بيروت - لبنان 2021/10/20 م الموافق 1443/03/13 هـ

عقدان على ضربات الإرهاب أثبتا أن مكافحته مدمرة أكثر منه

تمثال الحرية يظهر وسط سحب غبار ودخان من الدمار الذي سببته ضربات الإرهاب في 11 سبتمبر (أ ب)
حجم الخط

تهاجم فيروسات معينة الجسم البشري بشكل غير مباشر من خلال إثارة رد فعل مبالغ فيه من قبل جهاز المناعة، يؤدي إلى تدمير الجسم نفسه. وتجري العمليات الإرهابية الناجحة بالطريقة نفسها، إذ تثير رد فعل مضاد لا يتناسب مع الهجوم الأصلي، فيصيب الضرر الحقيقي الهدف الذي ضربه الهجوم.

وبحكم طبيعتها، تكون المجموعات التي تعمل خارج مؤسسات الدول [= غير الدولاتية] التي تستعمل "الإرهاب" كسلاح أساسي لها، صغيرة ومحدودة الموارد في العادة. وحينما وقعت اعتداءات 9/11 قبل عشرين عاماً، لم تضم صفوف "القاعدة" التي صارت على الأرجح أشهر منظمة إرهابية عرفها التاريخ، سوى أقل من ألف ناشط في أفغانستان، وتلقت آنذاك دعم شبكة واسعة غير ثابتة من الأشخاص المتطرفين الموزعين في أنحاء العالم. ولقد تسبب تدمير البرجين في صدمة هائلة لأميركا، لكن "القاعدة" لم تتمكن على الإطلاق من شن هجوم مشابه آخر.

وعلى الرغم من أن اعتداءات 9/11 مدمرة في حد ذاتها، بكل تأكيد، فإن نجاحها الحقيقي تمثل في إثارة حملة مكافحة للإرهاب لا تزال مستمرة حتى الآن، وقد ألحقت الضرر بالولايات المتحدة على المستويات كافة، إذ تعرضت الولايات المتحدة كقوة عظمى للأذى لأنها فشلت في الفوز بالحروب في العراق وأفغانستان. وتضاءلت قيمتها كمجتمع متحضر لأنها لجأت إلى الترحيل السري [تسليم الأجانب المتهمين بالإرهاب سراً إلى دولة أخرى بهدف التحقيق معهم بطرق غير قانونية في أميركا]، والتعذيب والسجن من دون محاكمة. وكذلك بررت أعمالها غير القانونية من خلال الادعاء بأن تلك الوسائل لم تستخدم إلا في المساعدة على تحقيق السلامة للعامة.

لم يظهر أسامة بن لادن مكراً شيطانياً من خلال نصب فخ للولايات المتحدة حين خطط ومساعدوه ضربات 9/11 ونفذوها. لقد أرادوا أن يجروا الولايات المتحدة إلى خوض معركة في العالم الإسلامي، وقد نجحوا في ذلك بشكل فاق أحلامهم الأكثر طموحاً.

طبقاً لهذا التحليل، اكتسبت كلمتا "إرهابي" و"إرهاب" معنى أكثر دقة، علماً أنهما امتلكتا ذات يوم معاني معينة، لكن جرى التقليل من قيمتها حتى باتتا كلمتين فظتين تستعملان لمجرد الإساءة. وهكذا، فإن من يعتبره شخص ما إرهابياً يكون في شكل علني، بالنسبة لشخص آخر، مقاتل من أجل الحرية. وتشجب حكومات استبدادية كتلك الموجودة في تركيا ومصر كل من يعارضونها، وتعاقبهم جميعاً بوصفهم إرهابيين.

في المقابل، يأتي "الإرهاب" من النمط الذي تمارسه أطراف فاعلة غير دولاتية على شكل فعل عنفي، يكون عادة عبارة عن عملية اغتيال أو هجوم بالقنابل يهدف إلى زعزعة النظام المستتب. وأساساً، يشكل ذلك [الإرهاب] السلاح الذي تستخدمه حركات صغيرة لها نواة صغيرة من الناشطين، لكنها تقاتل حكومة قوية. ويقدم الإرهابي من خلال ما سمي يوماً ما "بروباغندا الفعل" استعراضاً مذهلاً لمدى تحديه القوى القائمة ويكشف عن ضعفها.

