ثمة حقيقة جوهرية تكاد تغيب عن معظم التحليلات الكبرى المنشغلة بالتنافس الإيراني - الإسرائيلي: أن لبنان ليس مجرد جبهة عسكرية عرضية، بل هو نقطة التقاء مصالح متعارضة بين طرفين يريد كل منهما نسف مسار الآخر الدبلوماسي قبل المسار العسكري.
فالموجة الأخيرة من قصف الضاحية الجنوبية لبيروت تحمل هدفين متشابكين: الأول عسكري ميداني، والثاني سياسي مضمر هو تعطيل مسار التفاهمات الإقليمية والدولية التي ترعاها واشنطن، وتحديداً في اللحظات التي تبدو فيها الإدارة الأميركية على وشك إعلان اختراقات دبلوماسية ملموسة، وفقاً لتصريحات الرئيس ترامب المتلاحقة حول قرب التوصل إلى اتفاقات تسوية. في المقابل، لا تتحرك طهران عبر أوراقها وصواريخها رداً عسكرياً بحتاً، بل كوسيلة لنسف أي مسار أميركي منفرد في الملف اللبناني، وسعياً لاستعادة نفوذها على ساحة تآكلت فيها هوامش المناورة السابقة بفعل الضربات المتلاحقة وانحسار السيطرة المطلقة لـ «حزب الله».
والمفارقة المأساوية أن الطرفين يلتقيان، رغم عدائهما «الوجودي»، على نقطة واحدة: استمرار القتال فوق الأرض اللبنانية، ودفع اللبنانيين فاتورة حروب تتقاطع فيها مصالح أطراف لا تعبأ بأرزاقهم ولا بدمائهم. في هذا السياق، تبرز المصلحة اللبنانية الاستراتيجية في مسارين متوازيين لا تنازل عن أيٍّ منهما: وقف التمدد العسكري الإسرائيلي الذي يسعى لتعميم نموذج غزة تدميراً وتهجيراً، واسترداد استقلالية القرار الوطني في مواجهة المحاولات الإيرانية الدؤوبة لإعادة فرض الوصاية والالتفاف على السيادة.
من هذه البوصلة الثنائية تحديداً: «لا للعدوان الإسرائيلي، ولا للوصاية الإيرانية»، نقرأ أبعاد المشهد الراهن.
• قواعد لعبة جديدة في غضون ساعات
في غضون ساعات معدودة، قطعت منطقة الشرق الأوسط شوطاً بالغ الخطورة على طريق المجهول؛ فمع تجاوز الصواريخ الإسرائيلية الأسقف المعتادة واستهدافها عمق الضاحية الجنوبية لبيروت، جاء الرد الإيراني المباشر بصواريخ باليستية استهدفت قاعدة «رامات ديفيد» الجوية، ليُسدل الستار رسمياً على حقبة «حرب الظل» والوكلاء، ويفتح باب المواجهة المكشوفة على مصاريعه.
لم تكن الاستهدافات الأخيرة مجرد عمليات عسكرية عابرة، بل رسائل مفصلية لتثبيت قواعد اشتباك جديدة؛ فبرفع السقوف الأمنية، أرادت إسرائيل إيصال رسالة واضحة بأن خطوطها الحمر السابقة قد انتفت تماماً ما دامت أهدافها الاستراتيجية تستدعي ذلك. وفي المقابل, جاء تبني الحرس الثوري الإيراني للضربات الصاروخية الأحدث، وتحذيراته من ردود «أكثر سحقاً وتدميراً»، ليعكس رغبة طهران في عدم خسارة قوة الردع المباشرة.
وتكتسب هذه المواجهة بُعداً دولياً خطيراً مع تلويح المراجع السياسية والعسكرية في طهران بورقة الضغط الأشدّ إيلاماً: نقل المعركة إلى مضيقَي هرمز وباب المندب، وهو تهديد يتجاوز الخطاب السياسي المحتدم ليلامس عصب أسواق الطاقة العالمية، مهدّداً بأزمة اقتصادية دولية تكشف الحجم الحقيقي للأوراق التي لا تزال طهران مستعدة للمقامرة بها.
• اختلال الميزان العسكري وكلفة الاستنزاف
خلافاً لما تُوحي به صورة «الصدام بين متكافئَين»، تكشف الوقائع الميدانية المتلاحقة عن اختلال واضح في موازين القوى التكنولوجية والاستخباراتية. فالجولات الأخيرة من المواجهة المباشرة أظهرت قدرة إسرائيل على إيقاع أضرار حقيقية ببنية الدفاع الجوي ومنشآت الصواريخ في الداخل الإيراني، في حين بقيت النتائج الميدانية اللهجمات الإيرانية الكثيفة دون مستوى التأثير الاستراتيجي الحاسم، وهو ما كان يدفع طهران في كل مرة إلى البحث عن قنوات لخفض التصعيد مدفوعةً بحسابات الضعف لا الرغبة في السلام.
غير أن هذا الاختلال لا يعني انعدام الخطر؛ فالمعادلة الميدانية تفرض كلفة استنزاف قاسية على منظومات الدفاع الجوي الإسرائيلية والحليف الأميركي، حيث تُجابه الصواريخ الدفاعية الباهظة الثمن أسراباً متجددة من المسيّرات والصواريخ منخفضة التكلفة، مما يمنح إيران نَفَساً أطول في حرب الاستنزاف الاقتصادية والعملياتية، في مقابل أعباء مالية متصاعدة على المعسكر الآخر.
