بيروت - لبنان

اخر الأخبار

25 أيار 2026 12:00ص «مواكب النور في دروب الهلاك: ذاكرة الحج قديماً» (الحلقة الأخيرة)

الأضاحي في وادي مِنى: بين بركة الهدي والتحدّيات الصحية

حجم الخط
حين كان الحجاج قديماً يقطعون الفيافي والقفار الموحشة، متحمّلين شظف العيش ومشاق الطرقات التي لطالما ترصد بها الهلاك، كان حاديهم الإيماني يسوق أرواحهم نحو ذروة مناسك الحج في يوم النحر بـ «وادي مِنى». وهناك، في ذلك الوادي الضيق المحصور بين الجبال الشاهقة، تتجسّد واحدة من أقدم الشعائر وأكثرها عمقاً في وجدان شعوب الإسلام: شعيرة نحر الهدي والأضاحي، تقرّباً إلى لله واقتداءً بسنّة الخليل إبراهيم عليه السلام.
إلّا أن هذه الشعيرة في العصور الخالية، لم تكن مجرد طقس تعبّدي عابر؛ بل كانت حدثاً اجتماعياً، واقتصادياً، وإنسانياً هائلاً، تتقاطع فيه مظاهر الفرح والوفرة الغذائية المفاجئة مع أزمات بيئية وصحية طاحنة. ففي زمن لم تكن فيه وسائل التبريد، ولا مسالخ حديثة، ولا قنوات لتصريف المخلفات، تحوّل وادي منى في مواسم الحج إلى مشهد مهيب يختلط فيه التكبير والتهليل، بدماء الأضاحي التي كانت تُساق من فجاج الأرض، ليرسم التاريخ تفاصيل مدهشة عن أسعارها، وطقوسها، والأخطار البيئية المرعبة التي نتجت عنها وشكلت وجهاً من وجوه الموت في الحج.

• أسواق الأضاحي قديماً سوق النعم وآليات التسعير

قديماً، لم تكن الأضاحي متوفرة بضغطة زر أو عبر كوبونات وسندات الهدي المنظمة كما هو الحال اليوم؛ بل كان النسك يتطلب حركة بدنية شاقة يعاين فيها الحجاج ويشترون أضاحيهم بأنفسهم من أسواق مكة وعرفة وبطحاء منى. وكانت قوافل الماشية من الأغنام، والماعز، والإبل، والبقر، تُساق قبل الموسم بأسابيع طويلة عبر دروب الصحراء من نجد، واليمن، ومطارف الحجاز، بل وكان بعضها يُجلب بحراً عبر ميناء جدة من سواحل السودان والقرن الإفريقي لتغطية احتياجات الوفود.
وفي عصور الفقر والقلة الشديدة التي ضربت الحجاز، كانت أسعار الأضاحي تخضع لمعادلة العرض والطلب والوضع الأمني للطرقات؛ إذ لم يكن سعر الهدي في سنوات الرخاء يتجاوز «ثلاثة ريال مجيدية» أو بضعة قروش، وهي تكلفة كانت تمثل عبئاً مالياً كبيراً على حاج أنفق كل مدخرات عمره ليصل إلى البيت العتيق. وإذا ما تعرضت قوافل الماشية لغارات الأعراب أو قطاع الطرق في الدرب، كانت الأسعار تقفز إلى أرقام خيالية، مما يحرم فقراء الحجاج من نيل ثواب الأضحية، فيلجأون فقهياً إلى الصيام بدلاً عنها في الحج كما رخص الشرع الحنيف. وحين يشتري الحاج دابته، كان يسوقها بنفسه وهو يلبي، ويقودها في زحام منى الشديد، ليتولى نحرها أو ذبحها بيده بمدية حادة يشرعها في الهواء وسط تكبير الحاضرين.

• «القديد»: زاد العودة من بطون حُرمت اللحم طويلاً

لقد كانت الأضاحي في منى تمثل «انفراجة غذائية» واجتماعية كبرى لآلاف الحجاج الفقراء والمجاورين في مكة؛ فكثير من هؤلاء الحجاج القادمين من أداني إفريقيا، أو مجاهل آسيا، أو أرياف بلاد الشام ومصر، كانوا يعيشون على شظف العيش، ولم تكن بطونهم تتذوق اللحم إلا في اللمامات لفقرهم المدقع، وطول رحلتهم التي اقتصر زادها على الكسر الجافة والتمر والماء. لذلك، كان يوم النحر بمثابة عيد للبطون الجائعة؛ فيأكل الحجاج من هديهم، ويستطعمون اللحم المشوي والمطبوخ في قدور بدائية تُوقد تحتها جذوع الحطب وسعف النخل، وتنبعث منها أدخنة كثيفة تلف وادي منى بضباب يحمل رائحة الشواء.
ولما كان طريق العودة إلى الديار يستغرق أشهراً طويلة في البيداء، ولم تكن وسائل حفظ الأطعمة معروفة، يعمد الحجاج إلى طقس شعبي عريق لتخليد بركة الأضحية والاستفادة منها؛ وهو صناعة «القديد» أو «القفر». فكانوا يشرحون اللحوم المتبقية إلى شرائح رقيقة وطويلة، ويغمرونها بكميات كثيفة من الملح الخشن لقطع الرطوبة عنها، ثم يمدونها على حبال الخيام أو ينشرونها فوق صخور جبال منى الساخنة تحت أشعة الشمس الحارقة لعدة أيام حتى تجف تماماً. هذا اللحم المجفف المملح كان يصبح زادهم في رحلة الإياب الطويلة عبر دروب الهلاك، ويعودون بما تبقى منه إلى ديارهم النائية ليوزعوه كهدية بركة محملة بنفحات الحرم الشريف.

