يائير غولان
وقف بنيامين نتنياهو في البيت الأبيض قبل يومين، وأعلن موافقته على خطة الرئيس ترامب، وبذلك أحيا الحل الوحيد الذي يمكن أن يحقق أمناً طويل الأمد لإسرائيل: حل الدولتين.
هذه «الـنعَم» التي قالها نتنياهو لم تكن مجرد خطوة سياسية، بل كانت اعترافاً صريحاً بانهيار التصور اليميني القائم على إمكان تحقيق الأمن من خلال تجاهُل القضية الفلسطينية، أو من خلال القوة وحدها؛ إنها أيضاً تمثل الموافقة الضمنية على الطريق التي كنا نطالب بها وندعو إليها منذ البداية.
لقد دخلتُ المعترك السياسي من أجل الدفع بمشروع الانفصال عن الفلسطينيين ضمن إطار تسوية إقليمية تؤدي إلى قيام دولتين تعيشان، جنباً إلى جنب، بأمن وسلام. وكعسكري خدم أعواماً طويلة في الميدان الأمني، بما في ذلك ضابط عمليات في قيادة منطقة «يهودا والسامرة» خلال تنفيذ اتفاقيات أوسلو، وقائد فرقة الضفة الغربية في الفترة 2005-2007، أستطيع القول بوضوح إن حل الدولتين يشكل مصلحة استراتيجية لدولة إسرائيل، والطريق إليه لا تقلّ أهميةً عن الهدف نفسه.
لو كان لدينا رئيس وزراء حريص على مستقبل البلد، لكان بدأ منذ أكثر من عام بإجراء مفاوضات مكثفة مع مصر والأردن والسعودية والإمارات، لبناء مستقبل أكثر أمناً لغزة، بالتعاون مع هذه الدول. إن الخطة التي يجري الحديث عنها اليوم، والتي أتت على أساس مبادرة ترامب، كان يمكن أن تكون مطروحة على الطاولة قبل عام ونصف العام، لو بادرت إسرائيل إلى ذلك، لكن نتنياهو، الذي فضّل الحفاظ على مقعده، بدلاً من الحفاظ على حياة الأسرى والمخطوفين، عمل على إحباط أي فرصة جدية لمثل هذه الخطة.
لكن إسرائيل ما بعد السابع من أكتوبر ليست مثلما كانت عليه قبله، ولن تعود كالسابق. لقد خلّفت الصدمة الجماعية مشاعر من الكراهية وانعدام الثقة تجاه الفلسطينيين لم نشهد مثيلاً لها منذ أعوام. لا يمكن تجاهُل هذه المشاعر، أو آثارها، والتي لن تزول من تلقاء نفسها ما لم نعترف بها ونتعامل معها بوعي ومسؤولية.
لا يمكن أن تمرّ الطريق نحو المستقبل عبر حرب عديمة الجدوى تُستغل فيها الصدمة الوطنية لتحقيق أوهام أيديولوجية بشأن الضم. لا. يجب أن يكون هناك خطة مدروسة، واقعية، يوجد فيها تمييز بين الممكن والمطلوب.
إن المسألة الفلسطينية هي الساحة التي سيُحدَّد فيها مصير الدولة، والتحدي الأكثر إلحاحاً الآن يكمن في غزة: مَن سيسيطر عليها؟ ومَن سيتولى إعادة إعمارها؟
إن الحكمة الإسرائيلية ستُقاس اليوم من خلال قدرة إسرائيل على التأثير في بناء بديل حاكم من تنظيم «حماس الإرهابي» في القطاع. هذا البديل لا بد من أن يحظى بشرعية فلسطينية داخلية، ويكون معتدلاً في الوقت نفسه، وقادراً على التعاون مع الدول السّنية المعتدلة. هذه الدول وحدها قادرة على دعم إقامة هذا الحكم واستقراره، وهي أيضاً مَن يستطيع المساهمة في إعادة إعمار غزة.
هذان المساران – السياسي والاقتصادي – يحتّمان علينا التخلي عن التصورات الحالمة والمثالية للسلام، وفي هذه المرحلة، لن يكون الشريك الفلسطيني المستقبلي قادراً على ضمان أمن الإسرائيليين بشكل كامل، ولهذا، يجب على إسرائيل السعي لانفصال مدني مسؤول، مع الحفاظ على الحق وضرورة السماح للجيش الإسرائيلي وقوات الأمن بحُرية العمل العملياتي لمنع وإحباط التهديدات «الإرهابية» والرد عليها، إلى أن نصل إلى نقطة يصبح فيها ذلك غير ضروري.
تبدأ الطريق إلى تلك النقطة بإنهاء الحرب وإعادة جميع الأسرى، بالتعاون الوثيق مع دول المنطقة المعتدلة، ومع الدول الغربية، وعلى رأسها الولايات المتحدة، ثم لا بد من استبدال الحكم الموقت والمتعدد الجنسيات، الذي قد يُقام في غزة لاحقاً، بحُكم فلسطيني مستقل قادر على أن يكون شريكاً أمنياً وسياسياً حقيقياً لإسرائيل، وأن يكون أيضاً حُكماً عادلاً لشعبه.
مَن يعتقد أن نتنياهو قادر على قيادة إسرائيل في هذا المسار يعيش في وهم، ولم يصغِ جيداً إلى ما قاله قبل يومين. إن الطريق الجديدة التي يجب أن نسلكها نحو حياة تستحق أن نعيشها، يمكن أن تقودها فقط حكومة جديدة، لا تشمل أحزاب الائتلاف الحالية.
منذ أن ظهر «يوم الغفران» في سنة 1973، اعتدنا أن يكون هذا اليوم مناسبة لمحاسبة الذات الوطنية إلى جانب المحاسبة الشخصية، وبعد مرور 52 عاماً، ونحو عامين على «مذبحة» 7 أكتوبر، حان الوقت ليكون «يوم الغفران» أًيضاً يوماً لمحاسبة السلطة، وبعده، يمكن أن نبدأ بعملية الإصلاح.
المصدر: هآرتس
اعداد: مؤسسة الدراسات الفلسطينية