• الزلزال الاستراتيجي والمخاوف النووية
على مدى عقود، راهن المخططون الاستراتيجيون في طهران على الترسانة الصاروخية الضخمة لـ «حزب الله» في لبنان باعتبارها خط الدفاع الأول والرادع الأساسي لأي هجوم عسكري يستهدف الأراضي الإيرانية. لكن هذا المفهوم تعرّض لزلزال حقيقي بعد أن نجحت الآلة العسكرية الإسرائيلية في إنهاك واخزاق القدرات البنيوية للحزب، وقطع شرايين إمداده اللوجستية عبر التحولات الجيوسياسية الإقليمية الكبرى.
هذا الانكشاف الاستراتيجي، وتراجع فاعلية «محور المقاومة» كحائط صد تقليدي، يفرض اليوم هواجس أمنية أشدّ خطورة؛ إذ تتصاعد المخاوف الدولية من أن تجد إيران المستنزفة عسكرياً واقتصادياً نفسها مدفوعة نحو خيارها الأخير والأكثر خطورة: تسريع عتبة تسليح برنامجها النووي كضمانة وحيدة لبقاء النظام وإعادة التوازن للمشهد، وهو السيناريو الذي يفسر الاستنفار الأميركي والإسرائيلي المتزايد لقطع الطريق أمام هذه الخطوة قبل فوات الأوان.
• واشنطن والمنطقة: بين التريث والحذر
في المقلب السياسي، يبدو المشهد في واشنطن معقداً للغاية؛ فالرئيس ترامب يجد نفسه أمام معادلة صعبة بين حليف إسرائيلي يتصرف أحياناً بقرار منفرد في لحظات دبلوماسية بالغة الدقة، وخصم إيراني يسعى لخلط الأوراق عبر تهديد المصالح الأميركية وأمن الطاقة في المنطقة. تصريحات ترامب وتحذيراته المتكررة لنتنياهو من مغبة الانجرار إلى صراع ممتد «قد يستمر لسنوات طويلة»، تعكس رغبة واشنطن في لجم التصعيد غير المنضبط والتركيز على إنجاز صفقات سياسية شاملة.
وفي ظل هذا الترقّب، تعيد العواصم العربية والخليجية رسم خرائطها الدبلوماسية بحذر شديد، متبنيةً استراتيجية النأي بالنفس والاتصال الدبلوماسي المكثف، لتجنيب المنطقة تداعيات انفجار شامل لا يبدو أن أحداً يملك القدرة الكاملة على السيطرة على مساراته.
• مسارات المستقبل: ثلاثة سيناريوهات مفتوحة
أمام هذه المعطيات المتشابكة، يتأرجح المشهد الإقليمي بين ثلاثة مسارات رئيسية:
- السيناريو الأول: الهبوط التدريجي المنضبط (الأرجح مؤقتاً): حيث تكتفي الأطراف بالجولات الحالية كرسائل قوة متبادلة لحفظ ماء الوجه، لتفسح المجال أمام القنوات الدبلوماسية الدولية لإعادة صياغة قواعد اشتباك جديدة تحت سقف تفاوضي مباشر أو غير مباشر.
- السيناريو الثاني: الانزلاق نحو الحرب الشاملة: ويندلع هذا المسار في حال أدّت أي ضربة قادمة إلى خسائر بشرية غير متوقعة أو استهدفت منشآت حيوية بالغة الحساسية، مما سيفجّر الجبهات كافة بشكل متزامن، ويضع تدويل الصراع واستهداف الممرات المائية الدولية كأمر واقع.
- السيناريو الثالث: التصعيد النووي والضربة الاستباقية: وهو المسار الأبعد مدى ولكنه الأخطر، حيث تندفع طهران لإعلان قدرتها النووية، مما يدفع واشنطن وتل أبيب لتنفيذ عمل عسكري واسع النطاق لشل هذه القدرات، مما يعيد تشكيل خارطة الشرق الأوسط بالنار.
• زلزال الإقليم والاختيار اللبناني الصعب
إن ما يشهده الإقليم في هذه المرحلة يتجاوز كونه جولة تقليدية لتبادل النار؛ إنه الزلزال الاستراتيجي الذي أسقط آخر جدران الحروب الصامتة، ليقف لبنان مجدداً في عين العاصفة، محاصراً بين مطرقة عدوان إسرائيلي مدمّر لا يرحم، وسندان وصاية إقليمية مستعدة للتضحية بالساحة اللبنانية للحفاظ على مصالحها الخاصة.
إن الساعات والأيام القادمة ستكون الحد الفاصل بين التراجع نحو طاولة التسويات أو الانفجار الإقليمي الكبير. والسؤال الأكثر إلحاحاً اليوم ليس عن موعد الضربة القادمة، بل عمّا إذا كانت القوى والمؤسسات اللبنانية تمتلك الإرادة والجرأة لانتزاع قرارها الوطني وسيادتها من بين فكّي هذا الصراع المدمر، لأن الإجابة على هذا السؤال هي وحدها التي ستحدد ما إذا كان لبنان سينجو بكيانه، أم سيكون الضحية الأولى في خريطة الشرق الأوسط الجديدة.