الشيخ د. يوسف سلامة جمعة*
يقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: {إِنَّهُمْ فِتْيَةٌ آمَنُوا بِرَبِّهِمْ وَزِدْنَاهُمْ هُدًى}، فإن الشباب هم أعظم ثروة في الأمّة، فثروة الأمم ليست في الذهب الأبيض ولا في الذهب الأسود، وإنما في الإنسان فهو أغلى من كل شيء، وأعظم ما يكون الإنسان في مرحلة الشباب؛ لأن مرحلة الشباب هي مرحلة القوة والعطاء، فالشباب قوة بين ضعفين، ضعف الطفولة وضعف الشيخوخة، كما أشار إلى ذلك القرآن الكريم في قوله سبحانه وتعالى: {اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُم مِّن ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِن بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفًا وَشَيْبَةً}، وقد أثنى الله سبحانه وتعالى على هؤلاء الفتية الذين آمنوا بربهم، فهم جماعة من الشباب آمنوا بالله فثبّتهم على الدين وزادهم يقيناً.
ومن المعلوم أن الشباب في كل أمّة هم قلبها النابض، ودمها المتدفّق، وعصب حياتها، وسرّ نهضتها، وعنوان تقدّمها، وأمل مستقبلها، وبحر علمها الفيّاض، فهم أصحاب الهِمَمِ العالية والنفوس الطاهرة الزكية؛ لذلك فقد أولى الإسلام عناية كبيرة لشريحة الشباب، حيث كانوا أسرع شرائح المجتمع إستجابة للدعوة الإسلامية، فقد دخلوا – والحمد لله - في دين الله أفواجا.
حرصه صلى الله عليه وسلم على الشباب
إن الشباب هم عماد الأمة الإسلامية ومبعث قوتها وحضارتها، ومن المعلوم أن أنصار نبينا محمد صلى الله عليه وسلم كانوا شباباً، حيث تخرّجوا من مدرسة دار الأرقم ونهلوا من توجيهات الرسول – عليه الصلاة والسلام -، لذلك فقد حرص نبينا صلى الله عليه وسلم على العناية بالشباب وإعدادهم إعداداً جيداً، فقال - عليه الصلاة والسلام – : (إِنَّ اللَّهَ عَزَّ وَجَلَّ لَيَعْجَبُ مِنْ الشَّابِّ لَيْسَتْ لَهُ صَبْوَةٌ)، (أي شذوذ وانحراف).
كما بيّن مكانة الشاب الملتزم بطاعة الله وعبادته، فقال صلى الله عليه وسلم: (سَبْعَةٌ يُظِلُّهُمُ الله في ظِلِّهِ يومَ لا ظِلَّ إِلا ظِلُّهُ: وذكر منها: شابٌّ نَشَأَ في عِبادة الله...).
كما دعا صلى الله عليه وسلم الشباب لاغتنام الفرص لتكوين شخصيتهم في شتى المجالات، فقال - عليه الصلاة والسلام -: (اغْتَنِمْ خَمْساً قَبْلَ خَمْسٍ: حَيَاتَكَ قَبْلَ مَوْتِكَ، وَصِحَّتَكَ قَبْلَ سَقَمِكَ، وَفَرَاغَكَ قَبْلَ شُغْلِكَ، وَشَبَابَكَ قَبْلَ هَرمِكَ، وَغِنَاكَ قَبْلَ فَقْرِكَ).
وبيّن - عليه الصلاة والسلام – أهمية هذه المرحلة وما يترتب عليها من تبعات ومحاسبة ومسؤولية أمام رب العالمين، فقد ورد في الحديث أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال: (لا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ الْقِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَرْبَعِ خِصَالٍ: عَنْ عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟ وعَنْ شَبَابِهِ فِيمَ أَبْلاهُ؟ وَعَنْ مَالِهِ مِنْ أَيْنَ اكتسبه؟ وَفِيمَ أَنْفَقَهُ؟ وَعَنْ عِلْمِهِ مَاذَا عَمِلَ فِيهِ؟).
