بيروت - لبنان

اخر الأخبار

10 حزيران 2026 12:20ص عندما تتقاطع المصالح.. فليكن لبنان المستفيد

حجم الخط
تتقدم المفاوضات الأميركية - الإيرانية ببطء وهدوء، وسط رغبة أميركية واضحة في نقل المواجهة من العمل العسكري إلى المسار الدبلوماسي، وصولاً إلى اتفاق يحقق الحد الأدنى من الأهداف التي سعت إليها واشنطن وحليفتها الاستراتيجية إسرائيل. وفي المقابل، نجحت إيران في تعزيز أوراقها التفاوضية، مستفيدة من موقعها الجيوسياسي وقدرتها على التأثير في أمن الطاقة العالمي، ما يمنحها هامشاً إضافياً للمناورة على طاولة المفاوضات.
ولا شك أن المصالح الإسرائيلية والإيرانية تتقاطع، بشكل مباشر أو غير مباشر، على الساحة اللبنانية. هذا الواقع يُلقي بظلاله على كل من المفاوضات الأميركية ـ الإيرانية من جهة، والمفاوضات  المباشرة بين لبنان وإسرائيل من جهة أخرى. فإسرائيل تخشى التوصل إلى اتفاق أميركي ـ إيراني لا يوفر الضمانات الكافية لأمنها، ولا سيما في ما يتعلق ببرنامج الصواريخ الباليستية والنفوذ الإيراني في المنطقة، في حين يبقى الملف النووي أولوية الإدارة الأميركية.
في المقابل، يحرص حزب الله على إبقاء الملف اللبناني ضمن سياق التوازنات الإقليمية الأوسع، رافضاً أي مسار تفاوضي مباشر يمكن أن يؤدي إلى فصل الساحة اللبنانية عن الصراع الإقليمي. ويتقاطع هذا الموقف مع الرؤية الإيرانية التي تعتبر أن نفوذها في لبنان يشكل إحدى أوراق القوة الأساسية في أي مفاوضات إقليمية أو دولية.
وانطلاقاً من هذه المصالح المتشابكة، وفي ظل واقع أمني متوتر بلغ ذروته خلال الأسابيع الماضية مع تبادل الرسائل العسكرية والتصعيد الصاروخي، تحاول الدولة اللبنانية الحفاظ على استقلالية قرارها السياسي والأمني، والعمل على فصل المسار اللبناني عن التجاذبات الإقليمية قدر الإمكان. كما تسعى إلى الاستفادة من الضغوط الدولية، ولا سيما الأميركية، لدفع إسرائيل نحو تفاهمات تتيح عودة الاستقرار إلى الجنوب، وانسحابها من الأراضي اللبنانية التي لا تزال تحتلها، بما يضمن عودة الأهالي إلى قراهم وإطلاق ورشة إعادة إعمار شاملة للمناطق المتضررة.
وقد عبّر رئيس الجمهورية عن هذا التوجه في أكثر من مناسبة، مؤكداً تمسك الدولة اللبنانية باستعادة سيادتها الكاملة وحصرية قرار السلم والحرب بمؤسساتها الشرعية. وفي المقابل، تحاول بعض القوى التأكيد أنها لا تزال تملك زمام المبادرة الميدانية، وأن دورها العسكري لم ينتهِ بعد.
غير أن السؤال الجوهري يبقى: ماذا لو تقاطعت مصلحة أبناء الجنوب والضاحية، ومصلحة جميع اللبنانيين، مع مصلحة الدولة في بناء وطن مستقر وآمن؟ دولة يُحصر فيها السلاح بيد الجيش والقوى الشرعية، ويتولى فيها القانون وحده مسؤولية حماية الحدود والأمن الوطني، وتُؤمَّن فيها العودة الآمنة للنازحين إلى منازلهم وأرزاقهم، وتُطلق فيها خطة إعادة إعمار مستدامة تحظى بدعم دولي وإجماع داخلي.
وكما قال الدبلوماسي والمفكر الأميركي جورج كينان، مهندس ديبلوماسية الاحتواء خلال الحرب الباردة: «لا توجد سياسة خارجية ناجحة من دون أساس متين من المصلحة الوطنية». ولعل هذه المقولة تختصر المعضلة اللبنانية اليوم؛ فالدول لا تُبنى على رهانات خارجية ولا على الارتباط بصراعات الآخرين، بل على رؤية وطنية واضحة تجعل مصلحة المواطنين فوق أي اعتبار آخر. ومن هنا، فإن التحدي الحقيقي أمام اللبنانيين ليس الانحياز لهذا المحور أو ذاك، بل بناء دولة قادرة على حماية سيادتها وتحصين قرارها الوطني وتحويل المتغيرات الإقليمية إلى فرص للنهوض والاستقرار.