بيروت - لبنان 2023/02/08 م الموافق 1444/07/17 هـ

الشاعرة سناء البنّا متصوّفة في معبد الشّعر: «عندما أكتب لا اسأل القارئ ولا الناقد»

الشاعرة سناء البنا
حجم الخط

تدخل سناء البنّا إلى قصيدتها تتحوّل إلى راهبة تصلي في محراب الحرف، تنساب كلماتها من قلبها وعقلها في آن. حتى في صمتها تصلي، تكتب، تعانق القصيدة كمعانقتها لعصفور جريح، لإنسان حزين، ترمم الروح المتألمة، تبعث الحياة فيها لتمدّها بالأمل ثم تحررّ كلماتها في سماء الشّعر...
من يقرأ سناء البنّا في كلّ أعمالها أو في واحدة منها، يتعرف على شاعرة متنوّرة، متصوفة في معبد الشّعر، كيف لا وجملها الشّعرية عابقة برائحة البخور الذي اختزنته من الأديان السماوية جميعها... لترسم على صدر القصيدة إشارة الحبّ، الحبّ مهما تعالت نبضات الألم والغربة والجهل والقباحة في هذا الوطن المعذّب، ولعمري وحتى إلى يوم القيامة ستبقى هذه الشاعرة صامدة بالشّعر لأنّ أشجار الليل سيصل نموّها إلى السّماء لتخبر الإله عن صرخة الأرض، عن دمعة في قصيدة وسعت نافذة الكون.

