العقل من النعم العظيمة التي منّ بها الله سبحانه وتعالى على عباده. فالعقل في اللغة معناه المنع والحبس. يقال عقلت البعير أعقله عقلاً فكيف نربي العقول وكيف نحافظ على هذا العقل، والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: (المرء على دين خليله فلينظر احدكم من يخالل).
قال سيدنا عمر رضي الله عنه: حسب الرجل دينه ومروءته خلقه. وأصله عقله. ومما يساهم في تربية العقول ونموها التفكير والمطالعة فأول آية نزلت على النبي صلى الله عليه وسلم {إقرأ باسم ربك الذي خلق}. فنقرأ ونتثقف ونزداد علماً وايماناً ولنفكر بما نريد وبما يسعدنا في الدارين الدنيا والآخرة ولنفكر فيما يرضي الله تعالى.
لقد ذكر القرآن الكريم آيات كثيرة تتحدث عن العقل فقال: {افلا تتفكرون} {افلا تتذكرون} بل خاطب اولي الألباب وأولي العقول والأفهام. فكرمه بنعمة العقل فقال سبحانه: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلاً}.
ولمعرفة حقيقة العقل وتنميته كان هذا التحقيق مع الشيخ وسيم مزوق رئيس دائرة الفتاوى وإمام مسجد المجيدية الذي قال: رداً على إسئلتنا؟
مزوق
{ كيف كرم الإسلام عقل الإنسان وفكره؟
- يقول الله تبارك وتعالى: {ولقد كرمنا بني آدم وحملناهم في البر والبحر ورزقناهم من الطيبات وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا} «الإسراء: 70»، قال ابن كثير رحمه الله تعالى: «يخبر تعالى عن تشريفه لبني آدم، وتكريمه إياهم، في خلقه لهم على أحسن الهيئات وأكملها، كما قال: {لقد خلقنا الإنسان في أحسن تقويم} «التين: 4»، أي: يمشي قائماً منتصباً على رجليه، ويأكل بيديه، وجعل له سمعاً وبصراً وفؤاداً، يفقه بذلك كلّه، وينتفع به، ويفرق بين الأشياء، ويعرف منافعها وخواصها ومضارها في الأمور الدنيوية والدينية».
وقد تعددت أقوال المفسرين في المراد بهذا (التكريم)، فعن ابن عباس رضي الله تعالى عنهما، قال: كرمهم سبحانه بالعقل، وعن الضحاك بالنطق، وعن عطاء بتعديل القامة وامتدادها.
إذا تدبرنا الآية الكريمة نرى أن الله سبحانه وتعالى ذكر (التكريم) و(التفضيل) فقال: {ولقد كرمنا بني آدم}، وقال في آخرها: {وفضلناهم على كثير ممن خلقنا تفضيلا}، ولا بدّ من فرق بينهما، وإلا لزم التكرار. وقد أجاب الرازي عن هذا، فقال: «الأقرب أن يقال: إنه تعالى فضل الإنسان على سائر الحيوانات بأمور خلقية طبيعية ذاتية، مثل: العقل، والنطق، والخط، والصورة الحسنة، والقامة المديدة، ثم إنه تعالى عرضه بواسطة ذلك العقل والفهم لاكتساب العقائد الحقة، والأخلاق الفاضلة، فالأول هو التكريم، والثاني هو التفضيل».
قال ابن عاشور رحمه الله تعالى: «الفرق بين التفضيل والتكريم بالعموم والخصوص، فالتكريم منظور فيه إلى تكريمه في ذاته، والتفضيل منظور فيه إلى تشريفه فوق غيره، على أنه فضله بالعقل الذي به استصلاح شؤونه، ودفع الأضرار عنه، وبأنواع المعارف والعلوم».
