن تتعرض للقصف الإسرائيلي، على أن تشكل نموذجاً يمكن تعميمه لاحقاً على كامل الجنوب، مبيناً الفرق الشاسع بين «المناطق التجريبية Pilot Zone»، و«المناطق العازلة Buffer Zone».
غير أن تحديات نجاح هذه التجربة يبقى مرتبطاً بتوافر ثلاثة شروط أساسية: أولاً، التزام إسرائيلي فعلي بوقف العمليات العسكرية؛ ثانياً، تمكين الدولة اللبنانية من ممارسة سلطتها الأمنية الكاملة؛ وثالثاً، توفير التمويل اللازم للإعمار السريع. فإذا توافرت هذه العناصر، يمكن أن تتحول «المناطق التجريبية» من مجرد مصطلح تفاوضي جديد، إلى نقطة انطلاق فعلية لاستعادة الحياة الطبيعية في الجنوب، وفتح الباب أمام مرحلة أكثر استقراراً للبنان بأسره.