{ من يقرأ سناء البنّا في أعمالها السابقة وفي جديدها، يلاحظ بمجملها هذه النفحة الصوفية، وهذا التنوّر الشعّري التي تحمله القصائد في طيّاتها، فما مصدر هذا الجمال؟
- الصدق ثم الصدق.. كلما جثوت لأكتب، أستدعي كلّ حواسي في قمقم البلاغة لأصدح معترفة بكل مواجعي الإنسانية، كأني على موعد اعتراف في مجالس الآلهة أتلو صلواتي بحريّة العارف إنّ سرّ الشعر في بحر الذات عميق عمق الوجود.. أكتب بدعوة من توق يغالبني كوجع حثيث لأنزف حروفي دون تلميع ولا زخرفة.. تأتي على شكل أيقونة مقدّسة أعلّقها لأنفض عني غبار الزخرفة الظاهرة للعيان، لأقول اختلافي الخلاق مع الوجود وخلافي مع السائد، لأضرب الجدار وأهشم العناكب في رمزية لا تشبه سواي، لأعشق كما يليق وأرسم الحبيب بأرقى العبارات. أقسو وألين لأتحرر من مكائد الروح المثقلة بالجنون.
{ «أشجار الليل» بين العرف والعقل، إصدارك الأخير عن دار فواصل للنشر، فيه مزيج من الحلم والواقع، من العشق والتخلّي، من البوح والصمت، فهل برأيك من الصعب على القارئ فهم المعنى المراد إيصاله؟
- عندما أكتب لا أسأل عن القارئ ولا الناقد فالوعي لحظة الكتابة غائب. أسلّم نفسي لنفسي وأفتح أوراقها من دون تلويث الّلعبة الإبداعية بغير الشعور الدفين، فأحيله دون قصد لما شاء، فالكتابة عندي عملية تصريف وإفراغ للشعور على ورق أبيض ربما لتصفو من ملوثات الحياة وعلى القارئ أن يحب أولا. أنا أكتب نفسي واضطرابها وعواصفها وكلّ ما ينكل عيشها.. أكتب الجمال والحب كما أراه ويشغلني. أكتب الدين وأنتقد بلعبة ذكية من دون المسّ بشعور أهله. أكتب الأعراف والتقاليد وأسلّط الضوء على موروثها سلباً أم إيجابا. أكتب لأتحدّى الواقع وأرفضه كما يحلو لي. لا أكتب أغنية وربما أعتمد الموسيقى الداخلية من دون قصد.
{ تقولين: «عانقني، كي يفوح الحرف في جملتني الشعرية... اشتقتُ رائحة التراب، عطر الحياة من عز الغياب... اشتقت أن أعود امرأة شاعرية...»، هل الحبّ في الذات القلقة يعيد للمرأة الحياة وبالتالي الإلهام؟
- في غياب الوطن كلّ النساء سبيات معتقلات في جوف تمساح.. يسعين للحياة في عزّ الموت. ناديته في معظم ظلمات واقعنا المرير. ولدنا في زمن أرعن وعاصرنا كل جرائم الحروب حتى أفلسنا من الأمل. الوطن هو الحبيب الجائر مقبوض عليه من لصوص تحكمه وتتحكم به. أيّ حبّ نعيشه ونحن تحت سطوة الخوف المزمن المؤبد. أناشده كمناشدة الآلهة علّنا نحوذ نعمة السلام قبل أن نرحل. هو رجلي الأول ومصدر كل اشتياق.
{ حين تكتبين كأنك تعانقين القصيدة كعصفور جريح، كمعانقة الألم ثم بعث الروح قبل الاحتضار، من أين تستمد الشاعرة الأمل على الرغم من الألم؟
- ما أتعس الحياة لولا فسحة السفر على أجنحة الخيال. أتأبط انكساراتي وأدوّنها بحبر وتبر ربما تزهو فأصدقها. أستدعي كل جوارحي من جرح ينزف لأقول ما يشغلني. أطفو بين الطيور على أمل أن تنبت لي أجنحة.. أغفو لأحلم أنّ الواقع تجربة قد تكون جميلة فأكتب وأكتب ولا أستفيق خوفا من الحقيقة.
وهنا تشاركنا الشاعرة البنّا قصيتها «لعينيك» فتقول:
«لعينيك رقية
 وسكر نبات
 ولتكن يا سيد الحزن
 حزمة دمع
 ممزوجة بشعشعات الغيوم...
أمرر شفتي على رواق المدينة وكتبها المنزّلة.
أبتدع صلاة من صدى دعوات مريم وفاطمة والخنساء.
أتسمع كيف ردّد المطر استضاءات البرق؟
كيف استباح الحرف المقدس أغاني المئذنة السمراء؟
أحببت أن أنهل من عينيك تقاسيم جرحي المرتسم على خط الحنين.
أن أطوي أصعابي
أذوب البحر في تهجئة المعوذات كلها...
أحضن القلب بالقلب».
{ الواضح في مفردات كتاباتك التأثير الصوفي الإيماني خصوصاً في تعابير مثل الصلاة، القربان، المذبح، المقدس، الإعتراف... برأيك هذا الاستخدام المقصود في المبنى يزيد المعنى عمقاً؟
 - التصوف هو انعكاس لصورة الله في دواخلنا. هو القدرة على تصفية النفس من كل شرورها لتزرع الجمال حولها فتصفو وترق وتتهذّب. بقناعتي التصوف هو صفوة الأديان كلها مما أدخل عليها من تلوث سياسي. ولا أجد حضورا للسلام الإنساني إلا بالتصوف والعرفان. لذلك أركع لآلهة المذبح وقربانه المقدس وأحجّ بيت الله بإيمان موحد أدرك درب النجاة. هي أفكاري أمارسها بقناعة وأكتبها بجرأة وأنكر كلّ من يميّز بينها. أسكن صومعة مليئة بالأفكار المقدسة ورثتها وطبّقتها في فلسفتي الخاصة. أن تعرف الله لن تلوثك الأديان برمّتها. والإنسان هو أول الأديان وقبلها وعلينا عبادة الإنسانية.
المبنى والمعنى واحد في شعوري الإنساني والعمق درجة من أدراج الوصول للحقيقة الكليّة. نجحت أم فشلت في نظر النقاد المهم إني وصلت ونجوت.
{ سناء البنّا العضو في الهيئة الإدارية لإتحاد الكتّاب اللبنانيين، برأيك ما هي التحدّيات التي يعاني منها المثقف التي نمرّ بها؟
- على الرغم من كورونا، وإنهيار الوضع الاقتصادي والسياسي والأزمات الخانقة المتلاحقة بقي الكاتب والمثقف بشكل عام يحارب على الرغم من كل الصعوبات. فالتحديّات هائلة لكن الإرادة فعل المعجزات.
{ برأيك هل الكتابة تشفينا من أوجاعنا خاصة في هذا الوطن المعذّب؟
- شخصيا لم أكتب لأحصل على لقب ولم أتبع خطا شعريا أو نثريا أو قصصيا. كانت صرختي اللّغوية الأولى لأعبّر أنّني كائن عانق المعاناة برفض وتحدّي، كسرتُ الكثير من السدود النفسية بقلم رصاص نحيل. كنت أحفر للحياة خنادقا أطمرها لتزهر وقد نجحت بالسيطرة على كآباتي.
الكتابة جزء مهم من علاج كوارثنا الوطنية والنفسية لمن استطاع تطويع اللغة بقدراته.. قلتها مرارا: «أنا أكتب لأتنفس لأحيا بسلام مع ذاتي».


أخبار ذات صلة

طلب من معين شريف للمجتمع الدولي: "بكفي ظلم بقى"
إنقاذ رضيع بقي تحت الأنقاض أكثر من 50 ساعة في [...]
حبشي: نحن قوم عشقنا الحرية