بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 أيار 2026 12:30ص مذكرة تفاهم بلا تفاهمات على الملفات الإستراتيجية!!

حجم الخط
أثار مشروع مذكرة التفاهم المتداول بين الولايات المتحدة الأميركية وإيران موجة واسعة من النقاش داخل الأوساط السياسية والإعلامية الأميركية، ليس فقط بسبب توقيته الإقليمي والدولي الحساس، بل لأنّ البنود المسرّبة منه بدت بعيدة إلى حدّ كبير عن الأهداف التي رفعتها واشنطن وحلفاؤها طوال سنوات المواجهة المفتوحة مع طهران. فبدلاً من الحديث عن تفكيك البرنامج النووي الإيراني، أو ضبط الصواريخ الباليستية، أو كبح نفوذ إيران الإقليمي، بدا أنّ المشروع يركّز على إدارة الأزمة ومنع الانفجار، أكثر مما يسعى إلى معالجة جذور الصراع.
وهنا تكمن المفارقة الأساسية: الإدارة الأميركية التي شنت حربين ضد طهران خلال أقل من سنة،  وخاضت بصورة مباشرة أو غير مباشرة، مواجهات عسكرية وأمنية مكلفة ضد النفوذ الإيراني في المنطقة، تبدو اليوم مستعدة للقبول بتفاهم لا يتضمن حلولاً حاسمة للملفات التي اعتُبرت طوال السنوات الماضية تهديداً للمصالح الأميركية وللأمن الإقليمي والدولي.
القراءة الأولية للمذكرة توحي بأنها أقرب إلى «اتفاق تهدئة» مؤقت منه إلى تسوية استراتيجية شاملة. فهي لا تتحدث عن تفكيك البنية النووية الإيرانية وإخراج اليورانيوم المخصب، بل عن تجميد جزئي أو ضبط محدود لبعض الأنشطة الحساسة، مقابل تخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة. كذلك، تغيب عنها أي آليات صارمة لمعالجة برنامج الصواريخ الباليستية، الذي كانت تعتبره واشنطن وحلفاؤها الخطر الأكثر إلحاحاً، نظراً لارتباطه المباشر بالقدرات العسكرية الإيرانية العابرة للحدود.
أما المسألة الأكثر حساسية، أي النفوذ الإيراني في المنطقة عبر الحلفاء والتنظيمات المسلحة، لم يظهر لها أثر في  النص المسرّب، رغم أنّ هذا الملف كان في صلب الخطاب الأميركي منذ سنوات، وخصوصاً بعد تصاعد دور إيران في العراق وسوريا ولبنان واليمن. وهذا ما يطرح تساؤلات جدّية حول ما إذا كانت واشنطن قد انتقلت فعلاً من استراتيجية «تغيير السلوك الإيراني» إلى سياسة «تنظيم الاشتباك» مع إيران، حفاظاً على الحد الأدنى من «ماء الوجه»، وتجنب الانزلاق إلى حرب واسعة.
المقارنة مع الاتفاق النووي الذي أبرمته إدارة الرئيس الأميركي السابق باراك أوباما عام 2015 تبدو ضرورية لفهم التحول الحاصل اليوم. يومها، شنّ ترامب حملة سياسية عنيفة ضد الاتفاق، معتبراً أنه منح إيران مكاسب مالية هائلة من دون أن يمنعها من تطوير نفوذها الإقليمي، أو امتلاك قدرات نووية مستقبلية. كما انتقد بشدة تجاهل ذلك الاتفاق لبرنامج الصواريخ الباليستية ولدور إيران في المنطقة، قبل أن يقرر الانسحاب منه عام 2018 وإعادة فرض سياسة «الضغوط القصوى».
لكنّ المفارقة اللافتة اليوم أنّ مشروع مذكرة التفاهم الجديدة يبدو، في بعض جوانبه، أقل تشدداً من اتفاق أوباما نفسه. فالاتفاق السابق تضمّن نظام رقابة دولية واضحاً عبر الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وحدد سقوفاً تقنية صارمة لنسب التخصيب وحجم المخزون النووي، بينما تبدو المذكرة الحالية أكثر غموضاً ومرونة، وأقرب إلى تفاهم سياسي قابل للتبدل وفق ميزان القوى والتطورات الميدانية.
هذا التحول يعكس،على الأرجح، تبدلاً في الأولويات الأميركية. فواشنطن المنخرطة في منافسة استراتيجية مع الصين، والمثقلة بتداعيات الحرب في أوكرانيا، والتوترات الاقتصادية العالمية، لم تعد تبدو راغبة في خوض مواجهة مفتوحة مع إيران. لذلك، فإنّ هدفها الأساسي قد يكون الخروج من المراوحة الصعبة الراهنة، وفتح مضيق هرمز، وليس إعادة رسم التوازنات الإقليمية بصورة جذرية. ولعل هذه الإعتبارات كانت في مقدمة دوافع الإتصالات الهاتفية التي أعلن ترامب مع قادة دول عربية وإسلامية معنية بالوضع الإيراني، ووضعهم في أجواء التفاهم المطروحة. 
غير أنّ هذا النوع من التسويات المرحلية يحمل في طياته مخاطر عديدة بالنسبة لدول المنطقة. أما لبنان وساحات الاشتباك الأخرى، فقد يجدان نفسيهما أمام مرحلة جديدة من «التهدئة المضبوطة» لا تلغي الصراع، بل تؤجله وتعيد تنظيمه. فالتفاهمات الأميركية ــ الإيرانية، سواء في عهد أوباما أو اليوم، لم تؤدِّ يوماً إلى إنهاء النزاعات الإقليمية، بل غالباً ما أدت إلى إدارتها ضمن سقوف معينة لغايات في «نفس يعقوب»، من دون معالجة الأسباب العميقة للأزمات.
من هنا، تبدو مذكرة التفاهم المطروحة بلا تفاهمات على الملفات الاستراتجية، محاولة أميركية لشراء الوقت وتخفيف الضغوط الداخلية، أكثر مما هي مشروع سلام دائم أو تسوية شبه نهائية. وتبقى كل الهواجس متأججة بإنتظار الإعلان الرسمي عن المذكرة المتداولة بصيغتها النهائية من جهة، التي ستحدد إتجاهات المفاوضات المتشعبة بين الطرفين الأميركي والإيراني خلال الشهرين المقبلين، من جهة أخرى، وما يمكن أن تسفر عنها من نتائج ترسم الخريطة الجديدة لموازين القوى في المنطقة.