في المقابل، لا يستطيع الإرهاب حقاً أن يولد تغيراً ثورياً إلا حين يتمكن من إخافة القوى التي يحاربها، أو يغريها كي تبالغ في الرد عليه. ويشكل الأمران الأخيران موضوعاً غير معروف من لدن كثيرين ممن يمارسون الإرهاب، إذ تعمد الحكومات تماماً إلى المبالغة في الرد لأن الجمهور يتوقع منها اتخاذ إجراءات عملية حينما تكون في خطر، فيما ترى [الحكومات] أن ذريعة قد توفرت لها كي تبسط سلطتها الخاصة. ويطلق القادة السياسيون حملات مضادة للإرهاب، متظاهرين بأنهم حماة "البيت الصغير في البراري" [سلسلة أميركية من قصص الأطفال]، ويشهرون بالمعارضين ممن يدعون إلى استجابة تكون مدروسة أكثر، كي تظهرهم كأنهم خونة أو غير وطنيين. ويجري توظيف قوة الدولة بكاملها من أجل القضاء على سمكة إرهابية صغيرة، الأمر الذي يؤدي بالتالي إلى تشويه سمعة الوضع القائم، بل تقلبه رأساً على عقب.

لقد كرر هذا النموذج نفسه على امتداد الـ150 عاماً الأخيرة. وربما شكل اغتيال الدوق الأكبر فرديناند في مدينة "ساراييفو" [شكلت آنذاك جزءاً من الإمبراطورية النمساوية] في 1914، مجرد لحظة تاريخية عابرة، لو لم تستغله الحكومة النمساوية - المجرية بحماقة من أجل التدخل بشكل متخبط في حرب دمرت إمبراطوريتها في غضون أربع سنوات.

مع ذلك، لا يقع في فخ مكافحة الإرهاب أولئك الأغبياء السياسيون وحدهم. بدأت الاضطرابات في إيرلندا الشمالية سنة 1968 بهدف التعبير عن مطالب الأقلية القومية/ الكاثوليكية في نيل حقوقها المدنية والاقتصادية، بيد أن الحكومات البريطانية والبروتستانت تعاملوا معها كأنها مطالب ثورية تشكل تهديداً للدولة نفسها. ودفعت أعمال متفرقة من التفجيرات وإطلاق النار، بالسلطات إلى ممارسة عقوبة جماعية ضد مجتمعات الأقليات. وتالياً، أدى القمع الذي مارسه الجيش البريطاني إلى الصعود السريع لـ"الجيش الجمهوري الإيرلندي المؤقت" الذي أصبح خبيراً في تحريض السلطات على نزع الشرعية عن نفسها من خلال استعمال العنف المفرط. واستطراداً، تضافرت الاعتقالات و"الأحد الدامي" في صنع أداة شجعت مزيداً من الناس على الالتحاق بالجيش الجمهوري الإيرلندي، ثم أنشئ جهاز لمكافحة الإرهاب ادّعى على الدوام أنه يقف قاب قوسين أو أدنى من تحقيق الانتصار النهائي. وعلى الرغم من ذلك، بقي ذلك الانتصار بعيد المنال.

في سياق مُوازٍ، شن الرئيس جورج بوش ورئيس الوزراء توني بلير "حرباً على الإرهاب"، جاءت واسعة النطاق. وامتلكت أهدافاً كبيرة بما فيه الكفاية كي تبرر العمل العسكري ضد أي كان، لا سيما ضد صدام حسين الذي لم تكن له علاقة بهجمات 9/11 . وفي الأسابيع القليلة الماضية، حان موسم حصاد الزرع الذي نثرت بذوره بموجب تلك السياسة. لا يبدي بوش وبلير أي علامة على فهم الأخطاء التي وقعا فيها، وكيف تصرفا على نحو صب في مصلحة أسامة بن لادن. وانتقد الجنرالات الأميركيون، ممن فشلوا في إلحاق هزيمة بحركة "طالبان" على امتداد عشرين عاماً على الرغم من قيادتهم 100 ألف جندي أميركي في أفغانستان، الانسحاب العسكري الذي أعلنه دونالد ترمب وجو بايدن، لكن من دون أن يقترحوا [الجنرالات] أي سياسة بديلة ممكنة.

وبصورة مماثلة، فلطالما انتقد بايدن التدخل الأميركي في أفغانستان باعتباره غير مُجدٍ. وفي المقابل، حينما صعد جندي أميركي إلى الطائرة في مطار كابول، هدد [بايدن] أيضاً يهدد بملاحقة "داعش–ك" (داعش خراسان) التي أوقع الانتحاري التابع لها 13 قتيلاً من الجنود الأميركيين ونحو 180 من المدنيين الأفغان. ولم يكن هناك قدر مماثل من الترويج لحقيقة أن عديداً من المدنيين القتلى سقطوا بالنيران التي رد بها على الهجوم، جنود مذعورون من القوات الأميركية أو القوى الأفغانية الخاصة التي تحمي المطار، بحسب شهود عيان محليين.