لقد شاء الله عزَّ وجلّ أن يكون أنصار النبيين شبابا، لأنهم أتقى قلباً وأصدق مثالاً وأنقى سلوكاً، فالشباب هم نصف الحاضر وكل المستقبل، ومن هنا كانت عناية الإسلام بالشباب كبيرة، فقد ورد في كتب السيرة أن أبا حمزة الشاري يوم أن وصل مكة المكرمة ومعه جيشه، وقف أهل مكة في وجهه وقالوا له: هؤلاء أصحابك من الشباب، فقال لهم: تُعَيِّروني بأصحابي وتزعمون أنهم شباب، نعم والله شباب، وهل كان أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم إلا شبابا؟ هم والله شباب مكتملون، عَمِيَّة عن الباطل أعينهم، ثقيلة إلى الشرِّ أرجلهم، وظل أبو حمزة يُعَدِّدُ لهم محاسن وفضائل أصحابه وعلاقتهم بالله وكتابه وسنّة رسوله صلى الله عليه وسلم، لذلك نرى بأن للشباب مكانة سامية في الإسلام، حيث إن الرسول - عليه الصلاة والسلام – دعا الناس جميعاً فخالفوه ورفضوه إلا الشباب.
حاجة الأمة إلى الشباب
إننا نعيش في وقتٍ أحوج ما نكون فيه إلى الشباب، فالقرآن الكريم قصَّ علينا قصصاً كثيرة عن الشباب، مثل: أهل الكهف، وسيدنا إبراهيم، وسيدنا يوسف، وسيدنا موسى وغيرهم من الأنبياء والرسل الكرام - عليهم الصلاة والسلام -، كما حدثنا عن الشباب الذين وقفوا مع رسول الله صلى الله عليه وسلم في تبليغ دعوته، ونصر الله بهم الدين وأَيَّدَ بهم الحق، فالشباب هم الذين حملوا راية الإسلام عالية خفّاقة ورفعوا لواء الحق، حيث تولّوا الدفاع عن دولة الإسلام الفتية، أمثال: أبي بكر، وعمر، وعثمان، وعلي، والزبير، وأبي عبيدة، ومصعب بن عمير، وسعد أبي وقاص، وعبد الرحمن بن عوف، وخالد بن الوليد... وغيرهم كثير من الصحابة الكرام – رضي الله عنهم أجمعين -.
فالشباب هم السواعد التي تُفَجِّر الأرض خيراً، لتصبَّ في حقل البشرية الخصيب، وإذا كان الشباب مخلصاً مؤمناً فإنه يحقق لنفسه الفوز في الدنيا والفلاح في الآخرة، ومن هنا كان للشباب دور الريادة والقيادة في تاريخ الإسلام المشرق، ففي ميدان الفتوحات كان لهم السَّبق، فعندما ننظر إلى الرجال المقاتلين نرى الثلاثة الذين استشهدوا في غزوة مؤتة: زيد بن حارثة وجعفر بن أبي طالب وعبد الله بن رواحة - رضي الله عنهم أجمعين -، كانوا شباباً تقريباً في الثلاثين من أعمارهم، وغيرهم كثير من الشهداء – رحمهم الله جميعاً -.
أما من الناحية العلمية فعندما ننظر إلى الرجال الذين اعْتُبِروا أئمة لهذه الأمة نرى أنهم كانوا من الشباب، فعبد الله بن عباس – رضي الله عنهما – الذي غَارَ منه بعض كبار السن؛ لأن عمر – رضي الله عنه - كان يجعله مع شيوخ الأمة في استشارته والأخذ برأيه، فقد كان - رضي الله عنه - شاباً، وكذلك عبد الله بن الزبير، وعبدالله بن عمرو، وعبد الله بن عمر، فالعبادلة الأربعة الذين ورثوا الدين كانوا شباباً، وغيرهم كثير من الأئمة والعلماء – رضي الله عنهم أجمعين -.
الرفق بالشباب
من المعلوم أن ديننا الإسلامي الحنيف لا يحارب الشهوة أو الغرائز، لكنه يعمل على تهذيبها ضمن الأُطر الشرعية، فقد حَرَّم الإسلام الزنا وأوجد البديل وهو الزواج، فهذا رسول الله صلى الله عليه وسلم يخاطب الشباب قائلاً: (يَا مَعْشَرَ الشَّبَابِ، مَنْ اسْتَطَاعَ مِنْكُم الْبَاءَةَ فَلْيَتَزَوَّجْ فَإِنَّهُ أَغَضُّ لِلْبَصَرِ، وَأَحْصَنُ لِلْفَرْجِ، وَمَنْ لَمْ يَسْتَطِعْ فَعَلَيْهِ بِالصَّوْمِ فَإِنَّهُ لَهُ وِجَاءٌ).