• المعضلات الصحية العتيقة وتحدّيات غياب الإشراف الطبي

رغم الجانب الروحاني والاجتماعي المشرق للشعيرة، إلا أن الكواليس التنظيمية والطبية في منى قديماً كانت تواجه معضلة بيئية وصحية طاحنة؛ إذ تحولت دماء الأضاحي ومخلفاتها غير المدفونة إلى أكبر مهدد لحياة الحجاج في غياب نظم المسالخ الحديثة وآليات التطهير السريع. وكانت السلطات الإدارية والصحية في ذلك الوقت، ورغم محاولاتها البدائية لحفر أخاديد وخنادق جماعية لدفن المخلفات، تواجه عجزاً كبيراً؛ لأن الأعداد الهائلة للذبائح كانت تفوق قدرة العمال والموظفين المحدودة، مما جعل الوادي بيئة خصبة لتوالد الميكروبات وانبعاث الغازات المعوية السامة.
وفي كتابه المرجعي «الرحلة الحجازية» (سنة 1327هـ / 1909م)، يقدم لنا الرحالة والمؤرخ المصري محمد لبيب البتنوني وصفاً دقيقاً وصادماً لكابوس الأضاحي وغياب الإشراف الصحي في منى في العهد العثماني، فيقول في مقتطفه الحي الموثق:
«كان الحجاج يذبحون هداياهم وأضاحيهم في أي بقعة تروق لهم من منى، بل وأمام خيامهم مباشرة، ثم يأخذون منها بضعة أرطال ليأكلوها، ويتركون بقية الجثة والدماء تسيل في الشوارع والطرقات الضيقة. وتحت تأثير الشمس اللاهبة التي بلغت حرارتها حداً لا يطاق، كانت تلك اللحوم والدماء تتحلل وتتعفن في ساعات معدودة، فتنبعث منها روائح كريهة تزكم الأنوف، وتملأ الفضاء غازات سامة، ويجتمع عليها ذباب أسود كثيف كقطع الليل المظلم، حتى يغدو المشي في منى قطعة من العذاب والمخاطرة بالصحة البشريّة».

• الأوبئة الموسمية: مواجهة «الموت الأصفر» بين الخيام والتأسيس الصحي

هذا الوضع البيئي الكارثي الذي تسببت فيه مخلفات الأضاحي قديماً، جعل من وادي منى بؤرة رئيسية لتفشي الأوبئة الفتاكة، وعلى رأسها «الهيضة» (الكوليرا) أو ما كان يسميه الحجاج بـ «الموت الأصفر». ففي القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين، شهد الحج مواسم كبرى سُميت في الذاكرة الشعبية بـ «الحجج الوبائية»؛ فحين كانت جرثومة الكوليرا تصل مع الحجاج القادمين من جنوب آسيا عبر البحر، تجد في دماء الأضاحي السائلة والمتحللة ومياه الآبار والعيون السطحية الملوثة في منى بيئة مثالية للانفجار الوبائي السريع.
وكانت الكوليرا تضرب الحجيج في أيام التشريق كالبلية المباغتة؛ فيسقط الحاج ميتاً في غضون ساعات قليلة من إصابته بالقيء والإسهال الشديدين بسبب الجفاف الحاد. وينقل لنا المؤرخون مشاهد تدمي القلوب؛ حيث كان الحجاج يفرون من منى صوب مكة المكرمة مذعورين، تاركين خلفهم جثث رفاقهم تختلط بجثث الأضاحي في الوادي، فغصت شعاب منى بالموتى، وتحولت «رحلة النور» إلى مأساة إنسانية مروعة يفر فيها المرء من أخيه وصاحبته وبنيه خوفاً من العدوى الفتاكة. ولم ينتهِ هذا الكابوس إلا في العقود اللاحقة مع دخول الإجراءات الصحية الحديثة، وإنشاء المحاجر الصحية (الكرنتينا)، وتنظيم المسالخ برعاية إشرافية صارمة تضمن الدفن والتعقيم الفوري لحفظ الأنفس البشرية.

*****

هكذا كانت الأضاحي في الحج قديماً حكاية قائمة بذاتها؛ تختزل الصراع الأزلي على تلك الدروب بين وعثاء الجسد وأشواق الروح. فبين فرحة التقرب إلى الله بدم الهدي وسد جوع السنين بلحم «القديد»، وبين كابوس الأوبئة والتحلل الذي حصد أرواح الأجداد، يبقى وادي منى شاهداً على جيل كابد الأهوال والمهالك، وانتصر بإيمانه ليحيي شعائر الله، تاركاً لنا ذاكرة تفيض بالعبر والدموع والدروس التي لا تنمحي على مرِّ الزمان.