• مقدمة: حقبة الاستقرار الدستوري وتحديات التمكين الإداري
واجهت جمعية المقاصد الخيرية الإسلامية في بيروت بعد «دستور 1922» استحقاقاً مصيرياً لترجمة النصوص إلى واقع ملموس، وإدارة التعليم والرعاية بعقلية حديثة تنافس المدارس الإرسالية والعلمانية، مع الحفاظ على هويتها الإسلامية والعربية بوجه المفوضية الفرنسية.
وامتداداً للمداميك التي أرساها الداعوق والفاخوري، قادت المجالس المنتخبة الجديدة ورشة التحديث والتوسّع؛ حيث شكّل عهدي محمد سلام ومصباح الطيارة محطة ذهبية نقلت الجمعية نحو التنظيم المؤسساتي المتكامل والنهضة الثانية.
• عهد محمد سلام: ريادة التحديث التربوي وهيبة الموقف الأهلّي
تسلّم الوجيه البيروتي محمد سلام دفّة القيادة في ظروف كانت تتطلب حزماً إدارياً ورؤية تربوية متطورة تتجاوز الأساليب التقليدية. كان محمد سلام، بسليقته العائلية المتمرسة في الشأن العام وحسّه الوطني المرهف، يدرك أن الحفاظ على الهوية العربية والإسلامية لبيروت لا يكون بالشعارات السياسية الفضفاضة، بل ببناء جيل مسلّح بأعلى مستويات المعرفة والعلوم الحديثة واللغات الحيّة، ليكون قادراً على خوض غمار الوظائف العامة وإثبات الكفاءة السيادية في مجتمع يمرّ بتحوّلات هيكلية كبرى تحت عين الانتداب.
شهد عهد محمد سلام ثورة حقيقية في هيكلة التعليم المقاصدي؛ حيث ركّز كل جهوده على محورين أساسيين: «جودة التعليم» و«تطوير الكادر البشري». تميّزت هذه الفترة بالخطوات الميدانية الحاسمة التالية:
1. تحديث المناهج وعصرنتها: جرى إدخال مناهج علمية متطورة في الرياضيات والعلوم والفيزياء، مع الحفاظ الصارم والمطلق على مادة التربية الإسلامية واللغة العربية كركيزتين لا مساومة عليهما، لتصبح مدارس الجمعية بيئة تجمع بين الأصالة الروحية والتفوق العلمي الحديث.
2. غربلة الجهاز التعليمي واستقطاب النخب: اعتمد سلام سياسة تربوية صارمة قائمة على الكفاءة والجدارة العلمية؛ فاستغنى عن المعلمين غير المؤهلين، واستقطب طليعة الخريجين والمربين المستنيرين من ذوي الكفاءات العالية، ورفع من أجورهم لضمان استقرارهم المهني وحصانتهم الفكرية ضد أي إغراءات خارجية.
- توسيع البنية التحتية للمدارس: لم يقف التطور عند المضمون التربوي فحسب، بل شمل تحديث المباني المدرسية القائمة في الأحياء البيروتية، وتزويدها بالمختبرات العلمية والمكتبات الحديثة والمقاعد الدراسية المريحة، مما جعل البيئة المدرسية للمقاصد تضاهي، بل وتتفوّق على أرقى مدارس الإرساليات الأجنبية والعلمانية في العاصمة.
قاد محمد سلام مجالس إدارته بهيبة معنوية طاغية ونزاهة مشهودة، مستمدّاً قوته من التفاف عائلات بيروت حول رؤيته التحديثية، فكان عهده بحق جسر العبور بالتعليم الأهلي من الكتاتيب والصفوف البسيطة إلى نظام المدارس الثانوية والابتدائية النموذجية والحديثة.
• مصباح الطيارة: التدبير الإداري الصارم وحراسة الأوقاف من التآكل
بالتوازي مع الطفرة التربوية والتحديثية التي قادها محمد سلام، برز دور الوجيه ورجل الأعمال البيروتي الفذ مصباح الطيارة كأحد أعمدة التدبير الإداري والمالي الصارم في مجالس إدارة الجمعية خلال هذه الحقبة الحيوية. تميز مصباح الطيارة بعقلية تنظيمية بارعة ودقة محاسبية منقطعة النظير، حيث تولى بحرص شديد ملف الحفاظ على الأصول المالية والعقارية وتنمية ريع الأوقاف، معتبراً أن الاستدامة المالية للمؤسسة هي الضمانة الوحيدة والوحيدة لحرية قرارها السياسي والتربوي بوجه ضغوط سلطات المفوضية الفرنسية.
أدرك الطيارة بوعيه التجاري الثاقب أن اتساع شبكة المدارس وزيادة أعداد الطلاب ورفع أجور المعلمين يتطلب تدفقات مالية ثابتة ومتنامية لا تعتمد فقط على التبرعات الموسمية أو الهبات العائلية العابرة، بل ترتكز على «الاستثمار الوقفي الذكي والدوري». ومن هنا، قاد الطيارة ورشة عمل كبرى لإعادة تنظيم السجلات الدفترية للأوقاف المقاصدية:
مراجعة عقود الإيجار واسترداد الحقوق: عمد الطيارة بجرأة وحزم إلى مراجعة كافة عقود الإيجار القديمة للمحلات والدكاكين والبساتين المملوكة للجمعية في أسواق بيروت القديمة، وقام بتعديل بدلات الإيجار بما يتناسب مع الأسعار الرائجة في السوق، مما أدى إلى مضاعفة الإيرادات الوقفية الدورية للجمعية مرات عدة.
يتبع