تتسم لوحات مروان نصّار Marwan Nassar بتداخل تجريدي تعبيري مع إشارات رمزية حادّة، تحمل في جوهرها طيفاً من الدلالات النفسية والسياسية والثقافية. فلوحاته تمزج بين خطوط يدوية سريعة تشبه رسوم الأطفال أو رسوم الكهف من جهة، وبين ضربات فرشاة لونية كثيفة وواعية من جهة أخرى، ما يخلق توتراً بصرياً جذاباً بين العفوية والانضباط. استخدام الألوان على شكل لطخات كثيفة (الأصفر، الأحمر، الأخضر، الأزرق، والأسود) يشير إلى حضور تعبيري قوي، حيث اللون ليس خلفية بل فاعل سردي. كما أن العينان الواسعتان في الوجه الأبيض ترسّخ نظرة ثاقبة وواعية، تُذكّر بجماليات «الوجوه المجهولة» في فنون الغرافيتي أو فن الشارع، وكأن الشخصية هنا تشهد شيئاً، أو تُحمّل رسالة. فهل من رمز مقاوم، يرتبط بثقافات التحرّر والتحدّي والاحتجاج السلمي؟ وهل اليد المرسومة بخط دقيق بسيط يتضاد مع الكثافة اللونية لباقي اللوحات؟ أم هي رموز تعبيرية مستبطنة بصريا؟
خطوط توحي بالسلام أو بالروح التي تحلّق عالياً في تعبير موجوع لأنها تخترق المساحة الحمراء وكأنها تهرب أو تخترق الخطر والصفاء والحمامة وخطر اللون الأحمر الناري المهيمن على معنى العنف والدم والثورة، فكل كتلة في لوحاته مشحونة بمعنى مختلف في التأويل. فهل هذا تفاؤل وأمل أم الهروب نحو الأعلى حيث السلام الروحي؟
يضفي مروان نصار إشارات سياسية ضمنية في لوحاته لا يمكن للكلمة أن تمنح هذا الإتساع الذي يريده إذ يوحي بـ «كتابة احتجاجية» أو خطاب شعبي مشفّر، وكأنه جرافيتي على جدار. ربما هو صرخة، أو تدوين ميداني للحظة. إذ يوحي بـ «شاهد» أو «ناشط» في قلب لحظة تاريخية. هناك توتر بين الرغبة في السلام (الحمامة) والواقع الدامي (الأحمر)، وبين الحلم (الأصفر) والواقع الضاغط (الأسود والأزرق الداكن). اليد المرفوعة بعلامة النصر توحي بصمود رغم كل شيء، والوجه الأبيض يوحي بالنقاء أو الطفولة الضائعة.
تتميّز لوحاته بشكل عام بعناصر سريعة وعفوية أقرب لما نراه في الملصقات الرقمية أو على الجدران الافتراضية. فالأسلوب يجمع بين الرسم اليدوي واللمسات الرقمية، مما يجعلنا نشعر بلحظة مشحونة، مشفّرة، بصرخة مرئية في ضوء أحمر وسط عتمة. فكل لون يهمس بالخطر لا ينفجر. الأصفر لا يبهر، بل يضيء برفق. حتى الكتابة تهمس أكثر مما تصرخ. في قلب كل هذه الهمسات، تقف «العلامة» (الوجه + النصر) كأيقونة تعبير، لا تتحدث، بل تُرى وتُتأمل.
مفتاح تأويلي هو «أن تنجو لتشهد»، وهذا لا يُقدَّم كلوحة فحسب، بل كبيان وجودي وتشكيلي مكتنز بالتجربة، الألم، والانبعاث. وهو بمثابة مفصل مفاهيمي. النجاة هنا ليست خلاصاً، بل عبور ثقيل، حيث النجاة نفسها لا تكتمل إلّا بالشهادة. والشهادة بدورها ليست سرداً فحسب، بل انكشاف جسدي وداخلي لما حصل. فهل معادلة البقاء تتضاد مع الصمت والرسومات التي تتضاد مع لوحاته الأخرى وكأنه يقول نحن شعب بملامح تختزن الكثير مما لا يُقال ولكن يُحس ويُرى؟
تندمج الملامح البشرية مع الكتل اللونية والضربات الانفعالية، مع ملامح وجه شبه واضحة، لكنها محطّمة، مشوّشة، مصبوغة بألوان حارقة، كأن الذات متشظية لكنها مصرّة على الظهور. فالخط الأسود الملتوي حول الرأس والعينين يذكّرنا بتقنيات التحوير الفني ، لكن هنا بروح معاصرة حادّة. فالوجه غير متناظر، ومقسّم لكتل لونية كأنه يوحي بـ«تفكيك عاطفي»، أو «وعي يحاول أن ينجو»، أو ربما هو حمل خفي للصمت. وربما «شعلة داخلية» أو أثر ضربة، أو كأنه دماغ محترق من الذاكرة. وهذا يعطي الإحساس بأن كل شيء يحدث في داخل «رأس الشاهد»، لا في مكان واقعي. كأن اللوحة لا تمثل شخصاً بقدر ما تمثل حالة داخلية.
لوحات مع جملة تختصر جوهر التجربة الفلسطينية، والسورية، واللبنانية، والعراقية، والأرمنية... أي تجربة نجاة في عالم لا يُعدّ الحياة حقاً بعد الصدمة عبر تشكيل فني هو مقاومة هادئة» فمروان نصّار لا يرسم وجوهاً بل يرسم ذاكرة الصدمة، يحوّل الناجين إلى شهود، حيث اللون يصبح بديلاً عن الكلام، والخط المتعرج بديلاً عن السرد. هذه ليست بورتريهات، بل «أدلة بصرية». ففي زمن مُثقل بالشهادات غير المسموعة، حيث الكارثة لم تعد استثناء بل إطاراً دائماً، تظهر لوحات مروان نصّار كصرخات مختلفة تنبض من جرح واحد هي أن تكون الناجي لا يعني أنك على قيد الحياة، بل أنك مطالَب أن تحيا كي تُبقي الذاكرة على قيد النبض. إذ يقدّم نصّار رسومات ذات ملامح مختزلة ولكن مكثفة، تقف وسط لطخات لونية صريحة الأصفر، الأحمر، الأخضر، والأسود. الوجه الأبيض المرسوم بخط بسيط أشبه بالقناع، يطلُّ من بين الكتل اللونية وكأنه محاولة لإثبات الحضور رغم طغيان الخارج. فهل من فارق بين الصرخة والصدمة، بين التوثيق بالرمز والتوثيق بالذات، بين أن تقول «أنا هنا» وبين أن تقول «هذا ما تبقّى مني»؟ وهل يحاول القول من خلال رسوماته أن نرسم هو أن نقاوم المحو.. وأن نلوّن هو أن نرفض الصمت، أن ننجو، ببساطة، لنشهد؟