بيروت - لبنان

اخر الأخبار

30 أيار 2025 12:00ص كيف تُلهم لوحات جبران طرزي التصاميم الهندسية في العالم من حولنا؟

حجم الخط
تُعرَّف الهندسة بأنها دراسة خصائص وقياسات وعلاقات النقاط والخطوط والزوايا والأسطح والأجسام الصلبة. لكن الهندسة ليست مجرد أرقام أو أشكال مجردة، بل هي لغة بصريّة حيّة تتجلّى في كل مكان حولنا، من الطبيعة إلى الفن، ومن المباني إلى اللوحات التي تزيّن جدراننا. إذ تأخذنا لوحات «جبران طرزي» في رحلة لاستكشاف كيف تستعمل الهندسة في تصميم اللوحات الفنية، وكيف يمكن لهذه التصاميم أن تخلق أنماطاً وأشكالاً مدهشة تتداخل فيها الرياضيات مع الإبداع.
المصممون والفنانون يستخدمون الهندسة لتطوير أنماط هندسية دقيقة ومعقّدة في لوحاتهم، فتتحوّل الأفكار المجردة إلى أعمال فنية تنبض بالحياة. في بعض اللوحات، يمكن أن نجد تكرار الأشكال الهندسية كالدوائر والمربعات والمثلثات، التي تُرتب بطريقة تخلق توازناً وتناغماً بصرياً. كاللوحات التي صممها الفنان جبران طرزي واستخدم فيها الأشكال الهندسية بطريقة تثير الدهشة. رغم بساطة المربعات التي تشكّل النمط، إلّا أن التركيب النهائي يخلق تصاميم معقّدة تشمل أشكالاً مختلفة وتبدو وكأنها تنبض بالحياة. فكيف تفسر الهندسة هذه الأنماط؟
الأشكال الهندسية تزوّدنا بالأدوات لفهم كيفية ترتيب الأشكال وتكرارها بشكل منتظم. من خلال دراسة الزوايا، والتناظر، والتكرار، فقد استطاع طرزي أن يخلق أنماطاً مذهلة تجذب العين وتثير الفكر. عندما تنظر إلى لوحة تحمل أشكالاً طرزية، فأنت في الواقع تشهد تطبيقاً حيّاً لمبادئ الهندسة. وبمعرفة هذه المبادئ، يمكنك أنت أيضاً أن تبدأ في خلق أعمال فنية فريدة تدمج بين العلم والفن. فالهندسة ليست مجرد موضوع فني، بل هي مفتاح لفهم العالم من حولنا بطريقة جديدة. اللوحات التي نراها كل يوم ليست مجرد ألوان وأشكال، بل هي تعبير عن نظام رياضي متقن يُضفي على حياتنا جمالاً وتنظيماً.
لهذا تستضيف صالة «أجيال» في بيروت معرضاً لأعمال الفنان اللبناني جبران طرزي، أحد أبرز رواد الحركة التشكيلية اللبنانية. يسبق المعرض محاضرة علمية أقيمت في 6 أيار/مايو 2025 في الجامعة الأميركية في بيروت (AUB) ألقاها الأستاذ مراد منتظمي، وتناولت العلاقة الجدلية بين الحرفة الفنية العربية والفن الحديث، متخذة من جبران طرزي نموذجاً للدراسة. حضر المحاضرة أكثر من 70 طالباً ومثقفاً وخبيراً فنياً. وفي اليوم التالي، 7 أيار/مايو، افتُتح المعرض رسمياً بزيارة طلابية، ويستمر حتى 14 حزيران/يونيو 2025.
تُعرض أعمال طرزي حالياً في صالة «أجيال»، التي تأسست عام 1990 وتُعدّ من أبرز صالات العرض للفن الحديث والمعاصر في بيروت والعالم العربي. وقد عُرفت بتقديمها أعمالاً لفنانين مرموقين ومواهب صاعدة على حد سواء.
من جهة أخرى، تحتضن الجامعة الأميركية في بيروت منذ 12 آذار/مارس 2025 جناحاً لمؤسسة «جبران طرزي» ضمن معرض «الجدران المفتوحة»، الذي لا يزال قائماً حتى اليوم. هذا الحضور المميّز يرسّخ موقع جبران طرزي كأحد أعمدة الفن التشكيلي اللبناني، إلى جانب رواد مثل خليل صليبي، صليبا دويهي، عمر أنسي، وسيزار جميل.
وفي العام نفسه، خصصت مجلتا «الأديب العراقي» و«المجلة العربية» في السعودية مقالات موسّعة حول مسيرة جبران طرزي الفنية، مما يعكس المكانة البارزة التي يحتلها في تاريخ الفن العربي الحديث.
قد حظيت تجربة طرزي الفنية بتغطية واسعة، إذ خصصت مجلتا «الأديب العراقي» و«المجلة العربية» خلال عام 2025 مقالات معمّقة تناولت تجربته بالتوثيق والتحليل. كما ألّف الناقد العراقي خضير الزيدي كتابين عنه: «جبران طرزي – سيرة إبداع فني مشرقي» (دار الأديب، الأردن، 2024) و«جبران طرزي – رائد الأصالة والتجديد» (بغداد، 2025). وبدورها، تناولت الناقدة اللبنانية ضحى عبدالرؤوف المل أعمال جبران طرزي في كتابيها «لمح بصري» و«توازن بصري»، الصادرين عن دار الجندي بالقاهرة عام 2024.
يُشار إلى أن الفنان جبران طرزي وثّق رؤيته الجمالية في كتاب «التنويعات الهندسية» (دار الفنون الجميلة، لبنان، 2007)، فيما صدر له كتاب «المواسم الاثنا عشر» عام 2017 في باريس عن دار «زمان»، من تأليف المؤرخ الفني الفرنسي مراد منتظمي(*).
كما حظي جبران طرزي بدراسة في كتاب «الهندسة والفن في الشرق الأوسط الحديث» بالانكليزية عن دار «سكيرا» وهو مجلد صدر في لندن عام 2019 حول استخدام الهندسة الإسلامية في الفن الحديث والمعاصر بتوقيع روكسان زاند والأكاديمية سوزان باباي.
علما أن مسيرة جبران طرزي موثّقة بشكل كامل من قبل «متحف بيروت للفن المعاصر» BeMA ويمكن أيضا مراجعة كتب موثّقة حول جبران طرزي في كل من المتحف العربي للفن الحديث في الدوحة - قطر ومتحف سرسق في بيروت - لبنان والمتحف الوطني للفن الحديث والمعاصر في تونس والمتحف الوطني الأردني للفنون الجميلة وصولا إلى المدرسة العليا للفنون الجميلة في الجزائر وجامعة نيويورك أبوظبي وجامعة القديس يوسف USJ في بيروت - لبنان. ومعهد العالم العربي في باريس -فرنسا ومتحف مجموعة الابراهيمي للفنون التشكيلية العراقية.

(*) الأستاذ مراد منتظمي، مؤرخ فني وناشر وأمين متحف، شغل سابقاً منصب أمين قسم «الشرق الأوسط وشمال إفريقيا» في متحف «تيت مودرن» بلندن بين عامي 2014 و2019. أسّس لاحقاً منصة «زمان بوكس آند كيوريتينغ» المتخصصة بالنشر وأمانة المتاحف، بهدف استكشاف الحداثات في العالم العربي، الإفريقي، والآسيوي.