بكلمات أخرى، تولى بايدن الإعلان عن استمرار "الحرب على الإرهاب" على الرغم من فشلها الذي أدى إلى نتائج معاكسة خلال العقدين الأخيرين. وسيكون ذلك عبارة عن أخبار طيبة بالنسبة لـ"داعش-ك"، وهي مجموعة صغيرة يتراوح عدد أعضائها بين 1500 و2000 مقاتلاً، وفق تقرير أصدرته الأمم المتحدة. وبذلك، باتت المجموعة معتبرة من بين اللاعبين الرئيسين بفعل هجوم واحد، الأمر الذي سيساعدها في العثور على مزيد من المجندين وجمع المال بصفتها تضم المدافعين الحقيقيين عن الدين الإسلامي.

لقد شهدت الشيء نفسه يحدث قبل 20 سنة حين أطيح حركة "طالبان" في 2001-2002، إذ لم تهزم بشكل حاسم في ميادين القتال، بل واجهت صعوبات لا يمكن تذليلها وخسرت الحرب. وربما لم تكن لتذكر على الإطلاق، لو لم تطالب المملكة المتحدة باستسلامها غير المشروط واستمرت في مهاجمتها.

في تطور متصل، بدت الحرب على الإرهاب مناسبة للغاية، وناجحة ظاهرياً، بمعايير السياسة المحلية الأميركية، الأمر الذي حمل واشنطن على الاستمرار في خوضها حتى حينما لم يعد هناك أعداء في أفغانستان، وبعد تفكك "طالبان" وهرب ما تبقى من "القاعدة" إلى باكستان. فقد استعادت الولايات المتحدة من جديد أمراء الحرب القدماء ممن كانوا في الماضي مجاهدين مناهضين للشيوعية، لكن كثيرين من السكان اعتبروهم رجال عصابات عنيفين. وقد خاضوا [أمراء الحرب] حرباً أهلية شرسة بين عامي 1992 و1996. وأدت جرائمهم الوحشية إلى بروز "طالبان" واستيلائها السريع على معظم البلاد. ومن خلال إعادة أمراء الحرب بعد 2001، أتاحت الولايات المتحدة لحركة "طالبان" البروز مرة ثانية.

واستطراداً، يتمثل الدرس الذي يمكن استخلاصه من الحرب على الإرهاب في أن الحركات الإرهابية كـ"القاعدة" أو " داعش " في العراق وسوريا يمكن التغلب عليهما بمجرد أن تصبح رؤيتهم ممكنة [بمعنى أن يكونوا بارزين عالمياً]. في المقابل، تثمل حملة مكافحة الإرهاب تهديداً للاستقرار يعتبر أشد خطورة بكثير [من المجموعات الإرهابية] لأن الحكومات والجيوش وأجهزة الأمن تستفيد من وجود تلك الحركات، ولا تريد إنهاء وجودها فعلاً، إذ تساعد [المجموعات الإرهابية] في إقناع الناس بأن الدولة مهددة من قبل قوى ظلامية لا تستطيع رؤيتها، ولا يمكن مكافحتها إلا من خلال التعذيب والاعتقال التعسفي من دون محاكمة، ومصادرة الحقوق المشروعة والحريات المدنية. ومهما كانت الفظائع التي ترتكب في "غوانتانامو" بكوبا، فإن "مطار باغرام" في أفغانستان أو [سجن] "أبو غريب" في العراق، تشكل كلها أجزاء ضرورية من "التشدد في محاربة الإرهاب". بالتالي، تعمل التكتيكات العسكرية المتبعة في مكافحة الإرهاب على تشجيع التعاطف مع أولئك الذين يفترض بتلك التكتيتات أن تستهدفهم. وفي العادة، يجري تنفيذ العمل العسكري من قبل وكلاء محليين وعن طريق غارات جوية وهجمات بطائرات مسيرة. وتجري البرهنة بشكل ثابت على أن ادعاءات الاستهداف الدقيق كاذبة حين تجري معاينتها من قبل شهود على الأرض. وينظر غالبية القرويين الأفغان، علماً بأن معظم الأفغانيين يعيشون في قرى، إلى "المداهمات الليلية" التي تنفذها مجموعات هجومية خاصة، على أنها ليست أفضل من عمليات قتل تعسفي تنفذها فرق الموت. وبغض النظر عن تلك المداهمات، استندت طريقة الولايات المتحدة في شن الحرب في العراق وسوريا وأفغانستان، على الغارات الجوية التي يتطلب تنفيذها وجود قوات برية على الأرض.