{ ما هو العقل في اللغة وماذا يُطلق عليه؟
- فالعقل من النعم العظيمة التي منّ الله بها على عباده، العقل في اللغة يُطلق على المنع والحبس، يقال: عقلت البعير أعقله عقلا، إذا منعته من الحركة، وذلك بأن نثني وظيفة مع ذراعه، فتشدهما جميعاً في وسط الذراع ومن هذا الباب قوله صلى الله عليه وسلم لصاحب الناقة: «أعقلها وتوكل»، وذلك الحبل الذي تعقل به الناقة يقال له العقال، والجمع عقل، ووجه تسمية العقل بهذا الاسم (المنع والحبس): كونه يمنع صاحبه عن التورط في المهالك، ويحبسه عن ذميم القول والفعل، وعقل حبيبنا محمّد صلى الله عليه وسلم أكمل العقول، قال الشيخ عبد الله سراج الدين رحمه الله تعالى: «أحب العقول إلى الله تعالى هو عقل سيدنا محمّد صلى الله عليه وسلم ، لأنه أكمل العقول وأرجحها وأوسعها». وقال أيضاً: «لقد بلغ محمّد صلى الله عليه وسلم رسول الله تعالى، من أرجحية العقل وكماله الغاية القصوى التي لم يبلغها أحد سواه، وذلك بنعمة الله وفضله عليه صلى الله عليه وسلم ». والعقل في الإسلام له مكانة كبيرة فهو مناط التكليف وبه يفرق الإنسان بين الحق والباطل وبين الخير والشر وبين النافع والضار، وبه يهتدي إلى الصراط المستقيم، روي عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «ما اكتسب رجل ما اكتسب مثل فضل عقل يهدي صاحبه إلى هدى، ويرده عن ردى، وما تمّ إيمان عبد ولا استقام دينه حتى يكمل عقله». وقد ذكر العلماء أثناء كلامهم عن مقاصد الشريعة الكليات الخمس التي يجب أن تصان وتحفظ ومن ضمنها العقل، وهذه الكليات هي: حفظ الدين والنفس والعقل والنسب والمال، ولذلك حرم الخمر ووجب الحد على شاربه لأنه يخامر العقل ويفقده عقله ووعيه.
تربية العقول
{ وكيف ننمي عقول الشباب والأولاد؟
- علينا أن نشكر الله تعالى أولاً على نعمة العقل بسلوكنا طريق الطاعة والايمان والاتباع للنبي العدنان عليه أفضل الصلاة والسلام، فنجتنب سبل الغواية والشيطان وما يزينه لنا من المنكرات، وهنا دور الأهل الآباء والأمهات حيث يجب عليهم أن يهتموا بتربية أبنائهم منذ الصغر وينظموا أوقاتهم ليعلموهم الدين وعندئذٍ يعرفون الحلال من الحرام ويميزون بينهما، والتربية يجب أن تكون شاملة لكل جوانب حياة الأبناء وليتم هذا الأمر علينا بتربية العقول والاهتمام بها، للأسف اليوم تتلف عقول الأطفال بإدمانهم على الألعاب الالكترونية الموجودة على (آي باد) والهواتف المحمولة مما يؤثر على نمو عقل الطفل وذكائه كما أثبتت الدراسات العلمية، علينا أن نهتم بتربية العقول لأن العقل يقتضي بنا أن نعمل للآخرة، لذلك العلماء قالوا: «ما من إنسان يعمل للدنيا وينسى الآخرة إلا وهو في الحقيقة مجنون، ولو كان يحمل أعلى شهادة، تفوقه العلمي يسمى ذكاءً ولا يسمى عقلاً، ولكن حينما غفل عن الحقيقة الكبرى في الكون، وغفل عن الآخرة، وغفل عن سر وجوده إذاً هو مجنون.
والآية الكريمة: {ن والقلم وما يسطرون، ما أنت بنعمة ربك بمجنون}، علينا أن نهتم بتربية العقول وبخاصة عقول الشباب، حيث يتبع البعض منهم الآخرين اتباعاً أعمى.
ونشاهد لبس الشباب للبنطال الممزق الذي يظهر العورة بحجة «الموضة»، أين عقول الشباب اليوم؟ ما همهم؟ ما تفكيرهم؟... علينا أن نهتم بتربية العقول لأن الملاحدة وأصحاب العقائد المزيفة والباطلة يشككون الشباب المسلم بدينهم ويأتون بالشبهات، الحرب اليوم على المسلمين ليست فقط بواسطة الغزو العسكري والاحتلال للأراضي بل يوجد غزو من نوع آخر ألا وهو الغزو الفكري العقلي حيث يريدون التشكيك بكل شيء، ويريدون تحريف الدين والعقيدة بطريقة إبليسية حيث يتكلمون بكلام حق ويُراد به الباطل، فيتكلمون عن المحبة والرحمة والاعتدال والسماحة.. وهذا حق وفي صلب ديننا ولكن المراد في احيان كثيرة باطل..