وقد عالج صلى الله عليه وسلم بعض الحالات الشاذة هنا وهناك بحكمته المعهودة، كما جاء في الحديث: (عن أَبِي أُمَامَةَ، قَالَ: إِنَّ فَتًى شَاباً أَتَى النَّبِيَّ صلى الله عليه وسلم فَقَالَ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، ائْذَنْ لِي بِالزِّنَا، فَأَقْبَلَ الْقَوْمُ عَلَيْهِ فَزَجَرُوهُ، قَالُوا: مَهْ مَهْ، فَقَالَ: ادْنُهْ فَدَنَا مِنْهُ قَرِيباً، قَالَ: فَجَلَسَ، قَالَ: أَتُحِبُّهُ لأُمِّكَ؟ قَالَ: لا، وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأُمَّهَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لابْنَتِكَ؟ قَالَ: لا، وَاللَّهِ يَا رَسُولَ اللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِبَنَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لأُخْتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ، جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لأَخَوَاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِعَمَّتِكَ؟ قَالَ: لا، وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وََلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِعَمَّاتِهِمْ، قَالَ: أَفَتُحِبُّهُ لِخَالَتِكَ؟ قَالَ: لا وَاللَّهِ جَعَلَنِي اللَّهُ فِدَاءَكَ، قَالَ: وَلا النَّاسُ يُحِبُّونَهُ لِخَالاتِهِمْ، قالَ: فَوَضَعَ يَدَهُ عَلَيْهِ, وَقَالَ: اللَّهُمَّ اغْفِرْ ذَنْبَهُ, وَطَهِّرْ قَلْبَهُ, وَحَصِّنْ فَرْجَهُ. قال: فَلَمْ يَكُنْ بَعْدُ ذَلِكَ الْفَتَى يَلْتَفِتُ إِلَى شَيْءٍ).
فحفظ النسل من أهم ما دعا إليه ديننا الإسلامي الحنيف، حيث اتفق علماء أصول الفقه على ضرورة صيانة الأركان الضرورية للحياة البشرية، وهي: الدين والنفس والعقل والنسل والمال، فقد ذكر الإمام الغزالي في كتابه المستصفى بأن حرمة الضرورات الخمس لم تُبَح في ملة قط، ومن الجدير بالذكر أن ديننا الإسلامي الحنيف يريد مجتمعاً متماسكاً، مبنيا على العلاقات المشروعة والأخلاق الفاضلة بين أبنائه، وهذا ما تتمتع به المجتمعات الإسلامية والحمد لله، فعنوانها العفة والطهارة والنقاء.
نداء من الأعماق
أقول لإخواني الشباب: علينا أن نتمسّك بالإسلام قولاً وعملاً وعقيدة وشريعة ودستوراً ونظام حياة، حتى تستقيم أمور حياتنا، لقول أمير المؤمنين عمر بن الخطاب - رضي الله عنه: «كنا أذلاء فأعزّنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزّة في غيره أذلنا الله»، كما يجب علينا أن نتحلّى بالأخلاق الإسلامية كالصدق والأمانة والوفاء والتسامح وحب الخير للناس جميعاً، فنحن أبناء شعب واحد وإخوة في السرّاء والضرّاء، ومن المعلوم أن سِرَّ قوتنا في وحدتنا وأن ضعفنا في فرقتنا وتخاذلنا، فالله عزّ وجلّ لا يُغَيِّر ما بقوم حتى يغيّروا ما بأنفسهم، لذلك يجب علينا أن نجمع شملنا، ونرصّ صفوفنا، ونوحّد كلمتنا؛ حتى نُفشل جميع المخططات والمؤامرات التي يتعرّض لها شعبنا الفلسطيني، كما يجب علينا أن نتكافل اجتماعياً، فيرحم القوي الضعيف، ويعطف الغني على الفقير، فالمؤمن للمؤمن كالبنيان يشدّ بعضه بعضا.
* خطيب المسجد الأقصى