وعلى الرغم من كل المزاعم في شأن الدقة، فإن القوة الجوية أكثر الأدوات فظاظةً، وتعتمد على معلومات استخباراتية مريبة يصعب التحقق من صحتها، وغالباً ما يتبين أنها خاطئة أو جاءت من جهة غير محايدة. ومثلاً، زعمت الولايات المتحدة أن هجماتها قد قتلت مدنياً واحداً على الأرض في بلدة تقع جنوب الموصل، إلا أن تحقيقاً ميدانياً كشف عن أن العدد الحقيقي للضحايا المدنيين بلغ 43 قتيلاً، بينهم 16 طفلاً. وكذلك شكل الغضب جراء الخسائر في الأرواح في صفوف المدنيين، جزءاً من الأسباب الرئيسة التي ذكرها مقاتلو حركة "طالبان" كمبررات لالتحاقهم بالحركة. ومن المرجح أن أي محاولة أميركية لملاحقة "داعش– ك" بواسطة طائرات مسيرة كالتي وعد بايدن بتنفيذها، ستكون ملطخة بالدماء وغير فاعلة، تماماً كشأنها في الماضي.

في مقلب مغاير، يرفض أنصار التدخل الأجنبي في الشرق الأوسط الاستفادة من دروس ا لإخفاقات الماضية ، أو حتى الاعتراف أن شيئاً ما قد نفذ بشكل خاطئ. وتجري على نطاق واسع مناقشة أن الولايات المتحدة كانت ستنتصر في أفغانستان لو لم تنشغل عنها بغزو العراق في 2003. وفي الواقع، غالباً ما شكلت المداهمات والغارات الجوية التي تنفذ ليلاً من قبل القوات الأميركية، السبب الجذري في ظهور حركات التمرد المحلية. واستطراداً، شكّل الذين استهدفتهم تلك الأعمال العسكرية إما أعداءً على المستوى الشخصي، أو منافسين تجاريين أو أفراداً ينتمون إلى قبيلة مُعادية لأمراء الحرب المقربين من الولايات المتحدة الذين وصفوهم لها بأنهم أعضاء في "طالبان" أو "القاعدة".

وتالياً، إن ما بدأ في العراق وأفغانستان كغزو تقوده أميركا بهدف إطاحة حاكمين لا يتمتعان بالشعبية، سرعان ما تحول إلى شيء أقرب إلى احتلال استعماري من الطراز القديم. وبصورة دائمة، جاء الحديث عن "بناء الأمة" كأن إحدى حيل العلاقات العامة بهدف تسويغ الأعمال التي ينفذها المحتلون. وثمة إمكانية لأن تؤخذ تلك الحيلة على محمل الجد في الخارج، لكن ليس من قبل من يعتبرون الوجود الغربي بينهم أجنبياً، فيما حركة "طالبان" أفغانية أصيلة، في الأقل.

لقد تركز كثير من النقاش المؤلم منذ سقوط كابول في 15 أغسطس (آب) الماضي، على خطر تحول أفغانستان ملاذاً للإرهابيين، وقد قيل إنها كانت كذلك قبل ضربات 9/11. وجرت المبالغة في ذلك على الدوام، إذ إن مجموعات تنفذ حرب عصابات لا تحتاج إلى إخفاء وزارة الدفاع الصغيرة الخاصة بها في جبال "هندو كوش". وعلى نحو مماثل، إن الاحتياجات اللوجستية لمجموعة من نوع "داعش خراسان" محدودة، وسيكون من الحماقة أن تتخذ مقراً لها في مكان واحد بعينه.

وبالتالي، تقتضي مصلحة "طالبان" عدم استضافة أي مجموعة كـ"داعش" في وقت يكون فيه النظام الأفغاني الجديد في حاجة ماسّة إلى المساعدة ويريد الحصول على الاعتراف من الغرب كحكومة شرعية لأفغانستان. وتقاتل "طالبان" ضد "داعش خراسان منذ 2015، وتريد تقديم نفسها كحليف موثوق به ضد تلك المجموعة، التي تعتبر الآن قوة أصغر حجماً بالمقارنة مع ما كانت عليه قبل خمس سنوات.

ومع ذلك، بمعنى أوسع، سيكون لعودة "طالبان" إلى السلطة في كابول، تأثير كبير في إظهار قدرة الإسلام السني الأصولي على الصمود وإلحاق هزيمة بالأعداء الأقوياء. لقد هزمت الحملة الأكثر استدامة تاريخياً في مكافحة الإرهاب، خلافاً لكل التوقعات. وستردد صدى هذه الرسالة في المجتمعات الإسلامية جميعها عالمياً.

المصدر: اندبندنت


أخبار ذات صلة

جريدة اللواء 20-10-2021
المنطقة تعيش مخاض ما قبل التسوية ومخاوف على لبنان من [...]
بين الطاقة المُستدانَة والتنمية المستدامَة