فكيف نربي العقول؟
نربي عقولنا بسلوك طريق التربية الايمانية منذ الصغر كما ذكرنا سابقاً بالنسبة لدور الأهل ثم بالنظر إلى البيئة المحيطة بنا وبأولادنا وبشبابنا، أين نتواجد؟ مع من نقعد؟ من أصدقاؤنا؟ قال صلى الله عليه وسلم : «المرء عى دين خليله فلينظر أحدكم من يخالل» وقال أحد العلماء: «كن مع النخبة، كن مع الأقلية العاقلة، كن مع الذي يؤثر في البيئة ولا يتأثر في البيئة».
وقال أحد الحكماء: «اختلط بالأشخاص الإيجابيين لأنهم سيؤثرون في أفكارك وعقلك وسلوكياتك وستتحول إلى شخص إيجابي بشكل لا شعوري ثم ستبدأ بالتأثير في الآخرين»، فكيف بنا إذا خالطنا الأصدقاء الصالحين والعلماء الربانيين الذين هم القادة في التربية النفسية والروحية والعقلية والجسدية حيث يعلمون النّاس التفكير السليم يعلمونهم الحرية واستخدام العقل ليتحرروا من التبعية.
دور الأهل
{ وما هو دور الأهل في تربية العقول؟
- قال النبي صلى الله عليه وسلم : (لا تكونوا إمعة، تقولون: أن أحسن النّاس أحسنا، وإن ظلموا ظلمنا، ولكن وطنوا أنفسكم، إن أحسن النّاس أن تحسنوا، وإن أساءوا فلا تظلموا) رواه الترمذي، فعلى الأهل في تربية العقول ملازمة أهل العلم حيث يزرعون في نفوسنا مقام المراقبة لله تعالى لكل ما نقوم به انطلاقاً من الأفكار إلى الكلام إلى... قال أحدهم: «راقب أفكارك فإنها تتحوّل إلى كلمات، راقب كلماتك فإنها تصبح أفعالاً، راقب أفعالك فإنها تتحوّل إلى عادات، راقب عاداتك ستصبح طباعاً، وراقب طباعك لأنها ستحدد مصيرك».
ومما يساهم في تربية العقول ونموها التفكر والمطالعة، فأول آية نزلت على الحبيب المصطفى صلى الله عليه وسلم : {اقرأ باسم ربك الذي خلق}، فنقرأ ونثقف ونزداد علماً وإيماناً ولنفكر بما نريد وبما يسعدنا في الدارين الدنيا والآخرة ولنفكر بما يرضي الله تعالى، قال الشيخ الدكتور مصطفى السباعي رحمه الله تعالى: «لا ينمو العقل إلا بثلاث: إدامة التفكير، ومطالعة كتب المفكرين، واليقظة لتجارب الحياة».
وبالختام يجب العلم أن العقل هو أساس التكليف الشرعي ومناطه، فالمجنون غير مكلف شرعاً، فنحمد الله على نعمة العقل فقد قال أبو العلاء رحمه الله تعالى: «ما أعطي عبد بعد الإسلام أفضل من عقل صالح يرزقه»، وقال سيدنا عمر رضي الله عنه: «حسب الرجل دينه، ومروءته خلقه، وأصله: عقله». وقال الماوردي رحمه الله تعالى في كتابه (أدب الدنيا والدين): «اعلم أن لكل فضيلة أسا، ولكل أدب ينبوعاً، وأس الفضائل وينبوع الآداب هو العقل الذي جعله الله تعالى للدين أصلاً وللدنيا عماداً، واعلم أن بالعقل تعرف حقائق الأمور ويفصل بين الحسنات والسيئات».
تحقيق: الشيخ زياد زبيبو